التيار اليميني المتطرف و صناعة القرار الأمريكي.. سفيان الجبوري
هناك كثير من الرؤساء في التاريخ الأميركي الذين شددوا على جذورهم الدينية، وطعّموا خطبهم بمقاطع من الأنجيل، ولكن لم يحدث أبداً قبل وصول (جورج دبليو بوش George W Bush) أن اكتسب الدين وزناً كبيراً كما في عهده, و هذا لم يكن بمحض الصدفة, بل كان بتخطيط دام أكثر من ثلاثين سنة من قبل أُناس يُلقبون بـ "اليمين المسيحي المتطرف".
بدأ دخول الرئيس الأمريكي (جورج دبليو بوش George W Bush) في هذا التيار في منتصف الثمانينات عندما تمكن منه الإحباط نتيجة إدمانه الكحول, والنكسات والإخفاقات على الصعيد المهني والعائلي عندما أقنعه صديقه (دون إيفانز Donald Evans) بالإلتحاق بحلقة دراسية للإنجيل وهي عبارة عن برنامج لدراسة أحد كتب العهد الجديد دراسة معمقة على مدى عام كامل. وقد توقف بوش عن ذلك في صيف 1986 بعدما احتفل هو وصديقه ايفانز ببلوغهما الأربعين, و ليس (جورج دبليو بوش George W Bush) الوحيد الذي له علاقة وثيقة بهذا التيار اليميني المتطرف فبالأضافة إليه هناك زوجة الأمين العام السابق للرئاسة (آند روكارد Andreo Card) هي مبشرة بـ (العقيدة الميثودية Methodist) ووالد (كونداليسا رايسCondoleezza Rise) يعمل مبشراً في (آلاباما Alabama)، و (مايكل جيرسون Michael Gerson) المسؤول عن الفريق الذي يتولى كتابة الخطب الرئاسية خريج كلية (ويتون في ايلينويز Wheaton College in Illinois) التي تلقب بـ (هارفارد الإنجيلية Evangelical Harvard), وهو يؤمن بنبوءات اليمين المسيحي المتطرف الذي يتحدث عن (هرمجدون Armageddon) وشيكة، وعودة المسيح الدجال وظهور مخلص جديد من بعده.
وظلت الحرب طيلة 140 عاماً تقريباً محور الأهداف بالنسبة لهؤلاء المسيحيين الأصوليين الذين يتسمون في الغالب بالعنصرية ومعاداة السامية والمرتبطين ارتباطاً وثيقاً ببعض المحافظين الجدد اليهود المقربين جداً من حزب الليكود اليميني الحاكم في تل أبيب.
وربما كان هؤلاء غلاة المحافظين يحلمون في مطلع السبعينات بنزاع مسلح قادر على إحياء أميركا من جديد ولكن الحرب في فيتنام أجلت هذا الصراع الذي كان مخططاً له أن يكون ضد الاتحاد السوفيتي و يتسع ليشمل الدول التي تتبنى الأفكار الثورية الشيوعية و منها دول عربية مثل العراق و مصر و الجزائر، وقد أغرق الإخفاق السياسي والعسكري في حرب فيتنام البلاد في واحدة من أخطر الأزمات الأخلاقية في تاريخها، فقرر أصحاب هذا التيار المتطرف نقل المواجهة إلى الداخل وتحقيق النصر عبر ممارسة تأثيرهم على العقليات وإعادة تشكيلها, فتصرفوا بحزم ومنهجية ودأب, وقد قال رئيس معهد «أميركان انتربرايز American Enterprise Institute»، وهو من أبرز المؤسسات التابعة للمحافظين المتطرفين، (كريستوفر دي موث (Christopher Demuth: «إن الأمور تستغرق وقتاً، وعلينا أن ننتظر مرور عشر سنوات على الأقل قبل أن تخرج الأفكار الراديكالية الجديدة إلى النور». غير أن هذه «المسيرة الطويلة» استغرقت في الواقع 30 عاماً، ففي عام 2001م فقط تسنى لأقصى اليمين تذوق طعم النصر الكبير عندما فاز (جورج دبليو بوش George W Bush) بالانتخابات الرئاسية.
ويذكر (أن المحافظين الأميركيين شنوا منذ الستينات حرباً ضد التيار الليبرالي بحماس شبه لينيني وها هم يسيطرون اليوم على الدولة الأميركية، ويرغبون في الاستفادة من هذا النصر).
و يرى نائب رئيس وكالة (اسوشيتد برس Associated Press)، (والتر مايرز Walter Myers) أن حركة المحافظين كانت تتحول آنذاك إلى صناعة متنامية, ونظراً لتواجدها في المكان والوقت المناسبين أحدثت تغييراً في الحياة السياسية والنقاشات داخل مبنى الكابيتول.
كان هدف هؤلاء المتطرفين هو تسخير الجبروت الأمريكي و خاصة القوة العسكرية لإعادة تركيب المشهد الجيوسياسي في العالم بما يخدم مصالحهم, وقد قالها الصقور في إدارة بوش قبل أن يسقطوا واحداً تلو الآخر (ينبغي أن لا نألو أي جهد في منع أي بلد أو مجموعة إقليمية من التمكن يوماً من منافسة أمريكا).
