هيئة علماء المسلمين في العراق

دلالات عملية الجرّافة بالقدس وخيارات الأمّة - صالح النعامي
دلالات عملية الجرّافة بالقدس وخيارات الأمّة - صالح النعامي دلالات عملية الجرّافة بالقدس وخيارات الأمّة - صالح النعامي

دلالات عملية الجرّافة بالقدس وخيارات الأمّة - صالح النعامي

دلالات عملية الجرّافة بالقدس وخيارات الأمّة - صالح النعامي بعد مرور وقت قصير على عملية الجرّافة في القدس المحتلّة صباح أمس الثلاثاء- وهي العملية الثانية من نوعها التي تحدث في غضون شهر- عاد الصهاينة للتعبير عن ندمهم على قرار ضم القدس الشرقية للسيادة الإسرائيلية بُعَيد احتلالها في العام 1967.

تعليقات الصهاينة على هذه العملية تُبَرْهِن على زَيْف ما يعرف بـ" الإجماع الصهيوني" حول القدس "كعاصمة موحدة للكيان الصهيوني"، وأن تواصل هذا الإجماع يتناسب عكسيًا مع فعل المقاومة الفلسطينية. ردّة فعل الجمهور والنُّخَب الصهيونية على هذه العملية يدلِّل على أن الإسرائيليين غير مَعْنِيِّين بدفع ثمن مقابل الحفاظ على "وحدة" القدس، وهذا ما يؤكّد الدور الذي تلعبه المقاومة في تغيير القناعات الصهيونية، وتهيئة الصهاينة نفسيًّا للاستعداد للتراجع عن مواقفهم التي كانوا يعتبرونها خطوطًا حمراء. الصهاينة باتوا يدركون حجم الثمن الذي يدفعونه مقابل سياستهم القمعية ضد الفلسطينيين في القدس والتي بلغت حدًا لا يطاق.

فالمقدسيون كما هو الحال مع سائر الفلسطينيين في كل أرجاء الأراضي المحتلة أثبتوا مرّة أخرى أنهم غير مستعدين للتعايش مع الاحتلال وقبوله بحال من الأحوال. الوسيلة والكيفية التي تمّت فيها هذه العملية تدلّ على أنه عندما تتوفر الإرادة فإن كل شيء يمكن أن يستحيل إلى وسيلة من وسائل المقاومة؛ فالجرافة التي تستخدم في عمليات البناء تتحول إلى سلاح يطحن كل ما يمثل الاحتلال. وهذا يعني أن زعم إسرائيل بأنها قضت على المقاومة الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس كان سابقًا لأوانه بكثير. فإذا نجحت الإجراءات الأمنية الإسرائيلية واحتياطات تل أبيب، وتحديدًا جدار الفصل العنصري في منع تنفيذ عمليات استشهادية في قلب إسرائيل بواسطة العبوات والأحزمة الناسفة، فإن الفلسطينيين سيواصلون المقاومة بغضّ النظر عن الإمكانيات المتوفرة وطبيعة الاحتياطات الأمنية التي يتخذها الكيان الصهيوني. لقد اندلعت الانتفاضة الأولى ولم يكن الفلسطينيون يملكون من وسائل المقاومة إلا الحجارة، ثم تطوّرت هذه الوسائل ليتم استخدام السكاكين فيما وصف في حينه بـ" حرب السكاكين"، وجاءت محاولة المقاومين السيطرة على مَقَاوِد القيادة في الحافلات التي تقلّ المستوطنين الصهاينة، والانحراف بها نحو الوِدْيان السحيقة المتاخمة للشوارع التي تسلكها هذه الحافلات، كما فعل المقاوم عبد الرحمن غنيم في العام 1990. وبعد ذلك انتقل المقاومون لاستخدام السلاح الناري، لتتسع دائرة استخدام هذا السلاح ويتطور فعله على شكل الكمائن المسلحة والاشتباكات المباشرة وغيرها. وبعد ذلك بدأت مرحلة القذائف والصواريخ محلية الصنع، التي أصبحت تهديدًا استراتيجيًا لإسرائيل. أن مظاهر تعبير الصهاينة عن ندمهم على ضمّ القدس الشرقية لإسرائيل يحمل في طَيَّاته رسالة لبعض النُّخَب في العالم العربي التي تدعو للتشبث بالخيارات السياسية كالوسيلة الوحيدة لانتزاع الحقوق العربية التي سلبتها إسرائيل.

