وددت لو نعرف اسماء الشهداء جميعا، العراقيين، الوطنيين، المقاومين، المدنيين، النساء والاطفال والشيوخ والشباب.
وددت لو نعرف اسماء المليون شهيد وقصص حياتهم لنحفرها اسما اسما وقصة قصة على جدارية من المرمر تنصب في الجانب الثاني من ساحة التحرير في وسط بغدادنا بموازاة نصب الحرية لجواد سليم.. الاسماء المحفورة باللون الابيض على الرخام الاسود ستشع ليلا ونهارا في ارواحنا وذاكرتنا.
سنحملها من جيل الى جيل لتكون جدارية للروح التواقة للحرية للمقاومة وللشهداء جميعا، العامل والشاعر والكاتب والمهندس والخباز ومنظف الشوارع والطبيب.. لكل من حفظ الجميل للبلد الذي رباه وعلمه وأطعمه ورعاه.. لكل من دافع عن كرامته لانها كرامة الوطن.. لكل من غسل نفسه من أدران الانتقام الشخصي ليسمو على الاضغان.. لكل من أدرك ولو بعد تلكؤ ان لا حياة ولا إباء ولا كرامة مع وجود الاحتلال.
ستكون جدارية تضم بين اسماء المليون شهيد اسم رجل يدعى رائد محمود عجيل. فمن هو رائد محمود عجيل؟
خلافا لسياسيي الاحتلال اناثا وذكورا المنصوبين امام الكاميرات التلفزيونية طوال ساعات البث لم يسمع معظم العراقيين باسم رائد، ولم يروا ملامح وجهه أو يسمعوا صوته قبل ظهيرة يوم الاثنين المصادف 23 حزيران/ يونيو، الا ان ما فعله خلال دقائق قليلة أبرزه الى المقدمة ليوصف بانه بطل وشهيد.
ومثل كل حدث ومأساة تقع اليوم في العراق المحتل تعددت المصادر والحكايات عن رائد وما فعله اذ يخبرنا تقرير لاذاعة البي بي سي العربية يوم 24 حزيران/ يونيو انه كان مسؤولا في مجلس بلدية المدائن (سلمان باك) التي تقع على بعد نحو 40 كيلومتراً (25 ميلاً) إلى الجنوب الشرقي من مركز العاصمة بغداد، وانه أطلق النار بعد ظهر الاثنين على جنود أمريكيين كانوا يقومون بزيارته، فقتل ثلاثة منهم وجرح عدد آخر.
وأتم مسؤول بوزارة الداخلية "العراقية" سرد الحكاية قائلا ان القوات الأمريكية المحتله ردت بإطلاق النار على المهاجم الذي لم تكشف عن هويته، فأردته قتيلاً على الفور، بينما ذكر أحد المسؤولين الذي رفض ذكر اسمه أن (الحادث) وقع بينما كان عدد من الجنود الأمريكيين ومسؤولون عراقيون يشاركون في احتفال بمناسبة افتتاح حديقة عامة في المدائن.
وأضاف أنه بعد دخول المشاركين في الاحتفال إلى مبنى مجلس البلدية قام أحد أعضاء المجلس بإطلاق النار على الجنود الأمريكيين باستخدام بندقية من طراز AK-47، فقتل ثلاثة جنود واصاب أربعة آخرين.
ونقلت وكالة انباء ماكلاتشي الامريكية صورة تفصيلية عن حياة رائد الشخصية.. بدأت الوكالة تقريرها - على جودته مثل كل اجهزة الاعلام الغربية ومعظم العربية - بذكر انتمائه الطائفي أولا باعتباره النقطة التي يراد تركيزها في الاذهان قبل أي شيء آخر، فعرفته بانه سني في الاربعين من عمره، من عائلة كريمة معروفة ومحترمة في المنطقة وان شقيقه يعمل مسؤولا عن الامن في وزارة العدل وابن عمه قاض هناك، متزوج ولديه ثلاثة اطفال، تخرج من جامعة بغداد، وتم تعيينه مديرا لثانوية في المدائن الى ان تم انتخابه عضوا في المجلس البلدي في عام 2003.
كان رائد تربويا جيدا معروفا بين الاهالي ومحترما عند الجميع. وكان قد عاد منذ اسبوع تقريبا من الهند حيث واصل دراسته هناك، وحصل على شهادة الماجستير.
ونقلا عن ابن عمه وزملائه (من الضروري تمحيص شهادة ابن عمه؛ لانه يعمل رئيسا للامن، وكذلك زملاؤه؛ لانهم يواصلون العمل مع قوات الاحتلال) فانه كان محبوبا لدى الامريكيين، وانه كان يجيد اللغة الانكليزية، وقد منحوه مناقصة تنفيذ مشروع قدمه اليهم.
