العراق.. الهزيمة النفسية تطارد المحتل - أسامة نبيل
تحقيق النصر في أي حربٍ مَا يتطلب العديدَ من المُقَوِّمات على أرض الواقع لكي يكتمل بناؤه، ولكن مع أي خَلَل في تلك المقوِّمات يصبح النصر منقوصًا، وإذا اعتبرنا أن وجود القوات الأمريكية في العراق نصرًا لأمريكا فإنه ينبغي أن يعود هذا النصر بالفخر للجنود الذين حققوا هذا الانتصار، لكن إن علمنا أن هؤلاء الجنود يعيشون أسوأ أيامهم، فضلاً عن أنهم مهزومون نفسيًا– بحسب العديد من التقارير- يشربون المخدرات ويتعاطون الخم بضراوة، نتأكد ساعتها أن المنتصر هو مَن ترك هذا الأثر النفسي السيئ في قلوب وعقول الجنود الأمريكيين الذين بات الانتحار الحل الوحيد للخروج من أزماتهم النفسية.
الوصول لهذه النتيجة يجعلنا نرفع القبعة للمقاومة التي يحاربها الإعلام الموالي لأمريكا، ويعتبرها مهزومةً، في حين أنها منتصرة، ويمتد تأثير انتصارها حتى للعائدين من الحرب، وليس فقط لمن لا يزال موجودًا بالعراق.
انتحار الجنود
لم يجد العديد من الجنود الأمريكيين سوى الانتحار للخروج من أزماتهم النفسية التي يحيونها سواء أثناء وجودهم على خطّ القتال في العراق وأفغانستان، أو بعد عودتهم إلى وطنهم، فقد أثبتت تقارير أن 115 جنديًّا انتحروا عام 2007 وهو الرقم الأعلى منذ أن بدأ الجيش تسجيل هذه الحالات في 1980 وأكدت التقارير أن حوالي 1000 جندي أيضًا حاولوا الانتحار، وتوقع مسئولون أمريكيون استمرار ارتفاع أعداد المنتحرين والمقدمين على الانتحار خلال العام الحالي أيضًا.
جندي أيضًا حاولوا الانتحار، وتوقع مسئولون أمريكيون استمرار ارتفاع أعداد المنتحرين والمقدمين على الانتحار خلال العام الحالي أيضًا.
وذكر تقرير أن معظم حالات الانتحار جرت بصورة قد تكون "متماثلة"؛ حيث أقدم الجنود على الانتحار باستخدام أحد الأسلحة النارية، التي بحوزتهم، وأوضح أنّ معظمهم عانوا إما من الخوف من بشاعة المقاومة، أو الانعزالية وفشل علاقاتهم الاجتماعية والعاطفية، أو مشكلات مالية أو قانونية، أو لأسباب تتعلق بـ"عمليات قتالية".
وتحكي جريدة "النيويورك تايمز" قصة أحد جنود البحرية الأمريكية، ويُدْعَى طوني كليكر، كان عائدًا من ساحات القتال في العراق وتقول: إنه في معظم الليالي حينما يخلد إلى النوم في منزله بسانت بول عاصمة ولاية مينيسوتا الأمريكية، يجد نفسه قد استعاد مشاهد القتال في أرض المعركة، فيقفز من نومه مذعورًا مرتعدًا، ثم لا تفلح كل محاولاته في إعادته إلى النوم مرة أخرى. وبحسب الجريدة، تصلح حالة الجندي كليكر لأن تكون نموذجًا لما خلّفَتْه حرب العراق من آثار نفسية ومَرَضِيَّة على من شارك فيها جراء المقاومة القوية التي لاقاها جنود الاحتلال هناك، وأنّ حالة كليكر هذه ما هي إلا جزء من شواهد عديدة بأن الإفراط في تناول الكحول بات ظاهرة متعاظمة وسط الجنود العائدين من العراق وأفغانستان.
