لا تتوقف حركة طالبان الأفغانية عن تقديم الأدلة على أن زمن الاحتلال الأمريكي (الغربي) لأفغانستان زائل لا محالة مهما طال «صمود» الحلفاء وتماسكهم أمام ضربات قوم ليس لديهم الكثير ليخسروه في معركة من هذا النوع.
قبل أسابيع نفذت مجموعات من حركة طالبان هجوماً بالغ الدقة على سجن قندهار (المدينة التي انطلقت منها الحركة)، وتمكنوا من تحرير جميع السجناء، الأمر الذي أصاب الأمريكان وقوات الناتو بالذهول فضلاً عن القوات الحكومية.
بعد ذلك قامت مجموعات أخرى باحتلال عدد من القرى القريبة من المدينة ذاتها، الأمر الذي استنفر قوات الناتو ودفعها إلى الرد بهجوم واسع النطاق على عناصر الحركة، في وقت يدرك الجميع أن الحركة لم تحتل تلك القرى لكي تواصل السيطرة عليها أو لكي تتخذ منها ملاذاً آمناً تنطلق منه نحو تحرير ما تبقى من أفغانستان كما فعلت خلال التسعينات عندما انطلقت من قندهار.
نعم، الحركة تدرك أنها لن تتمكن من الاحتفاظ بتلك القرى في ظل قدرة قوات الناتو على استهدافها بالطائرات، وعموماً فإن مواجهة جيش لجيش ليست ضمن برنامج الحركة التي تدرك ميزان القوى على الأرض، وإنما هي حرب عصابات تصطاد جنود العدو في شتى الأماكن إضافة إلى استهداف مؤسسات الحكومة التابعة للاحتلال وضرب هيبتها.
من خلال عملية السجن، وسائر العمليات التي سيطرت من خلالها على مناطق عديدة، سعت الحركة وتسعى إلى إشاعة الفوضى بين قوات الناتو ودب الخلاف بين صفوفها إضافة إلى إرسال رسائل واضحة إلى الشارع الأفغاني بأن الحركة قادمة لا محالة، وأن الحكومة التابعة للاحتلال ليست في وارد الاستقرار بحال من الأحوال.
ثمة بعد آخر يتعلق بالفضاء الداخلي إذ تزداد الحركة قوة وتماسكاً وجلباً للأنصار كلما زادت عملياتها وتغطيتها الإعلامية، ولا شك في أن تصاعد حضور الحركة في مناطق البشتون قد صار جلياً مقابل البؤس الذي تعيشه الحكومة.
إذا أردنا الحديث عن حركة مقاومة تواجه قوة محتلة، فإن أسرار القوة والصمود والاستمرار معروفة، وتتشكل من قضية عادلة ومدد داخلي وقدر من الإسناد الخارجي، وهي عناصر تبدو متوفرة لحركة طالبان، معطوفة على عوامل أخرى تمنحها المزيد من القوة.
لا شك ابتداءً في أن الشعب الأفغاني يكره الاحتلال والمحتلين بطبعه، ولذلك يمكن القول إن القضية العادلة متوفرة هنا فضلاً عن البعد الأيديولوجي والدافع الإيماني القوي لدى عناصر طالبان، وحين نضيف إلى ذلك فشل المحتلين في كسب قلوب الناس بتقاعسهم عن تنفيذ وعودهم الكثيرة التي منحوها للناس، فسندرك أن الأمور تسير في الاتجاه الذي تريده طالبان والجهات التي تساندها.
لا شك في أن ذلك هو ما وفّر وسيوفر المدد الداخلي للحركة من عناصر مقبلة على القتال والاستشهاد، في وقت يحضر فيه البعد القبلي أيضاً إذ يشعر البشتون الذين يشكلون ما يقرب من نصف سكان أفغانستان بالكثير من التهميش رغم أن كرزاي يحسب عليهم.
في السياق الخارجي يمكن القول إن المدد القادم من الخارج ما زال يتدفق على الحركة، وفي حين يصعب الجزم بحقيقة الدعم الإيراني الذي ربما توفر أكثر للحزب الإسلامي بزعامة حكمتيار الذي يقاتل إلى جانبها، فإن المدد الباكستاني الشعبي والرسمي لم يعد خافياً على أحد.
في الجانب الشعبي تحضر الأبعاد القبلية بقوة، في حين تنهض حركة (طالبان باكستان) كقوة إسناد كبيرة لشقيقتها الأفغانية، بينما لا يغيب البعد الرسمي الباكستاني كذلك، أقله ضمن دوائر معينة في الجيش والاستخبارات الباكستانية التي تشعر بالكثير من القهر بسبب السلوك الأمريكي المستخف بباكستان وأهلها وجيشها فضلاً عن وضع الخاصرة الأفغانية في يد عناصر مناوئة لباكستان، ولا شك في أن الحماقات المتوالية لحامد كرزاي وتهديداته العنترية الفارغة لإسلام أباد ما زالت تدفع هذه الأخيرة إلى التساهل مع شريان الدعم الفاعل لطالبان ممثلاً في المناطق الحدودية.
هذه الحقائق كلها ما زالت تمنح طالبان مزيداً من القوة والحضور، وبالتالي القدرة على ضرب قوات الناتو وتكبيدها المزيد من الخسائر، وهذا البعد ما زال بدوره يبث الخلافات بين الدول المشاركة في الحلف التي يشكو بعضها من غياب الفعل العسكري لدول أخرى مطالبة إياها بإرسال قواتها إلى مناطق القتال الساخنة وعدم الاكتفاء بالمهمات الإنسانية في المناطق الهادئة.
وقد اشتكى الأمريكان من ذلك ولوحوا بإعادة النظر في واقع الحلف إذا واصلت الدول المعنية الاستخفاف بالمواجهة الأفغانية ورفض إرسال قواتها إلى مناطق القتال، وقد ركز جورج بوش على هذا البعد خلال جولته الأوروبية الأخيرة، فحصل على بعض الدعم من رئيس الوزراء البريطاني براون، وكذلك من الرئيس الفرنسي ساركوزي.
على أن ذلك كله ليس في وارد قلب المعادلة في ظل إصرار طالبان على تصعيد حرب العصابات والعمليات الاستشهادية ضد قوات الاحتلال والقوات الحكومية، والنتيجة هي تعميق جراح جورج بوش (جرحه الأكبر في العراق) الذي سيخرج على ما يبدو مكللاً بالهزيمة وبمرتبة الزعيم الأكثر سوءاً في تاريخ الولايات المتحدة.
خلاصة القول هي أن حرب طالبان ستؤدي في نهاية المطاف إلى رحيل الاحتلال طال الزمان أم قصر، وهو ما يمنح تأكيداً آخر على أن حرب بوش العبثية ضد ما يسميه الإرهاب ستنتهي إلى فشل ذريع.
السبيل الاردنية
طالبان إذ تعمق جراح بوش وتربك الناتو.. ياسر الزعاترة
