هيئة علماء المسلمين في العراق

محنةُ علماءِ العراقِ : الحقيقةُ والمخرجُ - حسين الرشيد
محنةُ علماءِ العراقِ : الحقيقةُ والمخرجُ - حسين الرشيد محنةُ علماءِ العراقِ : الحقيقةُ والمخرجُ - حسين الرشيد

محنةُ علماءِ العراقِ : الحقيقةُ والمخرجُ - حسين الرشيد

محنةُ علماءِ العراقِ : الحقيقةُ والمخرجُ - حسين الرشيد في ظل التداعيات الأمنية التي تشهدها الساحة العراقية ، كشف وزير التعليم العالي والبحث العلمي العراقي مؤخراً بأن ما يقرب من 200 عالم واكاديمي وأستاذ جامعي قد لقوا حتفهم منذ الغزو الأمريكي على العراق عام 2003 ميلادية ... بينما اختطف عدد كبير منهم ، وهجر البلد آخرون هرباً من شبح الموت الذي بدأ يلاحقهم أينما حلوا في ارض الرافدين ...

وإذا كانوا يقولون قديماً بأنَّ العلماء والمتعلمين هم رأس المال الذي لا ينضب لكل امة - فهم الذين يخرجون الموارد البشرية التي منها يمكن حماية الاقتصاد وجميع أسسس التنمية ، لذلك يعد استهدافهم استهداف لنهضة الأمة ومكانتها ... - فإن العراق الجريح يشهد تراجعاً وانتكاسة لم يشهد لها تاريخه مثيلاً في ظل التدهور الأمني الذي تشهده البلاد ، في أطار الممارسات الهمجية التي اختلقتها قوات الاحتلال ، حيث بات الكادر الأكاديمي والتدريسي في العراق ممزقاً بين واجباته العلمية وبين خوفه من رصاصة غادرة تترصده فتنقله إلى عالم الآخرة ...

وإنطلاقاً من حقيقة هذه المحنة التي أبتلي بها أكاديميو العراق أتت التحركات العديدة لاتخاذ أي خطوة  تساعد على حماية الأكاديميين والعلماء العراقيين ضد ما يتعرضون له من تصفيات طالت العدد الكبير منهم .

حقيقةُ المحـنة :

إننا نستطيع بكل سهولة أن نؤكد حقيقة الظاهرة التي بدأت مع الاحتلال الأمريكي للعراق ، واتسعت ضحاياها مع ازدياد موجة العنف وتدهور الوضع الأمني ؛ لتشمل تصفية جسدية طالت العلماء ، والأطباء ، والأساتذة الجامعيين ، والطيارين ، وهذا القتل الممنهج لم يستهدف ذوي الاختصاصات العلمية فحسب ، أو تلك الأسماء التي لها علاقة بما كان يعرف ببرنامج التسلح العراقي - مثلاً - بل امتد إلى أساتذةٍ في الأدب العربي ، والعلوم الإنسانية ، والشرعية .

إنَّ فداحة الثمن الذي يدفعه العراق وحده دفع جهات عدة إلى دق ناقوس الخطر ، والتنبيه إلى أنَّ مشروعاً تقفُ وراءه جهات مجهولة لها أطماع في العراق ، تريد إفراغه من كل كفاءة علمية : قتلاً ، أو اعتقالاً ، أو اختطافاً ، أو دفع من يتبقى منهم إلى مغادرة البلد طلباً للسلامة ليلتحقوا بمركز علمي أو جامعة خارج بلاد الرافدين .

إنَّ بلاد الحضارة والثقافة اليوم يشهد هجمة شرسة يقودها اناس باعوا ضمائرهم بثمنٍ بخس دراهم معدودة ؛ ارضاءً لجهات خارجيةٍ وداخلية ، همها الوحيد إفقار العراق وإرجاعه إلى كوابيس الظلم والجهل ...