تكرار لسيناريو فيتنام
ويقول خبراء: إن ثمة دراسات تشير إلى أن المشكلة تتفشى بصفة خاصة بين مَنْ يعانون من اضطراباتٍ تَعْقُبُ الإصابة، كما كان الحال إبان حرب فيتنام، كما تشير الدراسات إلى أن الإفراط في تعاطي المخدرات وسط العائدين زاد قليلاً، لكنه يظلّ أقل كثيرًا من حالات الإفراط في شرب المسكرات. وبالتالي-تقول الصحيفة- يجد أعداد متزايدون من أولئك الجنود أنفسهم قد انزلقوا في متاهات الجريمة؛ ليقفوا أمام القضاء الجنائي متهمين، وينتهي الأمر ببعضهم في السجن لارتكابهم جرائم قتل أو غيرها من الجرائم الكبيرة، أما الكثرة الغالبة منهم فيتورطون في قضايا عراك في الحانات، أو قيادة السيارة بإهمال، أو جرائم عنف منزلي بسبب السُّكْر.
ووجدت دراسة أجرتها منظمة "محاربون قدامى من أجل أمريكا" أن حاجة الجنود إلى المساعدة النفسية قد تعاظمت, وأن العبء على العيادات أثقل كاهل نظام الصحة العقلية، حتى طفق الجنود ينتظرون شهرًا كي يحصلوا على مقابلة الطبيب، فما كان من الجنود والحالة هذه إلا أن يضمدوا جراحاتهم في الحانات المحلية، كما تقول الصحيفة.
40 ألف حالة
وكانت بيانات للجيش الأمريكي قد أفادت أن حالات الإصابة الجديدة باضطرابات نفسية بين الجنود الأمريكيين الذين أرسلوا إلى العراق وأفغانستان ارتفعت بنسبة 46.4 بالمائة في 2007 ليبلغ إجمالي عدد الحالات في خمس سنوات نحو 40 ألف حالة. وأظهرت الإحصاءات التي أصدرها الجيش أن عدد الحالات الجديدة التي شخصتها المنشآت العسكرية على أنها اضطرابات نتيجة التعرُّض لصدمات ارتفعت إلى 13981 حالة العام الماضي من 9549 حالة في عام 2006.
وارتفعت تلك الأعداد بعد أن أرسل الرئيس الأمريكي جورج بوش مزيدًا من القوات للعراق، في محاولةٍ لرفع مستوى العمليات ضد المقاومة، وزاد فترة خدمة الجندي من 12 إلى 15 شهرًا، وزادت الولايات المتحدة قواتها في أفغانستان كذلك.
هزيمة نفسية
وأكّد خبراء نفسيون أن الاضطراب الذي يصاحب عددًا من الجنود الأمريكيين العائدين من العراق وأفغانستان ما هو إلا هزيمة؛ لأن الاضطراب النفسي مسئول عن الشعور بأي إنجاز، سواء كان هذا الإنجاز سلبيًّا أو إيجابيًّا، وبالتالي عودة الجنود الأمريكيين من العراق ليدخلوا مَصَحَّات نفسية أكبر دليل على الهزيمة، أو- على أقل تقدير- انكسار نفسي، وهو ما يُعَدّ بداية الطريق نحو هزيمة حقيقية.
ويقول الخبير والاستشاري المصري د. محمد المهدي أستاذ الطب النفسي بجامعة الأزهر: الاضطراب النفسي الذي يصاحب الجنود العراقيين العائدين إلى واشنطن لا يعني إلا الهزيمة؛ لأن الانتصار له نشوة وفرحة، ولكن ما يحدث أن معظم هؤلاء الجنود يعودون إلى بلادهم ليدخلوا مَصَحَّات نفسية، وليس لهذا معنى سوى أنهم مهزومون نفسيًّا، ويحتاجون لرعاية خاصة؛ كي يستطيعوا الخروج من الحالة السيئة التي يحيونها بعد تجربة قاسية خاضوها في العراق.
