في ظل الاحتلال.. الفلوجة قبل الميلاد! - عثمان المختار
منذ أن وطئت أقدام الاحتلال الأمريكي أرض الرافدين بدعوى تخليصها من الدكتاتورية، وبسط الديمقراطية على أرضها الخضراء، ومدن ومحافظات العراق المختلفة تتخَلَّف شيئا فشيئا عن بقية دول العالم من كافة النواحي العلمية والاقتصادية والاجتماعية، وحتى الإنسانية منها.
مدينة الفلوجة إحدى تلك المدن التي رمى الاحتلال بثقله العسكري والسياسي عليها طَوَال السنوات العجاف الخمس الماضية، حتى اضطر الناس إلى استخدام الحمير والخيول في التنقل والتبضع، وباتت تقاس المسافات بين المدن على قدر ما تقضية الحمير والخيول، فيقال: أربع ساعات نقلًا على الحمير، وساعتان على الخيل، وساعة في السيارة هي مدة الذهاب من الفلوجة إلى الرمادي، أو بالعكس!
وأضحت السيارة تحفة فنيةً بعدما نَدَر وجودها بسبب شح البنزين، وإجبار الاحتلال المواطنين على عدم استخدامها، وصار مكانها المرآب لا تغادره إلى غيره!
عودة النواعير!
وتَشْرَبُ الفلوجة وأهلها من ماء الفرات بعد وضعه في "الزير" الذي يُصْنَعُ من الفخار، بدلا من الثلاجات أو المياه المعقمة، وتخصف النساء سعف النخيل كمراوح يدوية بدل مكيفات الهواء التي لا يقدر على جلبها إلا ذو حظ عظيم، وحتى إن دخلت المنزل فلا طاقة لتشغيلها!
وارتفعت النواعير الخشبية لسقي الأراضي الزراعية بدل المضخات، فيما تُرْضِعُ الأمهات أطفالها من أثداء الماعز والأبقار بعد توقف معامل إنتاج الحليب الخاص، وأصبح "الكَيّ" بالنار للمريض، والحجامة للكبير، والتداوي بالإعشاب للطفل، بديلًا عن الأدوية التي غالبا ما تصل فاسدةً أو منتهية الصلاحية!
كل ما آلت إليه الأمور في تلك المدينة أطلق عليها الناس عبارة واحدة، وهي "التقدم إلى الوراء " على الطريقة الأمريكية، فلا توجد فيها اليوم أي علامة من علامات ما بعد الصناعة أو التكنولوجيا، بعد ما كانت الفلوجة مركزًا تجاريًّا وثقافيًّا وعِلْمِيًّا ينافس المدن المتطورة في العالم العربي أو الإقليمي.
نعيش في عام 1850
ويقول الدكتور صبحي أحمد (55 عامًا) : نحن الآن نعيش عام 1900 أو أكثر بقليل، وعام 2008 مجرد تقويم استدلالي، فكل ما لدينا هو طرق قديمة لا تمت للقرن العشرين بأي صلة، خيول وحمير، وماء متعفن في أواني فخارية، ووسائل طبية أكل الدهر عليها وشرب، وهذا كله بفضل الاحتلال الأمريكي الذي صَوَّر الحياة هنا بأنها جميلة وممتعةٌ، واقتنع الْمُغَفَّلُون من الناس في الغرب والعرب على حد سواء بهذا الهراء!
فلا يمكن لأي أحد أن يطيق الحياة هنا بلا كهرباء، في درجةِ حرارة تفوق الخمسين مئوية، ورطوبة عالية، وحشرات تُفْحِشُ في الأذية بنقلها شتى أنواع الأمراض، وأمراض أخرى منتشرة بين الأطفال بسبب توقف مضخات تصريف الميا،ه واضطرار الناس إلى الشرب من النهر مباشرة بدون تعقيم.
وتصف هند أحمد (29 عامًا) الوضع في الفلوجة في ظل انعدام ما أسمته التكنولوجيا أو التطور الصناعي بقولها:
أحيانا أَمُرُّ بجوار قاعدة للاحتلال، وأراها منيرةً ومُكَيَّفَةً، وجنودها يشربون مياهًا معقمة بالقناني الباردة، ويستمتعون في مدينتنا، وهم الدخلاء الغزاة، بينما نموت نحن بشكل بطيء كل يوم بسبب نيرانهم، أو ديمقراطيتهم(!) التي أعادتنا إلى الوراء أكثر من 100 عام!
أعتقد أن على الناس أن ينظروا إلى الأمور بتفاصيلها الدقيقة، ويدخلوا في لب الحقيقة؛ لأن هذا سيغير نظرتهم حول ما يجري بالعراق، ويساعدهم في كشف أكاذيب المحتل..إن كل شيء أصبح معقدًا هنا، ولا راحة منذ أن وطئت أقدام المحتل بلادنا.
البطاطس سر التواصل!
