في الفترة الأخيرة دأب رجل واشنطن في بغداد نوري المالكي على إبداء التبرم إزاء الحاجة إلى تحديد جدول زمني \"صارم\" يفصل موضوع مغادرة قوات الاحتلال الأميركي للعراق.
ويتساءل المرء عما إذا كان السيد المالكي مخلصا في مطلبه أم انه يستعرض فقط من أجل كسب الصوت المعادي للاحتلال في الانتخابات العامة المقبلة في العراق على غرار ما فعله باراك أوباما في اجتذاب الصوت المعادي للحرب في الانتخابات التمهيدية قبل أن يتراجع لاحقا عن فكرة الانسحاب الفوري للقوات الأميركية من العراق عندما ضمن الأصوات اللازمة لتسمية الحزب الديمقراطي له مرشحا لخوض انتخابات الرئاسة الأميركية.
إذا كان المالكي مخلصا ويطالب بحق بأن تسحب واشنطن قواتها خلال فترة معينة فإن السؤال يبرز مباشرة حول المدة الزمنية التي سيمكثها المالكي في منصبه.
طبقا لتقارير الأنباء تتعرض التصريحات الأخيرة لرئيس وزراء المنطقة الخضراء للاستبعاد والتجاهل من جانب بعض كبار المسؤولين الأميركيين الكبار.
ويشخص هؤلاء المسؤولون المطالب بوضع جدول زمني على أنها مجرد جزء آخر من المفاوضات حول اتفاقية وضع القوات التي يأمل البيت الأبيض، كما يأمل البنتاغون، في التوصل إليها قبل أن يبدأ نظام بوش- تشيني بالأفول.
وبالطبع فإن من الطبيعي أن اتفاقية وضع القوات التي يأمل هؤلاء المسؤولون في التوصل إليها ستتيح بقاء القوات الأميركية في العراق لأجل غير مسمى.
وزيادة على ذلك فإنها ستوفر الحصانة للقوات الأميركية وللمقاولين الأميركيين، وتسمح للولايات المتحدة باللجوء إلى أي إجراء عسكري من دون الحصول على تأييد حكومة المنطقة الخضراء فضلا عن السماح لواشنطن بشن هجمات على بلدان أخرى انطلاقاً من القواعد الأميركية في العراق من دون الحصول على إذن عراقي.
وإذا ما مال المرء إلى تصديق معظم تقارير الأنباء فإن من غير المرجح أن الاتفاقية النهائية الخاصة بوضع القوات الأميركية في العراق ستشتمل على كل البنود المدرجة في قائمة رغبات واشنطن، لكن أحدا لا يعرف النتيجة مع ذلك.
من جهته يبدي وزير خارجية المالكي هوشيار زيباري إصراراً على أن الاتفاقية المذكورة ستمرر قبل الانتخابات الرئاسية الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر المقبل.
وكان هدفه الأصلي هو التوقيع على الاتفاقية مع حلول نهاية الشهر الحالي، وهو ما كان يأمله البيت الأبيض.
ولا يعتبر هذا بمثابة مفاجأة لمن يعرفون تاريخ زيباري، فهو عضو في الحزب الديمقراطي الكردي الذي كان جزءاً من المعارضة العراقية التي نظمتها وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية - سي. آي. إيه.
وهو الآن واحد من أشد مروجي حكومة المنطقة الخضراء التي خلقتها الولايات المتحدة.
وهو يدرك، بكل تأكيد، أنه يحتفظ بمنصبه بسبب الوجود العسكري الأميركي، وأن مستقبله يعتمد على حصول واشنطن على كل شيء تريده تقريباً في العراق.
وفي الأسابيع الأخيرة كان السيد زيباري قد صرح لصحيفة الواشنطن بوست بأن خطة باراك أوباما لسحب كل القوات البرية الأميركية تقريبا خلال ستة عشر شهرا من تنصيبه هي خاطئة من حيث الجوهر.
ومثل داعميه في واشنطن دي سي أصر زيباري على القول أمام المحررين الذين التفوا حوله أن العراق يحرز تقدما.
واختتمت صحيفة الواشنطن بوست مادتها بتقويم مبتذل ومثار تساؤل لدور زيباري قائلة: إن من الحصافة التشاور مع أولئك، من أمثال السيد زيباري، ممن رهنوا حياتهم على خط المواجهة من أجل العراق الذي سيكون حليفا ديمقراطيا لأميركا... (الواشنطن بوست 18/6/2008).
على الرغم من الفروقات البينة في الحربين فإنني لا أستطيع سوى العودة إلى تأمل المغامرة الأميركية في فيتنام.
وإذا ما استعاد المرء تاريخ تلك الحرب فإنه سيتذكر الرئيس فان ديم الذي مات أثناء انقلاب رعته الولايات المتحدة في عام 1963.
ويجمع معظم المؤرخين على الاتفاق على أن السبب الرئيسي وراء هلاك ديم كان مباشرته في اتخاذ نهج مستقل في الحرب معاد لنهج قوات التحرير الوطنية في فيتنام الجنوبية.
وبعد أن ولى الرجل لم تسمح واشنطن أبدا بإجراء انتخابات حرة حقيقية في مستعمرة فيتنام طالما كانت فيها القوات الأميركية.
وفي المقابل شهد نظام سايغون سلسلة من العسكريين الفاسدين الذين حكموا عبر القوة والدولارات الأميركية.
ومع أن الانتخابات العراقية كانت أكثر حرية قليلا، إذا جاز التعبير، من أية انتخابات كانت قد أجريت في فيتنام الجنوبية خلال الوجود القصير لذلك البلد إلا أنها لم تكن توجد هناك حكومة منطقة خضراء من دون دعم واشنطن وقواتها العسكرية المحتلة.
وإذا ما تمسك المالكي بمطلبه من أجل وضع جدول زمني "صارم" لانسحاب القوات الأميركية، وأصر على ذلك المطلب حتى إلى ما بعد الانتخابات سالفة الذكر فإن المرء سيتساءل، والحالة هذه، عن كم سيظل الرجل رئيسا للوزراء في المنطقة الخضراء وتلك الأجزاء من العراق التي يحكمها فعلا.
أما الوجه الآخر للعملة، بالطبع، فهو أنه إذا استطاع تدبر أمر النجاة بعض الشيء من أي خدع ستبرز بالتأكيد في حال تمسك بمطلبه فإن حكمه ربما يشرع بالتوسع إلى ما وراء تلك المناطق.
هل ستقدم واشنطن على وضع جدول زمني للانسحاب إذا ما طالبت به حكومة المنطقة الخضراء؟
ذلك هو سؤال المليون دولار. والجواب لا يكمن في بغداد مع ذلك، وإنما في شوارع الولايات المتحدة.
وبغض النظر عن الذي سيفوز في الانتخابات الأميركية في تشرين الثاني/ نوفمبر القادم فإنه لن يكون ثمة انسحاب أميركي من العراق أو من أفغانستان ما لم تجعل الأغلبية المعادية للحرب من وجودها ظاهراً في تلك الشوارع. وهي الشوارع التي يجب أن تقرر فيها في نهاية المطاف وضعية القوات الأميركية في تلك البلدان.
رون جاكوبز - (كاونتربنتش)
* رون جاكوبز: هو مؤلف كتاب (الطريقة التي هبت بها الرياح: تاريخ الطقس تحت الأرض) الذي أعيد نشره حديثا.
واع
المالكي أم القوات الأميركية.. من سيغادر العراق أولا؟.. رون جاكوبز*
