حين احتلت القوات العراقية الكويت استطاعت الولايات المتحدة بسهولةٍ استصدار القرارات الدولية التي فرضتْ على العراق حصارًا قاسيًا، وشرعت عليه حرب التدمير، ومن بعد ذلك شروط الاستسلام المهينة.
كان العالم وقتها يشْهَدُ ظاهرة القطب الواحد والهيمنة الأمريكية الْمُطْلَقَة على الساحة الدولية مع وصول الاتحاد السوفيتي إلى مرحلة العجز شبه المطلق واقترابه من مرحلة التفكك والانهيار، فيما كانت الصين تعاني هي الأخرى من مصاعب اقتصادية وإشكالات داخلية، كان من أهم محطاتها مظاهرات الطلاب في ساحة تيانانمن المطالبة بالديمقراطية والإصلاح والمتطلعة للنموذج الغربي.
وقد فشلت الولايات المتحدة في محاولاتها حشد التأييد الدولي لغزو العراق واحتلاله عام 2003، وبدا أن نفوذها العالمي آخِذٌ في التراجع.
وفي أوربة حصلت إدارة بوش - في مساعيها لاستهداف العراق - على تأييد بريطانيا وإيطاليا وإسبانيا وبعض الدول الصغيرة، في حين وجدتْ مُعَارَضَةً قويةً من فرنسا وألمانيا.
بعد احتلال العراق ومع تسويق الخوف من "الإرهاب الإسلامي" إعلاميًّا ونفسيًّا ومن تأثير المسلمين على الْهُوُيَّة الأوربية بدا أن المزاج الشعبي الأوربي يميل للتيارات اليمنية والمتطرفة.
وعلى الرغم من انكشاف الأكاذيب الأمريكية في العراق والممارسات غير الإنسانية هناك فإن أوربة بَدَتْ أكثرَ التفافًا حول إدارة بوش، والتحقت ألمانيا- ميركل، وفرنسا- ساركوزي بالقاطرة الأمريكية سواء في أفغانستان أو العراق أو المنطقة العربية أو أفريقيا.
أزمة زيمبابوي الأخيرة واستخدام روسيا والصين حق الفيتو في وجه قرار أمريكي- غربي ضد روبرت موغابي شَكَّلا بدايةً لظهور تحولات في موازين القوى العالمية، وبدا أن البلدين أكثرُ قُدْرَةً واستعدادًا لإظهار خلافاتهما مع الولايات المتحدة وحلفائها.
الرئيس الروسي ميدفيديف أكّد خلال لقائه نظيرَهُ الأمريكي بوش على هامش قمة الثمانية باليابان أنّ الْمُخَطَّطَات الأمريكية الخاصة بتجهيز ما يُسَمَّى بالموقع الثالث للدرع الصاروخي الأمريكي في أوروبا تُثِير قلق روسيا. كما هددت روسيا بِرَدٍّ عسكريٍّ على إقامة محطة رادار أمريكية في التشيك في إطار منظومةِ الدفاع الصاروخي الأمريكية.
كما اتهمت روسيا الولايات المتحدة بتغطية الاستفزازات الجورجية في منطقَتَيْ أبخازيا وأوسيتيا الجنوبية الانفصالِيَّتَيْنِ اللَّتَيْنِ تشهدان أعمال عنف.
وتبادلت روسيا وجورجيا الاتهامات حول المسؤولية عن سلسلة الانفجارات التي حدثت مُؤَخَّرًا في أبخازيا. وقال مسؤولون جورجيون: إن هذا يعني أن الانفصاليين في أبخازيا لا يستطيعون حِفْظَ الأمن بمساعدة القوات الروسية، ودعوا إلى استقدام قوات دولية، في حين نددت وزيرة الخارجية الأمريكية رايس بما وصفته بالتحرشات الروسية التي "فاقَمَتِ الوضع" في منطقة النزاع الجورجي الأبخازي، ودعتْ إلى ضرورة معاملة جورجيا كدولة مستقلة.
