قبل أيام أتحفتنا الآنسة كوندوليزا رايس بحديث قديم جديد حول العلاقة بين إيران والعراق ، كررت من خلاله اتهام الإيرانيين بتدريب وتسليح \"مجرمين\" ومليشيات في جنوب العراق ، معتبرة أنهم (أي الإيرانيين) تلقوا \"نكسات\" في الفترة الأخيرة ، وأن واشنطن ستسعى إلى \"زيادة تلك النكسات\".
بعيداً عن تناقض كلام رايس التصعيدي مع حديث مساعدها بيرنز حول "المصالح المشتركة" بين واشنطن وطهران ، فإن اللافت للانتباه في التصريحات هو حديث رايس عن التزام واشنطن مساعدة العراقيين على الوصول إلى "عراق ذي هوية عربية قوية" ، (لاحظ كلمة قوية) ، وذلك ، والكلام ما يزال لرايس ، كي يكون "العائق الأكبر أمام النفوذ الإيراني السلبي".
صحيح أن رايس قد سبق ودعت الدول العربية إلى دعم حكومة المالكي لمواجهة النفوذ الإيراني في العراق ، لكن قصة "الهوية العربية" تبدو لافتة للانتباه ، لا سيما أنها تأتي ضمن سياق عام يشير إلى جهد أمريكي غير مسبوق يركز على إعادة العراق إلى حاضنته العربية.
يتمثل الجهد المذكور في الضغط على عدد من الدول العربية كي تعين لها سفراء في بغداد ، الأمر الذي ظهرت ثماره جلية خلال الأسابيع الأخيرة ، في حين قد يبادر بعض الزعماء العرب إلى زيارة العراق ، فضلاً عن استقبال العديد من العواصم العربية للمالكي بكثير من الترحاب. أما الأمر الجديد فيتمثل في قرار الإمارات شطب ديون العراق (سبعة مليارات دولار) ، وهو القرار الذي ستضطر دول أخرى إلى اتخاذه ، هو الذي جاء تحت الضغوط ، حتى لو توفرت بعض القناعة بالمنطق الذي يحرك اللعبة ممثلاً في إبعاد العراق عن إيران.
من الواضح أن واشنطن المأزومة في العراق ، وفي علاقتها مع إيران وملفها النووي تسعى إلى إبعاد المجموعات الشيعية العراقية المتحالفة معها عن إيران ، الأمر الذي يبدو صعباً إلى حد كبير ، ليس فقط لأن تلك القوى لها ارتباطاتها العضوية بطهران ، كما للإيرانيين اختراقاتهم في تنظيماتها ، بل أيضاً لأن لإيران قدرة كبيرة على إثارة المتاعب لمن يديرون ظهورهم لها في الداخل العراقي. صحيح أن التيار الصدري الأقرب إليها قد تلقى من الضربات ما حجّم قدرته على تعطيل اللعبة ، لكن ذلك لا يقلل من وزن الأوراق التي تملكها إيران في الساحة العراقية ويمكنها تحريكها ضد المالكي في حال أرادت ذلك.
ما تسعى إليه واشنطن هو تقريب تحالف المالكي والحكيم من مربعها وإبعاده ما أمكن عن المربع الإيراني ، أولاً من خلال الضغوط والتهديد ، وثانياً من خلال تقريبه من العواصم العربية ، ومنحه ما يكفي من الرشاوى المالية والسياسية ، إضافة إلى دفع المتعاونين معها من الأكراد والعرب السنة إلى التحالف معه ، وما قرار جبهة التوافق بالعودة إلى الحكومة سوى جزء من اللعبة.
الأمريكان إذن يواجهون أزمة التعاطي مع الملف النووي الإيراني ، إلى جانب مواجهة نفوذ طهران في الداخل العراقي ، وعدم السماح لها بتخريب مخططهم للحصول على تشريع لوجودهم في العراق من خلال قواعد عسكرية ، فضلاً عن ترتيب الوضع الأمني بما يسمح لهم بالرحيل إلى القواعد المذكورة ، إلى جانب سحب بضعة آلاف من الجنود على نحو يساعد الجمهوريين في الانتخابات المقبلة.
أين العرب من ذلك كله؟ من الواضح أن بؤس الوضع العربي الرسمي ما زال يلقي بظلاله هنا كما يفعل في سائر الملفات المحورية الأخرى ، فهم يهربون من رمضاء النفوذ الإيراني في العراق إلى نار تكريس الاحتلال الأمريكي ، وصولاً إلى إمكانية إنجاح مشروع الاحتلال ، بينما يتعاطون مع سياسيين عراقيين مغامرين لا ذمة لهم ، ومن يملك القابلية لبيع من صنعوه ودعموه طوال عقود لن يكون وفياً لمن تذكروه في لحظات قوته.
خلاصة القول هي أن الأمريكان حائرون في كيفية التعاطي مع الشأن العراقي ، الأمر الذي ينطبق على مختلف الفرقاء ، ما يعني أن من المبكر الحديث عن مآل اللعبة في عراق أنهكته لعبة المحاصصة الطائفية وجعلت من الصعب الحديث عن بلد واحد موحد له بوصلته وتحالفاته.
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
رايس والعراق ذو الهوية العربية القوية!! - ياسر الزعاترة
