بعد الرحالة الجواسيس الذين كانوا يخبون في المنطقة العربية في القرن التاسع عشر وبداية القرن العشرين، ومنهم المسز بيل التي جاءت كرحالة عاشقة للآثار فزارت بلاد الشام وشبه الجزيرة العربية لتعود وتحكم العراق وتصنع ملوكها، وبعد الصحفيين الجواسيس والدبلوماسيين الجواسيس ورجال الأعمال الجواسيس أيضاً، جاء دور علماء الغرب ليكونوا جواسيس علينا!
يوم الثلاثاء 24-6-08 قُتلت نيكول سوفيجيس في تفجير مدينة الثورة في بغداد، وهي أكاديمية أمريكية مختصة بالعلوم السياسية تعمل مع الجيش الأمريكي في برنامج Human Terrain System ، حسب موقع دورية العراق.
وهذا البرنامج يتضمن تجنيد علماء في علم الإناسة الأنتربولوجيا في الجيش الأمريكي لمساعدته على فهم المجتمعات المحلية وكيفية اتخاذ قراراتها، وكيف تتأثر هذه القرارات بالظروف المحيطة، كما جاء في موسوعة ويكيبيديا الإنكليزية في تعريف البرنامج.
وتتابع الموسوعة شرح المشروع، فتذكر أن كل مجموعة من مجموعات هذا البرنامج تتكون من عالمي أنتربولوجيا مدنيين، ومن ثلاثة عسكريين، وتدعى فريق العمل الإنساني Human Terrain Teams واختصاراً HTTs. ويبدو أن وحدة من هذه الوحدات هي التي وقعت في كمين مدينة الثورة.
عندما بدأ الجيش الأمريكي بتطبيق هذا البرنامج شعر علماء الأنتربولوجيا بالخطر الذي يهدد مهنتهم، إذ ان التوظيف الفج لهم ولمعارفهم من الجيش الأمريكي بهذا الشكل سيجعلهم طرفاً في الحروب الإمبراطورية، وبالتالي سيقضي على صورتهم كعلماء محايدين وسوف تتشوه صورة الجامعات التي يدرسّون فيها.. أي أن مهنتهم سوف تصاب بالدمار الكامل إذ من فى العالم بعد ذلك سيتعامل معهم كعلماء محايدين! فأصدرت رابطة الأنتربولوجيا الأمريكية إدانة لهذا البرنامج لأنه ينتهك أخلاقيات العلم.
تابعت الموضوع على مواقع البلوغرز باللغة الإنكليزية، فاستطعت أن أحصل على معلومات عن أحد هؤلاء الأنتربولوجيين العاملين مع الجيش الأمريكي، فوجدتها جديرة بالعرض لأنها ترسم بورتريه لنموذج العالم الجاسوس.
Micheal V Bhatia عالم أنتربولوجيا قُتل مع جنديين من القوات الأمريكية قرب مدينة خوست شرق أفغانستان بانفجار عبوة ناسفة على جانب الطريق في أوائل مايو– أيار عام 2008.
وبمناسبة مقتله قدمت بعض مواقع البلوغرز سيرته الذاتية، فتقول إن القتيل درس العلوم السياسية وتخرج من جامعة براون في أوتاوا، ثم عمل في منظمات المجتمع المدني غير الحكومية ذات الطابع الإنساني في مخيمات تندوف للاجئين الصحراويين في الجزائر، وفي كل من كوسوفو وتيمور الشرقية.
وبعدها أعد أطروحة عن تاريخ المجاهدين الأفغان بين عامي 1978- 2005 م معتمداً على 350 مقابلة مع شخصيات من المجاهدين السابقين وعلى أرشيف وسائل الإعلام، وقد موّل هذه الدراسة عدد كبير من المعاهد ومؤسسات المجتمع المدني.
كما عمل أستاذاً محاضراً في بعض الجامعات، وكان يعد لنيل شهادة الدكتوراه في العلاقات الدولية من جامعة أوكسفورد قبل التحاقه بهذا البرنامج في اللواء المجوقل 82، وقد ألف كتابين نُشر أحدهما قبل شهر من مقتله.
أرسل ايميل إلى أحد أصدقائه قبل عدة أيام من مقتله يدافع عن نفسه، فقال: إن هذا البرنامج فرصة لإنقاذ حياة الأفغان والجنود الأمريكان وقوات التحالف، كما أنه يضمن أن تصبح خطط الناتو وقوات إيساف أفضل وأكثر فعالية.
ما ذكرناه من معلومات عن شخصية هذا القتيل كاف لرسم بورترتيه لما أطلقنا عليه العالم الجاسوس الذي يعج بهم الوسط الأكاديمي في الغرب دون أن ينفي هذا وجود كثير من الشرفاء الذين يرفضون استخدام علومهم لخدمة الحروب الإمبراطورية في هذه الأوساط نفسها.
ويلاحظ من السيرة الذاتية للقتيل أنه ينتمي لأرقى الأوساط الأكاديمية، وله علاقة وثيقة بمنظمات المجتمع المدني والعمل الإنساني، كما أنه مارس البحث العلمي قبل أن ينتهي به الأمر عالماً جاسوساً محارباً بعلمه في صفوف الجيش الإمبراطوري حيث قضى نحبه.