ويُرْجِع الدكتور المهدي سبب الانهزام النفسي للجنود الأمريكيين في العراق إلى المقاومة العراقية التي أظهرت بَسَالةً وشجاعةً أمام جيش كان يعتبر نفسه الأقوى في العالم، وفجأة أمام مجموعات من المسلحين يقعون قتلى ويرون ما لا يمكن أن يتخيلوه، وبالتالي النتيجة هي إما القتل أو التشوه أو الاضطراب النفسي، مشيرًا إلى أنه ليس بالضرورة أن نعتبر النصر في الحرب استقرارًا لقوى المعتدي في البلد المحتل، وإنما لا بدّ أن نحسب النصر على كافة الأصعدة إذ ما هي الفائدة التي عادت على الجنود الأمريكيين من تجربة حرب العراق، هل هم يعيشون نشوة النصر؟ الإجابة بالطبع لا.
ويؤكد الدكتور المهدي أن ظهور الهزيمة على وجه الجنود الأمريكيين ربما يداريها الآن الإعلام الأمريكي لكن مع خروج الرئيس الحالي جورج بوش من الحكم ستظهر حقائق يَشِيب لها الوجدان، وستقع ورقة التوت عن الجميع، وسيعلم العالم كيف أن المقاومة العراقية حققت نجاحات لم تحققها قوات أكبر دولة في العالم.
وبدوره، وصف الدكتور عمار علي حسن مدير مركز أبحاث ودراسات الشرق الأوسط الحالة النفسية التي يعود عليها الجنود الأمريكيون إلى بلدهم من العراق بالانكسار، وقال: نحن أمام حالة انكسار لكنها لم تصل بعدُ إلى درجة الهزيمة النهائية لهذه الجنود؛ لأنه عندما تتحدث عن هزيمة ونصر لابد لهذا النصر أن يكون له شروط وظواهر جوهرية على الأرض، لكنها حالة انكسار تطول كل الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في حرب احتلال العراق، كما أنها حالة انكسار عام للولايات المتحدة بعد أن أصبحت على مشارف الهزيمة، والتي ستكتمل بانسحاب جيش الاحتلال الأمريكي من العراق.
وعن المعاناة النفسية التي يعيشها الجنود الأمريكيون يقول الدكتور عمار: المعاناة النفسية لجنود الاحتلال بالعراق بدأت مع اليوم الأول للغزو؛ لأنه هناك بعض الجنود- إن لم يكن معظم الجنود- لم يكن لديهم اقتناع بأنها حرب عادلة ومشروعة، وغياب هذا الاقتناع جعل الجنود الأمريكيين يحبطون، وزاد هذا الإحباط مع عدم اكتشاف أسلحة الدمار الشامل التي كانت الذريعة التي أعلنتها وقتها الإدارة الأمريكية لاحتلال العراق، فضلًا عن تحول السياسة الأمريكية في العراق إلى سياسةٍ ديكتاتورية تقتل ولا شيء آخر، مما كان له الأثر السيئ في نفوس الجنود الأمريكيين الذي وعوا أنها حرب لا علاقة لها بالعدل وتكريس الديمقراطية، وإنما هي لدوافع أخرى.
ويستطرد الدكتور عمار قائلاً: إدارة بوش لعبت أيضًا على فكرة احتضان القوات العراقية، ولكن مع الوقت باتت هذه الفكرة مجرّد وهْمٍ مع زيادة عمليات المقاومة ضد الاحتلال ومن يعاونهم وإصرارها على النصر، وبالتالي ارتفاع معدلات المرضى النفسيين في العراق أمر طبيعي لكل هذه الأمور؛ لأن الجندي الأمريكي ببساطة بات الآن غير مقتنع أصلاً بسبب وجوده هناك؛ لأنه يواجه عدوًّا غير معروف، وشرسًا، ولديه إصرار على الانتقام والثأر، كما أن هذا الجندي يعيش في أرض ليست أرضه، والخبرة الاستعمارية للولايات المتحدة هشَّة.
وينهي الدكتور عمار حديثه: بالطبع الانهزام النفسي لقوات الاحتلال الأمريكي في العراق ربما يعدّ انكسارًا لكنه انتصار للمقاومة العراقية برغم كل الظروف الصعبة التي تعيشها الفصائل الآن، لكنه ليس انتصارًا حاسمًا، وإنما هو طريق واضح المعالم إلى النصر، يتعزّز كل يوم.
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص
العراق.. الهزيمة النفسية تطارد المحتل - أسامة نبيل