روسيا تشعر بأن الوجود العسكري الأمريكي في منطقة آسيا الوسطى والقوقاز يشكل تهديدًا لمصالحها القومية. وقد كان التوسع الأمريكي من أهم الأسباب التي أدّت بروسيا في نهاية العام الماضي إلى تعليق مشاركتها في معاهدة الحدِّ من الأسلحة التقليدية في القارة الأوربية التي تم التوصل إليها بين الاتحاد السوفييتي السابق وحلف الناتو.
الموقف الروسي أَسِفَتْ له الخارجية الأمريكية، واعتبرته حينها ضارًّا بعملية الحدِّ من التسلح.
من جهة أخرى قالت صحيفة الشعب الرسمية في الصين: إنّ مدعي المحكمة الجنائية الدولية ربما كان يصبُّ الزيت على النار بسعيه لاعتقال الرئيس السوداني عمر البشير، فيما يعكس معارضة بكين الشديدة لتوجيه اتهامات بارتكاب جرائم إبادة جماعية في دارفور.
ومضت الصحيفة تقول: التخفيف من هذه المشكلة يقتضي من جميع الأطراف التحلي بالتعقل والتشاور على أساس المساواة والسعي للتعاون، وليس الاندفاع إلى توقيع عقوبات وتوجيه الاتهامات وإصدار الإحكام أو إصدار أوامر الاعتقال.
في الخريف الماضي حذّر بارز الجنرال بروس رايت، قائد القوات الأمريكية في اليابان، من تنامي قوة الصين العسكرية مقابل القوة الأمريكية الآخذة في التراجع، جرّاء الحرب في العراق.
الجنرال رايت قال: إن العراق استنزف الموارد المخصصة لاستبدال أو تحديث سلاح الجو، وأوضح أن العمليات العسكرية هناك تستهلك الطاقة العملياتية القصوى للأسراب المقاتلة، في حين عززت الصين أجواءها بأحدث المقاتلات العسكرية الروسية بجانب الطائرات المصنعة مَحَلِّيًّا، كما طورت منظومةَ صواريخها البالسيتية الدفاعية.
وأوضح رايت أن استمرار الصين في تعزيز قواها العسكرية "أمر مثير للقلق"، مشيراً إلى تقادُم الأسطول الجوي الأمريكي.
وقد تسبب ارتفاع عائدات أسعار النفط والغاز التي ساهمت في نمو الاقتصاد الروسي في تراجعٍ واضحٍ في قدرة الغرب على التأثير في السلوك الروسي، فلم تعد روسيا بحاجة إلى المساعدات والقروض كما كان الحال في التسعينيات.
النمو الكبير في الاقتصاد الصيني إضافة إلى التحرك الصيني باتجاه إفريقيا وتقديمها القروض والمساعدات للدول هناك ودخول الشركات الصينية الأسواق الآسيوية والأفريقية، كل ذلك عزز من مكانة الصين الدولية.
بينما استهلكت الإخفاقات الأمريكية في تشكيل الشرق الأوسط الجديد والتورط في المستنقع العراقي والأفغاني الكثيرَ من القدرات العسكرية الأمريكية، مما ساهم في تقوية المواقف الروسية والصينية على الساحة الدولية.
وأدى الفشل الأمريكي في رعاية مفاوضات السلام "الإسرائيلية"- الفلسطينية والتعثر الكبير في القرن الأفريقي والانتكاسات الأخلاقية الأمريكية في مسائل الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات إلى تراجع الدور الأمريكي عالميا.
وفي مؤتمر صحفي منذ عامين جمع بين الرئيسين الروسي والأمريكي رد بوتين ساخرًا على مخاوف بوش بشأن الديمقراطية في روسيا بِرَفْضِه التامِّ بأن تتحول روسيا إلى دولةٍ ديمقراطيةٍ على غِرَار تلك التي يتمتع بها العراقيون!!.
الاسلام اليوم
تغيرات في موازين القوى الدولية.. د. ياسر سعد