لذا فإنَّ ثمة ضرورة لإطلاق صرخة مدوية تطنُّ لها أسماع كل العالم : بأنَّ علماء العراق في خطر ، وإن كفاءات العراق تعيش في مصير مجهول ، أولئك العلماء الذين أغتيل المئات منهم ، من ابرز الكفاءات النووية والفيزيائية والطبية والبيولوجية وتخصصات أخرى فريدة ... في كارثة أقل ما يقال فيها أنها تمثل أكثر مآسي القرن الحادي والعشرين ، حيث تم استهداف مجموعة كبيرة من العقول والأدمغة من مختلف الاختصاصات ، مه أن هؤلاء هم الذين يمثلون نخبة العراق المميزة التي كانت رأسمال العراق على مر عشرات السنين من العمل والعلم المتواصل .

كما تمَّ اختطاف نحو مئات منهم وهم ما بين مقتول يطرح على جنبات الطرق الخارجية وما بين جثة هامدة تلقى في غرف الطب العدلي ، وما بين انتظار مصيرهم المجهول ، وهم يعيشون الآن تحت رحمة هؤلاء الأنذال ... وقد حدث أن تم اختطاف بعض أبناء الأستاذ لغرض التأثير عليه من أجل ترك العمل والهجرة خارج العراق ، أو بقصد دفع الفدية التي غالباً ما تكون مبالغ لا يمكن تصورها ؛ فيضطر الأستاذ إلى مغادرة البلد ، أو بيع ما يملك من بيت  -إذا كان يملك بيتاً - أو مستلزماتٍ أخرى لغرض تأمين المبلغ الذي يطلق سراح ولده أو أحد أفراد عائلته .

وتأتي هجرة الأساتذة ، لنشهد هجرة رهيبة لعلمائنا واساتذتنا ، فقد هاجر منهم ما يربوا على ثلاثة الآف عالم واستاذ وطبيب ... مع حملة اعتقال العلماء والمفكرين كجزء من خطة اجهاض الحضارة ، واعدام العلم والمعرفة ؛ ليقبع اليوم في سجون الاحتلال والحكومة المئات ، وهم يلقون أبشع أنواع التعذيب ، بالإضافة إلى تردي أوضاع عوائلهم الاقتصادية والاجتماعية والأمنية ... فضلاً عن الآف التدريسيين والباحثين وحملة الشهادات والأساتذة والعلماء ممن أجبروا على الرحيل من العراق منذ بدأ الاحتلال الأمريكي حسب تقرير أعده الاستاذ الدكتور أكرم المشهداني - استاذ عراقي ومتابع - .

المخرجُ من المحنة :

ولا شك أن المخرج من هذه الأزمة ليس سهلاً ، بل يحتاج إلى جملة من التحركات لاحتواء هذا المرض الذي استشرى بين مفاصل المجتمع العراقي ، في الأعم الأغلب من جامعاته وكلياته ، وهو بلا ريب يحتاج لتدخل خارجي وداخلي ...

ولعل التدخل الخارجي يتمثل بوقوف العالم العربي والاسلامي والمنظمات الدولية إلى جانب هؤلاء الاكاديميين ، والإحساس بمعاناتهم ، فإنَّ على العرب والمسلمين ومنظمات حماية الاكاديميين وحقوق الانسان أن يتحدوا باتجاه فعل مشترك لإنقاذ علماء العراق من أصحاب الخبرة والفكر ، وعليهم التحرك سريعاً لحمايتهم من الاضطهاد والتهجير الإجباري ومخاطر القتل المحشورين فيها ... والمطلوب - بكل حال - حماية العراق الذي كان مركز العلم ، ضد عصابات الجريمة ومنظمات المافيا ممن دخلوا البلاد بعد الغزو بفضل الفراغ السياسي الذي خلقه الاحتلال ، ليؤدي إلى قتل آلاف المدنيين الأبرياء ، علاوة على العلماء وأساتذة الجامعة البارزين ... إنَّ مثل هذه المواقف النبيلة تعد محاولة عظيمة لانقاذ حضارة العراق وبنيته العلمية ... ومما يتوجب على المجتمع الدولي اتخاذ الفعل لمعاقبة هؤلاء المشاركين في قتل علماء العراق ممن كرسوا حياتهم للعلم والمعرفة وخدمة البشرية عامة .

