كيف يستطيع الكوسوفيون بعد حرب إبادة وعمليات تهجير وتدمير واسعة لمواردهم ومؤسساتهم وهويتهم أي يعيدوا في زمن قياسي بناء بلدهم ومجتمعهم على أسس ديمقراطية واجتماعية متقدمة؟
كيف يكونون قادرين على بناء عقد اجتماعي يستوعب خمس إثنيات مختلفة وعدة لغات وثلاث أديان يمكنهم من تشكيل حكومة منتخبة، بل ويشكلون إدارة إسلامية للمساجد والأوقاف والمدارس الإسلامية على أساس ديمقراطي انتخابي؟
وللعلم فإن المشيخة الإسلامية في كوسوفو تشكل مرجعية بالغة الأهمية تكاد تكون سلطة أخرى بجوار السلطات الثلاث التقليدية، وتدير شبكة واسعة من المساجد والمدارس والمؤسسات الاجتماعية، وتحظى بقبول واحترام جميع الكوسوفيين بما في ذلك الصرب الأرثوذكس والكاثوليك.
كيف يستطيع الكوسوفيون الذين يساوي دخل الفرد لديهم أقل من نصف مستوى الدخل في الأردن، ويعانون من بطالة تصل إلى 40%، وتصل نسبة الذين تقل أعمارهم عن ثلاثين سنة إلى النصف أن يشكلوا حياة اجتماعية واقتصادية راقية ومتقدمة، فلا ترى متسولا واحدا، ولا تكاد توجد جريمة، وتجد حالة من الاستقرار والتسامح لا تقل عن المجتمعات المتقدمة والعريقة، وترى حالة من النظافة بلا عمال نظافة تفوق أجمل المدن وأنظفها، وحالة من السلوك الاجتماعي تجعل المدن والشوارع والمطاعم والمقاهي والفنادق والصحف والأسواق في حراكها وهدوئها ورقيها أفضل من أية مدينة عربية، فلا تكاد تسمع صوت منبه سيارة، ولا ترى حادثا أو اختناقا مروريا، ولا تلاحظ احتقانا، وتخال أن الناس الذين يملأون المقاهي والمطاعم والأسواق والشوارع والموتيلات المنتشرة في كل مكان في الجبال والطرق يتمتعون بمستوى من الرفاه ومستوى المعيشة لا يختلف عن الدول والمجتمعات الغنية والمتقدمة.
لا تختلف البيوت والأسر والمجتمعات في كوسوفو في جمالها وتصميمها وسعتها ورفاهيتها ومستوى اللباس والطعام والرقي والنظافة عن المدن الأوروبية لدرجة تدهش شخصا مثل وزير الخارجية الفرنسية كوشنر، فيقول إنك عندما تدخل بيت أحد الكوسوفيين تجده من الداخل وكأنه بيت أحد الأمراء.
المكتبة الوطنية الكوسوفية التي دمرت، وسلبت محتوياتها هي اليوم مبنى جميل وواسع ومصمم على نحو مميز، وتضم مليوني كتاب، وتملك مجموعة كبيرة من المخطوطات العربية والتركية والألبانية المكتوبة بحرف عربي، ومزودة بأنظمة متقدمة في الفهرسة والتصنيف هي أحدث ما توصلت إليه تقنيات تنظيم المعرفة، وبالمناسبة فقد اختيرت المكتبة الوطنية لإعلان الدستور الكوسوفي وتوقيعه في إشارة رمزية لموقعها في حياة الكوسوفيين ووجدانهم، والأجمل من ذلك كله أنها مزدحمة بالرواد من الشباب والباحثين والأساتذة الجامعيين، وتمثل قلبا نابضا بالحياة والمعرفة والرموز، ويديرها أحد أهم الشخصيات الكوسوفية في العمل الأكاديمي والأدب والثقافة.
والمساجد في كوسوفا تغص بالمصلين من جميع الأعمار على نحو يبدو مخالفا للانطباع الذي يتشكل للزائر وهو يسير في الأسواق والأمكنة العامة، ويلاحظ مظهر الناس وخاصة النساء، ولكنه لباس لا يعبر عن عدم التدين أو حالة الوجدان والوعي الديني المتقدم لدى الكوسوفيين.
ورغم أن الصرب في كوسوفو لا يتجاوزون الخمسة بالمائة فإن لديهم وزيرين في الحكومة التي تتشكل من 13 وزيرا وعشرة نواب من بين مائة وعشرين نائبا، ويتمتعون بحريات واسعة في العمل والمشاركة السياسية والاجتماعية وممارسة شعائرهم الدينية.
الكوسوفيون الذين خرجوا من حرب مدمرة، وبدأوا حياتهم باقتصاد مدمر كليا ومجتمع هجر اكثر من نصفه يملكون اليوم مستوى منم التنمية والرفاه والتقدم السياسي والاجتماعي أفضل من أي بلد عربي، ويعيشون حياة أفضل من حياة أي مجتمع عربي، ويتمتعون بمستوى من التقدم السياسي والاجتماعي والاستقرار والتنمية على نحو يجعلهم الدرس رقم 1 للعرب والمسلمين، بل والعالم أيضا.
ibrahim.gharaibeh_(at)_alghad.jo
الغد الاردنية
العرب والدرس الكوسوفي.. إبراهيم غرايبة