وعلى الرغم من مرور أربع سنوات على إغلاق الفلوجة وتطويقها بالكامل من قبل القوات الأمريكية، وعدم السماح لأي مواطن بالدخول إليها إلا بتصريح رسمي من قِبَلِ الاحتلال، إلا أنّ الفلوجيين لا يزالون يتمتعون بروح التواصل بين الأقرباء والأهل في المدن المختلفة.
ويقول كمال فاضل (44 عامًا): لجئنا إلى التزوير؛ حيث نقوم بتزوير شهادات ووثائق تؤكد أن هذا الشخص أو ذاك من أهالي الفلوجة؛ لكي يتمكن من الدخول، وابتكرنا طريقة جديدة وسهلة لتقليد الأختام الأمريكية الخاصة بالمارينز، والتي عادة ما يكتب عليها "مخول بالمرور ". ويصف ذلك بقوله: نحفر تلك الكلمات الثلاث على البطاطس بعد قَطْعِهَا نصفين، ويتم الحفر بواسطة دبوس، ونكتب عليه تلك العبارة -بالإنكليزية طبعا-، ثم نغمس البطاطس بالحبر، ونختم بها الورقة المزورة، ثم نعمد إلى لَفِّهَا أو تكويرها لتبدو للجندي أنها قديمة وشبهه بالية بفعل الاستعمال، وفي بعض الأحيان نضعها في الجيوب الخلفية بالبنطلون، ونجلس عليها لساعات كي تأخذ وضعها الصحيح، ونُخْرِجُها لتُسْتَعْمَلَ بعدها من قِبَلِ الأقارب الذين يريدون زيارتنا ومواصلتنا، والاحتلال يمنعهم بحجة عدم دخول الفلوجة إلا من قِبَل أهلها!
مهددة بالانقراض
ونتيجة للوضع المأساوي الذي تعيشه الفلوجة من انعدام الكهرباء والغاز والنفط لجأ الأهالي إلى استخدام الحطب وسيلةً في طهي الطعام والخبر أو التدفئة في الشتاء. ويقول السيد صباح علاوي، مدير دائرة الزراعة في الفلوجة: كنا سابقا نمنع الأهالي من قطع الأشجار والنخيل في الشوارع والساحات العامة لاستخدامها في الطهي وغيرها من الأمور اليومية، لكننا اليوم توقفنا عن ذلك؛ لأن الناس مضطرون لفعل ذلك، وأعتقد أن الأشجار ستنقرض لدينا كما انقرضت المقاعد الخشبية العامة وكراسي الاستراحة، والتي كان مصيرها إلى التَّنُّور للخبر، أو إلى طناجر إشعال النار للطهي!
بائعو الحِب
وتتراوح أجرة النقل في الخيول 15 ألف دينار عراقي( 12 دولارًا أمريكيًّا ) لخارج الفلوجة، فيما تُخَفَّض إلى النصف إذا ما كان مشوارًا داخليا وسط المدينة، وتكون أسعار النقل بالحمير أقل تكلفةً في العادة من الخيول التي تجر خلفها عربات يحرص أصحابها على تهيئة فِرَاش مريح للجالس عليها، من مبدأ التنافس بين زملاء المهنة!
ويقول الطفل عزيز -أو أبو الزوز كما يحب أن يسميه الناس في الفلوجة-: إن العمل هذه الأيام غير جيد بسبب دخول الباصات التي تسع لأربعين راكبًا، وتعمل على زيت الغاز أو النفط، والتي عادة ما يفضلها الناس على الركوب معنا بسبب سرعتها ومقاعدها المريحة، كما أن حركة السيارات بدأت شيئا فشيئا بعد افتتاح محطة للبنزين خارج المدينة؛ لذا اضطررت إلى تخفيض سعر الأجرة جلبا للزبائن، لكني حتى الآن أعتبر الأول في مجال نقل البضائع من الأسواق إلى المنازل وبالعكس.
وكما أن لكل مصيبة منتفعًا منها فإن أصحاب الأواني الفخارية التي كانت منذ وقت قريب تعتبر تحفًا أثرية، أو شيئًا من الفلكلور العراقي الذي يعتز به الناس هناك، يستشعرون اليوم أن حالهم المادي أفضل بكثير؛ حيث يبيعون يوميا ما يقرب من مائة فخارية من تلك التي تعرف "بالحِب"- بكسر الحاء- أو "الزير"، وتسع لأكثر من خمسين لترًا من الماء، وتوضع في إحدى جوانب المنزل الباردة، وتترك لساعات عدة كي تصبح باردة، ويستسيغ أهل المنزل الشرب منها دون الاكتراث لنوع الماء الذي يُجْلَبُ من وسط النهر.
إنها معاناة لا يمكن لأحد تصورها إلا إذا كان من أهلها أو عاش فيها لساعات معدودة، ولكن أهل الفلوجة يجزمون بأن عودة الحضارة إليهم وتقدم عجلتهم إلى الأمام -كما كانت قبل الاحتلال- لن يتحقق إلا برحيل ذلك الجسم الغريب الجاثم على صدورهم بالقوة؛ جسم المحتل البغيض.
الاسلام اليوم
في ظل الاحتلال.. الفلوجة قبل الميلاد!