وأكد زملاؤه ان ما قام به اثار ذهولهم، ولا يعرفون له سببا، وان كان ابن عمه قد ذكر انه كان يعاني من الكآبة الحادة (سبحان من لا يعاني من الكآبة في العراق الجديد) تبريرا لسلوكه ضد القوات الامريكية؟!!.
ويشير تقرير ماكلاتشي في خلاصته الى ان مشاعر العداء تجاه المحتل سائدة بين المواطنين الذين وجدوا في الوجود الامريكي تدخلا سافرا في حياتهم وشؤونهم.
ولاحظ مراسل الوكالة انه حالما انتشر خبر قتل رائد على ايدي قوات الاحتلال اعتبره اهل المنطقة بطلا طالبين له الرحمة من الله، واشار سائق التاكسي الذي ينقل المراسل الى دماء الامريكيين على الارض قائلا (الخنازير يستحقون هذا).
وكانت الجهة الوحيدة التي بينت سبب هجوم رائد على قوات الاحتلال هي هيئة علماء المسلمين في خبر لها جاء فيه ان المهاجم سحب سلاحه الشخصي نتيجة للاستفزاز الذي تمارسه قوات الاحتلال. وهو تحليل معقول خاصة وان من بين اسباب الحقد على قوات الاحتلال - وبالتالي شن العمليات ضدهم - ما يلحق الفرد وعائلته من اهانات شخصية بحضور الآخرين، وعنجهية المحتل الامريكي وسلوكه المهين بحق العراقيين - بضمنهم من قبل بالتعاون معهم – معروفة، غير ان مهاجمة قوات الاحتلال في المدائن لم تكن وحيدة، بل تلاها بعد يوم واحد هجوم تم في المجلس البلدي ايضا في مدينة الثورة (الصدر).
فقد قتل عشرة أشخاص بينهم جنديان ومدنيان أمريكيان، احدهما موظف في وزارة الخارجية الأمريكية بينما الآخر موظف في وزارة الدفاع جراء انفجار قنبلة أثناء اجتماع المجلس المحلي في المدينة.
هذه المرة، لم يكن منفذ العملية (سنيا) كما في المدائن، بل سارعت قوات الاحتلال الى اتهام (مجموعة مارقة شيعية) وقتل في اليوم نفسه رئيس المجلس البلدي في منطقة أبو دشير علي يد مسلحين مجهولين أمام منزله قرب بغداد.
وتزامنت الاحداث مع اصدار الادارة الامريكية تقريرها الفصلي عن العراق الذي اعلنت فيه عن تحسن الاوضاع الامنية.
وكان القائد العام لقوات الاحتلال الجنرال دافيد بترايوس قد ابلغ قواته عن استراتيجيته الجديدة (لمكافحة المتمردين) المتضمنة ان يقوم الجنود الامريكيون بالمساهمة في مشاورات "عملية الاعمار" والا يركبوا الدبابات والمدرعات، بل عليهم السير بين ابناء البلد (المضيف) ليفوزوا بقلوب وعقول العراقيين!.
وهذه نصيحة ممتازة نتمنى على بترايوس الاستمرار في تنفيذها لتصبح ايام المحتل كلها مماثلة لايام الاسبوع الماضي.
ان محاولة قوات الاحتلال التغلغل في تركيبة المجتمع الاهلي والمدني سواء من خلال تنظيم "الصحوات" وتجمعات "ابناء العراق" وبنات الفلوجة وبنات العراق ومنظمات المجتمع المدني المدعومة ماديا واعلاميا من حكومة الاحتلال فضلا عن عمل عناصر القوات الامريكية الخاصة وتنفيذها عمليات الابادة والعقاب الجماعي ضد المواطنين ووجود المستشارين الأمريكيين في الوزارات والمكاتب الحكومية بحجة المساعدة في تحسين الأداء.. ان هذا كله يصب في مجرى ادامة الاحتلال وتطوير اشكاله الحرباوية لاستعباد أهلنا، وان كان يخلق في الوقت نفسه نقيض الاحتلال أي المقاومة المتنوعة الاطياف كما بات واضحا بشكل خاص في الشهور الاخيرة بعد انقشاع ضباب الطائفية المصنعة في معامل احزاب الاحتلال.
لقد وصف البعض رائد محمود عجيل بعد رحيله بانه بطل بينما وصفه آخرون بانه شهيد، ولعل ما اراد اثباته في لحظة ثورته الأخيرة انه كان انسانا معتزا بكرامته.
هيفاء زنكنة/ كاتبة من العراق
وقائع استشهاد رائد محمود عجيل في المدائن.. هيفاء زنكنة