فهذه النُّخَب مدعوة لوقفة طويلة مع النفس في ظلّ تراكم الدلائل التي تؤكد انهيار منظومة المُسَوِّغات التي تستند إليها هذه النخب في تَبَنِّيها هذا الطرح. فمتانة المنطلقات الفكرية وأهليتها تكمن في مدى صلاحياتها لتوفير حلول للمعضلات التي تواجه الأمة، ولا يجوز البتّة التعلّق بالأفكار العدمية التي ثبت فشلها.

فعقود من التفاوض مع إسرائيل لم تدفعها ليس فقط في التفكير بالتراجع عن ضمّ القدس الشرقية، بل تحوّلت "وحدة القدس" إلى محور إجماع صهيوني، بينما ينجح شاب فلسطيني واحد في زعزعة هذه الإجماع. سلوك إسرائيل مع العرب هو الذي يؤكد أنها لا تفهم إلا لغة القوة، بينما تؤدي المفاوضات والمباحثات السلمية إلى طغيانها وعربدتها. أحد صور السلوك الإسرائيلي التي تؤكد ذلك هو صفقة تبادل أسرى مع حزب الله التي اضطرّت تل أبيب خلالها فيها للإفراج عن المقاوم سمير القنطار الذي أُدِين بقتل ثلاثة من المستوطنين مقابل جثتي جنديين، واستعداد إسرائيل للإفراج عن مئات الأسرى الفلسطينيين الذين أُدِينوا بقتل جنود للاحتلال ومستوطنين مقابل الإفراج عن الجندي الإسرائيلي جلعاد شاليط الذي تحتجزه فصائل المقاومة. فعلى مدى 15 عام من التفاوض بين منظمة التحرير وإسرائيل لم تفرج تل أبيب عن عدد يُذكَر من المقاومين الفلسطينيين الذين أُدِينوا بارتكاب عمليات مقاومة حقيقية.

وإذا كانت بعض النخب العربية ترى في المفاوضات مع إسرائيل الوسيلة الأنجع في إنقاذ ما يمكن إنفاذه من الأرض العربية، فإنه تبيّن أن المفاوضات بين منظمة التحرير وإسرائيل كانت تُوَظَّف من قبل الكيان الصهيوني لابتلاع أكبر مساحة من الأرض الفلسطينية. فحسب معطيات منظمة "بيتسيلم" الحقوقية الإسرائيلية فإن الأنشطة الاستيطانية في الضفة الغربية تضاعفت بنسبة 60% منذ التوقيع على اتفاقية "أوسلو". من ناحية ثانية فإن إسرائيل تبتدع الوسائل لإحراج وإهانة الأطراف التي تجري معها مفاوضات "سلام". والذي يصلح دليلاً على ذلك هو التقرير الذي رفعه المبعوث الأمني الأمريكي في الأراضي الفلسطينية جيني جونز للإدارة الأمريكية مؤخرًا والذي يؤكد أن جيش الاحتلال بدلاً من أن يكافئ أجهزة حكومة فياض الأمنية على مساهمتها في حربها ضدّ حركة حماس فإنه يُعِيق عملها ويقوم بإحراجها أمام الرأي العام الفلسطيني.

دلالات عملية الجرّافة الثانية في القدس وتداعياتها أكثر عمقًا من نتائجها الميدانية؛ فهي أولاً وقبل كل شيء تظهر دور المقاومة في دفع الصهاينة لإبداء التنازل، إلى جانب تأكيدها بؤس الرهان على المفاوضات كخيار إذا لم تستند إلى ممارسة أشكال النضال الأخرى.


المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط

الاسلام اليوم

أضف تعليق