بين تهديدات شاؤول موفاز بتوجيه ضربة عسكرية للمنشآت النووية الإيرانية، وبعدها التدريبات العسكرية الإسرائيلية على تنفيذ الضربة، وبين اجتماع إيهود أولمرت بالضابط المسؤول عن ضرب مفاعل تموز العراقي مطلع الثمانينيات،
ثم زيارته لمفاعل ديمونة بعد الحديث عن توجيه صواريخ إيرانية نحوه استعداداً للهجوم الإسرائيلي، بين هذه الأنباء والتطورات ثمة خيط واحد عنوانه الإصرار الإسرائيلي الذي لا يتزعزع على منع إيران من امتلاك السلاح النووي حتى لو جاء بعضها بالفعل في سياق دفع القوى الدولية نحو مزيد من تشديد العقوبات على إيران.
التطور الأخير البالغ الأهمية في هذا السياق يتمثل في تلك التصريحات التي أدلى بها مسؤول بارز في وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاغون) عبر شبكة (إي بي سي) الأمريكية التي عبّر من خلالها عن مخاوف البنتاغون من "احتمال أن تقدم إسرائيل على ضرب منشآت نووية إيرانية قبل نهاية السنة، ما قد تنجم عنه تداعيات خطرة بالنسبة للولايات المتحدة والعالم، وتدفع الإيرانيين إلى الرد، ليس على إسرائيل فحسب، بل على الولايات المتحدة أيضا".
ولم تكن مصادفة بالطبع أن تأتي التصريحات إثر نشر الصحافي الأمريكي الشهير سيمور هيرش معلومات مهمة عن التحضيرات الأمريكية السرية للحرب على إيران التي تؤكد نظرية أن الضربة ستتم قبل رحيل بوش عن البيت الأبيض.
ما يؤكد أهمية تصريحات مسؤول البنتاغون هو ذلك الانتقاد الحاد الذي تعرضت له من قبل الناطق باسم الخارجية الأمريكية توم كيسي، في إدراك لحقيقة تعبيرها عن رأي جنرالات البنتاغون، ليس فقط حيال التوجه الإسرائيلي نفسه، ولكن حيال أي تفكير من طرف بوش في تنفيذ الهجوم قبل رحيله عن البيت الأبيض.
بعد ذلك جاءت تصريحات رئيس هيئة أركان الجيوش الأمريكية لتؤكد أن كلام مسؤول البنتاغون، حتى لو جرى نفيه، لم يكن يعبر عنه وحده، وإنما عن قطاع واسع في المؤسسة العسكرية.
(رئيس هيئة الأركان) حذّر من أن فتح جبهة ثالثة مع إيران سيشكل ضغوطاً هائلة على الجيش الأمريكي، وهو ما يؤكد أن مساعي جورج بوش خلال العامين الأخيرين لاستبعاد العناصر المتشددة في رفضها للضربة لم تحقق النجاح المطلوب.
لا أحد يمكنه الجزم بما إذا كان الإسرائيليون سينفذون الضربة أم سيتكفل بها بوش الذي قد تدفعه قناعاته "التوراتية" إلى ارتكاب حماقة من هذا النوع بصرف النظر عن تحذيرات جنرالات البنتاغون ونخب سياسية فاعلة في الولايات المتحدة.
في المقابل فإن شعور الإسرائيليين بعجز بوش عن تنفيذ الضربة (سيصارحهم بذلك في حال عجزه بالفعل) قد يدفعهم إلى التسريع بتنفيذها استغلالاً لوجوده في السلطة لا سيما وأن الغطاء السياسي الأمريكي لا بد منه فضلاً عن بعض الدعم، وأقله الغطاء (العسكري) في حال تجاوز الإيرانيون حدود المتوقع أو المحتمل في ردهم على العدوان.
وفي حين يرى البعض أن الوضع السياسي الإسرائيلي الداخلي لا يسمح بمغامرة من هذا النوع فإن آخرين يخالفونهم الرأي على اعتبار أن أي زعيم إسرائيلي قد يغامر بالضربة إذا توفرت الإمكانية العسكرية ومعها الغطاء أو الدعم الأمريكي في ظل إجماع داخلي على ضرورة منع إيران من امتلاك السلاح النووي.
في هذا السياق يبدو أن الإيرانيين قد أخذوا يشعرون بسخونة الموقف، يبدو ذلك في تلويحهم بردود قوية، في حين تبدو تصريحاتهم المعلنة حول عجز الإسرائيليين عن تنفيذ الهجوم واستحالته من الناحية العملية محاولة لطمأنة الداخل، وبالطبع لأن الاعتراف بإمكانية الضربة ينبغي أن يجد صداه في خطاب أكثر عقلانية من ذلك الذي يتبناه أحمدي نجاد.
في هذا السياق يمكن للمراقب قراءة تصريحات علي أكبر ولايتي مستشار المرشد خامنئي التي انتقد فيها ضمنياً خطاب نجاد عندما طالب المسؤولين والخبراء الإيرانيين بتجنب "التصريحات والشعارات غير المنطقية والاستفزازية"، معتبراً أن بعض ما يقال يسبب مشاكل لإيران.
المسألة إذن دخلت منحنى التصعيد، ومع تسرب الشهور الأخيرة من ولاية بوش سيكون على المنطقة أن تكون أكثر جاهزية لاستقبال المرحلة القادمة بكل ما تحمله من مفاجآت (المفاجأة الإيرانية بوقف التخصيب تبقى واردة) لا سيما دول الخليج الحائرة بين التصدي للنفوذ الإيراني وبين الاستمتاع بعوائد النفط الرهيبة في ظل الحماية الأمريكية وإن كانت عالية الكلفة سياسياً واقتصاديا.
الدستور الاردنية
الحرب على إيران ومساعي منعها.. ياسر الزعاترة
