محكمة الجنايات الدولية تطارد الرئيس السوداني بالتوقيف والمحاكمة، وأعلى محكمة أسبانية تصدر مذكرة بحق سبعة \"إسرائيليين\" وتهددهم بالاعتقال، ويترافق معهما اعتقال أهم شخصية صربية، وهذه الأحداث المتزامنة بظروف متقاربة ربما لم تكن خارج ما يجري من سياق في واقع يعيشه العالم ولا يستطيع تجاهله،
غير أن الفارق في النتائج مختلف أي أن رادوفان كارادازيتش يمكن تقديمه للمحاكمة، وحتى البشير إذا ما تجاهلت الدول الأخرى وجود حصانة ما لرئيس دولة، لكن في حال "الإسرائيليين" السبعة فالاستحالة ستكون الأقوى؛ لأن محكمة دولة واحدة في اتحاد أوروبي لا تجعل الاتفاق مفتوحاً بحيث تقبل تلك الدول قرار المحكمة الأسبانية، ثم إن "إسرائيل" تختلف في قوة الضغط وحجم المؤيدين لها عن السودان وصربيا.
فالعقدة النازية بالإبادة لا تزال سوط عذاب على كل من يقترب من الشأن "الإسرائيلي"، وحتى الأسماء المطلوبة للاعتقال تبرر فعلهم أنهم يكافحون "الإرهاب الفلسطيني"، وقد تفتح "إسرائيل" سجل التاريخ لمحاكم التفتيش وتاريخ الاستعمار الأسباني لأمريكا الجنوبية، وستجد من يؤيدها، أي أنها لا تحتاج إلى محامين إذا كان القانون الدولي يصادق على أية جريمة تفعلها أو تفتعلها، وبهذا المعنى تسقط الحقوق أمام جبروت القوة التي تضع أمريكا القاضي والمحامي عن كل حال تتصل "بإسرائيل" أو تضعها على لائحة الجريمة.
المستغرب أن صور القضاة صارت بوزن رؤساء الدول ونجوم الفن والرياضة من حيث إشاعة ما يصدرونه من أحكام، وهي ظاهرة بعيدة عن السياسة والأدوات التي تحركها، لكن المواقع والأشخاص هما من يحدد تلك الجهات ووزن كل بلد وشخصيته.
قلنا في العديد من المواقف إن العدالة غير متوفرة وإن من يقرر هو من يملك القوة بأشكالها المختلفة، وإنه لا حصانة لشخص أو دولة إذا تحولت الدعاية إلى شكوك ثم إدانة ثم احتلال وهو ما جرى مع العراق والأراضي الفلسطينية وأفغانستان، والدروب طويلة؛ لأن من يقطع الخطوة الأولى يستطيع أن يواصل إلى الكيلو مترات، وهو الشأن في ضعف دول وقوة أخرى، ولن يكون مستغرباً أن تشكَّل محاكم خاصة لأي مدع عام سواء إلصاق تهمة الإرهاب أو تهديد دولة أو الأمن العالمي، وقد يكون الإعفاء سهلاً عندما تذعن زعامة دولة بالتراجع عن عدائها وخططها وأفكارها، كما جرى لليبيا لتوضع على لائحة الأصدقاء بدلاً من الأعداء.
المعيار لمطاردة الجريمة لا يخضع لناموس معين بدليل أن شركات الأدوية تقدم علاجات لا تتفق مع المواصفات الدولية، ولا يطالها قانون العقوبات؛ لأنها في حماية شركات كبرى تهيمن على قرار الدولة، وأكثر من ذلك أن يُجمع العالم على حماية الأرض من التلوث وتناقضه دولة واحدة تعطل أي قرار ضد تخريب البيئة، وقس على ذلك تجارب على أسلحة إبادة وتدمير وتلاعب بالأغذية لا توجد لها ضوابط ولا قوانين رادعة، وهي بأضرارها لا تقل شراسة عن مجرم حرب في أية دولة كبيرة أو صغيرة.
وكما أن الأمم المتحدة ومؤسساتها خارج قوة الفعل فإنها تبقى تحت وصاية الدول الكبرى التي تستطيع أن تمتنع عن دفع اشتراكاتها في حال رفضت مطالبها لتتعطل مؤسساتها وتعجز عن دفع رواتب العاملين بها، وهي عقوبات جعلت المسؤولين فيها لا يستطيعون أداء دورهم إلا بأوامر تلك الدول.
جريدة الرياض السعودية
المجرمون.. وصعوبة الملاحقات القانونية!.. يوسف الكويليت
