رحل المفكر العربي المصري الكبير د. عبد الوهاب المسيري الأربعاء 2/7/2008 عن عمر يناهز 70 عاما تاركا وراءه تراثا فكريا سيظل فكرا تتناوله اجيال قادمة، فكرا ملتزما في زمن عزت فيه الافكار والمفكرون.
الدكتور عبد الوهاب المسيري مفكر عربي إسلامي تقلد العديد من المناصب سواء في الجامعات او في المناصب الرسمية المتعددة، كما شغل منصب عضو مجلس الأمناء لجامعة العلوم الإسلامية والاجتماعية بليسبرج بولاية فرجينيا بالولايات المتحدة الأمريكية، ومستشار التحرير في عدد من الحوليات التي تصدر في ماليزيا وإيران والولايات المتحدة وانجلترا وفرنسا.
ولعل من أهم أعمال الدكتور المسيري موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية: نموذج تفسيري جديد ثمانية مجلدات، وكتاب رحلتي الفكرية: سيرة غير ذاتية غير موضوعية - في البذور والجذور والثمر، وله كذلك مؤلفات أخرى في موضوعات شتى من أهمها: العلمانية الجزئية والعلمانية الشاملة جزآن، إشكالية التحيز: رؤية معرفية ودعوة للاجتهاد سبعة أجزاء، اضافة الى مؤلفات أخرى في الحضارة الغربية والحضارة الأمريكية مثل: الفردوس الأرضي، والفلسفة المادية وتفكيك الإنسان، والحداثة وما بعد الحداثة، ودراسات معرفية في الحداثة الغربية.
أما ما يخص الدراسات اللغوية فله دراسات لغوية وأدبية من أهمها: اللغة والمجاز: بين التوحيد ووحدة الوجود، ودراسات في الشعر، وفي الأدب والفكر، كما صدر له ديوان شعر بعنوان أغاني الخبرة والحيرة والبراءة: سيرة شعرية، وايضا اضاف الى انتاجه عدة قصص وديوان شعر للأطفال.
قبل رحيله بأسابيع كتب الدكتور المسيري مقالة تركت آثارها على وسائل الاعلام الصهيونية التي تبارى العديد من المفكرين الصهاينة في تناولها بالتحليل والنقد، المقالة حملت عنوان تآكل المقدرة القتالية لـ"العجل الذهبي" - نشرت في 14/06/2008- وفيها تحليل عن الممارسات الصهيونية في فلسطين المحتلة مع التغيّرات التي لم تعد صالحة لخدمة الكيان الصهيوني سواء على الصعيد الداخلي او على الصعيد الخارجي ولو بعد حين.
يقول: يستند الوجود الصهيوني إلى العنف إذ انه يهدف إلى التخلص من أصحاب الأرض وإحلال آخرين محلهم، ويمكن القول إن المشروع الصهيوني كان يهدف إلى نقل الفائض البشري اليهودي من أوروبا إلى فلسطين وتحويله إلى "مادة قتالية" تخدم المصالح الغربية، ولكل هذا تكتسب كل الظواهر الصهيونية ابتداء من الزراعة وانتهاء بالتلفزيون بعدا عسكريا، ولذا فالقوة العسكرية الصهيونية تشكل العمود الفقري للمشروع الصهيوني، فهو يكتسب شرعيته الصهيونية وشرعية وجوده منها.
يستشهد الكاتب بالعديد من اقوال مسؤولين صهاينة منذ إنشاء الكيان، ومنها ما جاء على لسان ييجال آلون نائب رئيس الوزراء الإسرائيلي في مؤتمر القدس لأصحاب الملايين اليهود يوم 29 يونيه 1969: "لا يتحقق الأمن الإسرائيلي عن طريق المناطق المنزوعة السلاح ولا بالبوليس الدولي ولا بضمانات الدول أو الهيئات الدولية وإنما بالأرض"، وهو يعرّف هذه الأرض بأنها القنوات "أي قناة السويس، والممرات والأنهار "أي نهر الأردن" والمرتفعات "أي الجولان"، ثم يلخص الموقف كله بقوله "إن الأمن يتحقق بالاستيطان بالمسلح".
ولكن ابتداء من حرب عام 1973 بدأ إيمان المستوطنين الصهاينة بـ"العجل الذهبي" – أي الجيش الإسرائيلي – في الاهتزاز ثم في التآكل، وفي تسلسل الاحداث بعد ذلك يخلص الكاتب الى أن الذراع القوية لجيش الدفاع الصهيوني ليست قادرة بالضرورة على حماية المستوطنين الصهاينة، وتوفير الأمن المطلق لهم.
المقالة طويلة، لكنها تمثل رؤية مستقبلية للكيان الصهيوني، ربما تقترب مما يؤرق الصهاينة الذين اصبح سؤال البقاء لديهم هاجسا يحكم تصرفاتهم.
لا شك في أن الفكر العربي سيفتقد الرجل الذي لم يبخل عن العطاء يوما وحتى في آخر لحظات حياته، ولعله من الصعب احيانا التفكير بانه يمكن تعويض مثل هذه الطاقة القومية المبدعة والخلاقة، رحمه الله، رجل سيظلّ يسكن الفكر القومي لتاريخ لا ينتهي.
العرب اونلاين
المسيري سيسكن التاريخ لأجيال قادمة.. زكريا شاهين