وفي عام 1971م نفسه قامت الغرفة الوطنية للتجارة بنشر مذكرة موجهة للزعماء في عالم الأعمال كتبها (لويس باول Lewis Paul) الذي أصبح فيما بعد قاضياً في المحكمة العليا، وترك هذا النص أبلغ الأثر في العقول والنفوس، و ورد فيه أن النظام الاقتصادي الحر يتعرض لهجمات عنيفة من قبل الشيوعيين واليساريين وغيرهم من الثوريين الذين يهدفون إلى تدميره تماماً اقتصادياً وسياسياً، ولم يقف تأثير مذكرة باول عند هذا الحد، بل إنها أبهرت المسؤولين المحافظين كونها ترسم خطوط الاستراتيجية الواجب تبنيها ليس فقط لاستعادة ما فقد من سلطة ونفوذ بل أيضاً لبسط هيمنة دائمة على السياسة والمجتمع الاميركي، إذ تدعو إلى تصدي عالم الأعمال لمحاربة هذا الخطر من اليسار واليسار المتطرف وحله عبر تسخير كل حنكة لإنشاء منظمات يتم التخطيط لأهدافها وعملية تطبيقها بعناية، و فعلاً تم إنشاء العديد من المعاهد و المؤسسات لنشر أفكار هذا التيار المتطرف و منها (مؤسسة هيريتج Heritage foundation) التي تمثل معقل هذه الاستراتيجية المتطرفة و الممولة من قبل الملياردير الأمريكي (ريتشارد سكيف ميلون Richard Scaife Mellon) الذي دخل إلى هذه الحلبة عام 1973م و الذي يلقب اليوم بـ (الأب المالي لليمين المتطرف), كما مول (ريتشارد سكيف ميلون Richard Scaife Mellon)في عام 1963 (باري غولد ووتر Barry Goldwater) التي كانت تمثل التيار اليميني المتطرف في الحزب الجمهوري في ذلك الوقت, كما تبرع في حملة (ريتشارد نيكسون Richard Nixon) عام 1972 بمبلغ مليون دولار على شكل 344 شيكاً, لقد قام الملياردير الأمريكي (ريتشارد سكيف ميلون Richard Scaife Mellon) بتعميد (مؤسسة هيريتج Heritage foundation) عام 1973م حيث نشأت لتكون السلاح الأقوى لنشر و تنفيذ هذه الأفكار المتطرفة, كما أسس و دعم عدة مؤسسات و منظمات مثل (معهد هوفر في جامعة ستانفوردHover Institute- Stanford) و الذي كانت مديرته (كونداليسا رايسCondoleezza Rise) و معهد (أميريكان انتربرايز American Enterprise Institute ) و من أعمدته (ريتشارد بيرل Richard Perle) و (لين تشيني Lynne Cheney) زوجة نائب الرئيس الأمريكي و بالإضافة إلى (معهد كاتو Kato Institute) و العديد من المؤسسات و المعاهد الناشطة في المجال الاجتماعي و القضائي و حتى الاستخباراتي, و لعل من أقدم مؤسسات هذا التيار هي (مؤسسة كورز C.O.R.S.E Foundation) و التي تأسست عام 1877م على يد(أودولف كورز Adolf Corse) و التي ترتبط ارتباطاً وثيقاً مع قادة التيار اليميني المسيحي المتطرف, و القائمة تطول لتشمل (مؤسسة الكونغرس الحر Free congress Foundation) و مؤسسة (أولن Olin foundation) والتي تعتمد في عائداتها على شركة عائلية مختصة بصناعة الذخيرة و المواد الكيميائية, والتي مولت (آلان بلوم Alan Bloom) الذي يعتبر المنظر الحقيقي لصقور البيت الأبيض و الذي كان أيضاً المعلم الفكري لـ (بول وولفويتز Paul Wolfowitz) نائب وزير الدفاع الأمريكي, وربما تكون خاتمة هذه القائمة السوداء لأدوات اليمين المسيحي المتطرف هي قناة (National Empowerment Television) و التي تعتبر من أخطر الأسلحة الإعلامية التي تملكها منظمة (John Birch Society) المعادية للسامية والتي تدافع عن الطروحات القائلة بتفوق الرجل الأبيض, والتي تمول من قبل (هاري برادلي Harry Bradley) الذي يعتبر من أبرز قادة هذا التيار المتطرف.
إن جميع هذه المؤسسات و المعاهد و غيرها الكثير كانت السلاح الأقوى في نشر و تنفيذ الأفكار المتطرفة و منها تقليص البرامج الاجتماعية و تعزيز الميزانية العسكرية و جعلها الخيار الأول ضد أي محاولة للنفور من القطب الأمريكي.
وبعد هذا كله... هل يستطيع من تصدروا لقيادة وحكم بلادنا العربية أن يقنعونا بأن الحكومة الأمريكية هي حكومة علمانية لا تُدخِل الدين بالسياسة, وفي نفس الوقت نحن متطرفون و إرهابيون و راديكاليون و... و... و... الخ, لا أعتقد أن هذا ينطلي بعد على أي مسلم يمتلك أدنى مستوى من الإطلاع أو الوعي بما يجري من حوله من محاولات لقلب الطاولة, وخلط الأوراق لنظهر نحن على صورة المتطرف الذي لا يشبع من التخلف ولا يرتوي من دماء من خالفه, و لكنها في الحقيقة صورة التيار المتطرف الذي يقود أمريكا من خلف الكواليس أحياناً و في العلن أحياناً أخرى.
لقائنا القادم سيكون مع (إنجيل الرؤساء في أمريكا)
التيار اليميني المتطرف و صناعة القرار الأمريكي.. سفيان الجبوري