قبل فضيحة الأنتربولوجيين المحاربين انفجرت في العراق وأفغانستان فضائح مشاركة الأطباء في تعذيب السجناء في السجون الأمريكية السرية والعلنية، إما بشكل مباشر أو غير مباشر عبر تقديم النصائح للمعذبين، وقياس مدى تحمل المعتقلين للتعذيب، ومتى يجب أن يتوقف تعذيبهم كي لا يقضوا نحبهم. كما انخرط بعض الأطباء النفسيين في تقديم معلومات عن كيفية الحصول على المعلومات من المعتقلين.
وفي بداية غزو العراق اخترع الأمريكان الصحفي المرافق للقوات، فصار الصحفيون ملحقين بالوحدات العسكرية ينامون مع الجنود في سرير واحد، ويركبون معهم في العربات المدرعة ويلبسون الخوذ والبدلات العسكرية فينقلون جو المعركة من وجهة نظر الجندي الأمريكي.
وبالتالى قضى الأمريكان على حيادية مهنة الصحافة وحولوا الصحفيين إلى جنود مقاتلين في صفوف الجيش الإمبرطوري، ومن لم ينخرط في صفوفهم كان هدفاً مباشراً لدباباتهم كما حدث في فندق الرشيد ولطارق أيوب ومازن دعنا.
لقد خلق الغزو الأمريكي للعراق التباسات كثيرة منها أنه أزال التمييز الذي كان متبعاً في كل الحروب بين المدنيين والعسكريين، وهذا التمييز – رغم أنه لم يكن يحترم كثيراً – إلا أنه ساهم في تقليل معاناة المدنيين في الحروب، وفي تحديد مفهوم دقيق لجريمة الحرب، كما أنه أخضع الجيوش لقوانين يمكن محاسبتهم على تجاوزها.
لكن الجيش الأمريكي دمر هذا التمييز عبر إشراكه شركات المرتزقة في عملياته القتالية وأطلق عليهم اسم المقاولين وتحرر من تبعات أعمالهم فهم ليسوا بعسكريين نظاميين، أذكر أن أحد الجهابذة السوريين كتب مقالة بعد مقتل أربعة من هؤلاء المرتزقة في الفلوجة يدين قتل مقاولين جاؤوا لإعمار العراق!.
وفي إطار خصخصة الجيش الأمريكي دخل المدنيون في بنية هذا الجيش، كطباخين وحراس وعمال خدمة، حيث انحصرت وظيفة الجندي الأمريكي بإطلاق النار في حين أنه في الجيوش التقليدية يحرس المعسكرات وينظف ويطبخ. فهل الطباخ في هذا الجيش يُصنف مدنيا أم عسكريا؟
وقد استخدم الجيش الأمريكي هذا الالتباس لشن حملة إعلامية على المقاومة كما في حادثة مقتل النيباليين بحجة أنها تستهدف عمالاً أبرياء!
كما أن الاحتلال أضاف كارثة أخرى إلى المجتمعات التي خضعت لاحتلاله إذ قام بتجنيد أفراداً منها يتقنون اللغة الإنكليزية ليعملوا مترجمين معه، فتحولوا إلى جواسيس على مجتمعاتهم، وصار كل دارس للغة الإنكليزية مشروع جاسوس.
عندما قرأنا في كتب التاريخ أن الشاعر السوري الفراتي عندما حصلت سوريا على استقلالها قام بإحراق كل كتبه الفرنسية استهجنا ذلك، واستهجنا أكثر قرار الحكومة السورية بمنع تعلم اللغات الأجنبية لمدة عشر سنوات بعد الاستقلال. لكن الآن بعدما شاهدناه وخبرناه في التجربة العراقية وتجنيد الاحتلال لدارسي اللغة الإنكليزية كمترجمين عملاء في صفوفه حق لنا أن نتساءل: ألم يكن في القرارين السابقين قرار الحكومة، وقرار الشاعر وجهة نظر تستحق النقاش؟
كما أننا بعد فضيحة العلماء الجواسيس نتساءل: ألم يكن موقف أجدادنا - الذين كانوا يتصنعون البلاهة وعدم الفهم حين يدخل غريب إلى حيهم أو قريتهم ويسألهم عن شيء ما - أكثر حكمة منا نحن الذين نفتح صدورنا وبيوتنا وقلوبنا لكل غربي يدخل بلادنا بصفة صحفي أو عالم اجتماع أو ناشط في مجال حقوق الإنسان في حين أنه مشروع جاسوس؟
صحيح أن البرنامج السابق دمر سمعة العمل الأكاديمي وأن هناك من احتج على توظيف العلم بخدمة حروب الإمبراطورية، لكن هذا التعامل مع العلم والمعرفة ليس غريباً على الحضارة الغربية التي تُراكم المعرفة من أجل أن تستخدمها في السيطرة واستعباد الآخرين بعد شل مقاومتهم، وإن هذا هو جوهر ما فعله علماء نابليون في مصر بإنجازهم كتاب (وصف مصر) الذي لم يترك ذرة رمل في مصر لم يصفها ولم يحدد موقعها، فتركها عارية مكشوفة أمام كل غاز لا تمتلك أية مناعة طبيعية للمقاومة.
إن المعرفة في العرف الغربي هدفها السيطرة على الآخر وليست وسيلة للتفاهم والتقارب بين الأعراق البشرية.
* كاتب سوري
العرب اونلاين
علماء وجواسيس.. د. ثائر دوري*