أما التحرك الداخلي فهو يأتي نتيجة لسلسة من الخطوات ؛ بما يتوقع أن يؤدي إلى تخفيف الأزمة الراهنة - على أقل تقدير- خاصة وإننا نعلم أن هناك جهات متعددة تعمل على القيام بهذا المرض الذي ابتلي به بلاد الرافدين .

إن ادراكنا التام يتجسد بتحميل الاحتلال المسؤولية الكاملة لتداعيات هذه الظاهرة ، لأنه هو أساس المشكلة التي تجري في العراق بكافة انواعها وأشكالها ؛ وهو الذي عمل على تجذير هذه الفكرة في عقول هؤلاء القتلة ... ولكن تعاملنا مع الواقع يفرض علينا وضع حلول مناسبة ، مما يمكن أن تخفف من هذه الظاهرة ، ويجب أن تمر هذه الحلول بعدة مراحل :

(1) : التذكير بالمبادىء الاسلامية النبيلة والقيم الاصيلة والاخلاق الفاضلة التي تدعوا إلى احترام نفوس الآخرين وحرمة ازهاقها بغير حق ، وهذا المبدأ يمكن أن يعمل عليه الهيئات الاسلامية والمرجعيات الدينية من رجال الدين وخطباء المساجد وغيرهم .

(2) : إحكام سيطرة الدولة على الملف الأمني في البلاد بصورة حقيقية غير دعائية ، والتعامل مع كل القوى التي تريد خلق الفتنة في البلاد بصورة عادلة في ضرورة ايقافها عند حدها ، والعمل على انهاء العنف في البلاد .

(3) : العمل على نشر ثقافة احترام الرأي والرأي الاخر ، وضرورة تقبل الآراء واحترام وجهاة نظر أصحابها ، دون الاحتكام إلى القتل أو إزهاق الأرواح .

(4) : اقتناع السياسيين بمفهوم استقلالية الجامعات والحرية الأكاديمية ومراجعة موقفها من حرية الفكر والتعليم الجامعي ، والعمل على ابعاد ممثلياتهم ومكاتبهم المعلنة وغير المعلنة من حرم الجامعات واداراتها .

(5) : اعادة النظر في اقحام السياسة او التوجهات الدينية الطائفية المتطرفة داخل أروقة الجامعات العراقية .

(6) : تجنيد كافة الوسائل الاعلامية لخدمة مشروع تأهيل الجامعات وإعادة حيويتها في الاطار العلمي والفكري بعيداً عن السياسة وتداعياتها . والعمل على تجذير المؤسسات والجمعيات التي تهتم بحماية العالم والأستاذ العراقي لأن تأخذ دورها في القيام بواجبها على الوجه الأكمل دون
مضايقات .

(7) : هذا بالإضافة الى خطوات عملية أخرى يمكن أن يكون لها تأثير واضح في التقليل من تلك العمليات ، كالعمل على إسكان الأساتذة في بيوت قريبة على جامعاتهم ، وتشديد الحماية على حرم الجامعات من قبل حراس نظيفين ليس لهم ارتباط بأي جهة حزبية أو طائفية ، وكذلك الطرق المؤدية إلى تلك الجامعات ..

(8) : هذا فضلاً عن مطالبة الجمعية الدولية لحماية علماء العراق الحكومة العراقية بتوفير الحراس الشخصيين للأساتذة الكبار بما لا يقل عن حارسين في ظل هذا الوضع المتدهور وإلى حين استتباب الأمن في البلاد ...



ولا بد أن يتجاوز العراق هذه المحنة ... وسيعود بلاد الرافدين إلى سابقِ عهده

منبراً حراً لتخريج كواكب العلم والمعرفة ، فيكونوا مشاعل نور في أرجاء المعمورة

أضف تعليق