هيئة علماء المسلمين في العراق

استراتيجية الجدران: أسرلة الحرب الأميركية على العراق - أحمد بن راشد بن سعيّد
استراتيجية الجدران: أسرلة الحرب الأميركية على العراق - أحمد بن راشد بن سعيّد استراتيجية الجدران: أسرلة الحرب الأميركية على العراق - أحمد بن راشد بن سعيّد

استراتيجية الجدران: أسرلة الحرب الأميركية على العراق - أحمد بن راشد بن سعيّد

استراتيجية الجدران: أسرلة الحرب الأميركية على العراق - أحمد بن راشد بن سعيّد - الحياة في العراق ينشغل الجيش الأميركي الذي يحتل البلاد ببناء جدران وحواجز إسمنتية، يسميها «بوابات الأحياء» (Gate Communities).

في بغداد وحدها ينتصب اثنا عشر جداراً مقسمة أحد عشر حياً سنياً وشيعياً على الأقل، ومحدثة تمزقاً اجتماعياً وتجارياً لم تشهده العراق من قبل. جدران أخرى يتم تشييدها في أكثر من مدينة عراقية، بينما تطوق مدينة الفلوجة بالكامل بحاجز من الأسلاك الشائكة، لا يبقي سوى فتحة واحدة هي مدخل المدينة.

في غضون ذلك تقوم القوات الأميركية من آن لآخر باغتيالات وقصف للمنازل «المشبوهة». معظم مدينة الدورة، كما يشير الصحافي الأميركي نير روزن، أصبحت «بلدة أشباح»، والانتصار الأميركي في العراق جعل المدينة في حال مزرية من البؤس: «بحيرات من الوحل والمجاري تملأ الطرقات، وجبال من النفايات في أحضان مياه ملوثة».

لكن أبرز ما يلفت نظر أهل الدورة هو ذلك الجدار الذي طوله اثنا عشر قدماً، والذي بناه الأميركيون للفصل بين الطوائف المتناحرة وإلزام الأهالي بالبقاء في أماكنهم، وبسبب هذا الجدار تبدو الدورة كئيبة ومقفرة من وهج الحياة وحركتها (رولنغ ستون، 8 آذار/ مارس 2008). استراتيجية العنف الأميركي في العراق والمتمثلة في العمليات العسكرية والقصف «المستهدف» وبناء الجدر ليست من اختراع منظري البنتاغون، بل مستقاة من التجربة الإسرائيلية في مواجهة الشعب الفلسطيني. في طول الضفة الغربية وعرضها، وحول قطاع غزة المنكوب تنشر إسرائيل جدران الفصل والحواجز ونقاط التفتيش محولة المناطق الفلسطينية إلى «غيتوهات» وجيوب مقطعة الأوصال، وعازلة الأخ عن أخيه، والجار عن جاره، والفلاح عن أرضه، والتلميذ عن مدرسته. وحول الأرض المحاصرة، وفي وسطها أيضاً تنغرس سلسلة من المستوطنات تتناسل (بفعل ما يسمى النمو الطبيعي)، ويتكاثر سكانها.

سياسة الجدران هذه يتم دعمها وترسيخها برقابة مستمرة من الجو ترصد تحركات شباب المقاومة تمهيداً لعمليات القنص والحرق بصواريخ الأباتشي. في قطاع غزة بلغت وحشية الحواجز الإسمنتية أوجها بعد الانسحاب الإسرائيلي عام 2005. أكثر من مليون ونصف المليون يعيشون الآن حياة غير إنسانية في قفص كبير، يصيب في مقتل كل ما حققته الإنسانية من تقدم في مجال الحريات وحقوق الإنسان.

الإسرائيليون وحدهم يتحكمون في ضرورات حياة الغزيين عبر نقاط حدود مجهزة بأحدث وسائل التقانة، ومن خلالها يشنون حملات القتل والتدمير المنهجي للقطاع. ما يحدث في غزة يعاد إنتاجه في بلاد الرافدين حيث يمارس الأميركيون «أسرلة» المعركة. يصف مواطن عراقي بوابة في الجدران الإسمنتية المحيطة بالعامرية «بمعبر رفح».

البصمات الإسرائيلية واضحة للعيان، والحرب الأميركية في أفغانستان والعراق (وبدرجة أقل في الصومال) تمارس تكتيكات الحرب الإسرائيلية ذاتها وتتماهى معها، وكلتا الحربين تشن تحت راية «الحرب على الإرهاب». المأزق العراقي دفع البنتاغون إلى الاستعانة بالخبرات الإسرائيلية، وبحسب المعلق الأميركي مايك ديفس، فإن المستشارين الإسرائيليين قاموا بتدريب عناصر المارينز والبحرية على أحدث أساليب القنص وهدم البيوت وحصار الأحياء السكنية. أسرلة الحرب الأميركية نتجت، كما يشير ديفس، عن «شرونة» الرؤية الكونية للبنتاغون. (ألترنت، 20 نيسان/ ابريل 2004).

هذه الرؤية تتلخص في أن العنف هو السبيل الأوحد «لحل المشكلة الفلسطينية»، أو بتعبير شارون نفسه: «ما لا يتحقق بالقوة يمكن تحقيقه بمزيد من القوة». كان شارون يحتفظ بجوار سريره بترجمة عبرية لكتاب ألستير هورن «حرب متوحشة من أجل السلام»، والذي وثق هزيمة فرنسا في الجزائر. كثيرون رأوا في تلك الهزيمة دليلاً على فشل الاستعمار الإحلالي وإن طال الزمن، لكن شارون كان يعتقد أن هزيمة فرنسا درس ينبغي على إسرائيل الاستفادة منه، وأن بوسع الإسرائيليين تفادي الأخطاء الفرنسية في الجزائر. ويروي الصحافي البريطاني روبرت فيسك أن شارون أخبر الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في اتصال هاتفي أن الإسرائيليين «مثلكم في الجزائر»، باختلاف واحد فقط هو «أننا سنبقى».

صحافي بريطاني آخر هو جستن هغلر كتب في صحيفة الإندبندنت أن عملية «الدرع الواقي» التي شنها شارون على مدينة جنين في نيسان (أبريل) 2002 كانت موضع اهتمام ومراقبة العسكريين الأميركيين والبريطانيين وهم يخططون لغزو العراق (ستيف نيفا، موقع فورن بوليسي إن فوكس، 22 نيسان/ أبريل 2008).

العنف الأميركي في العراق مدين إذاً لشارون وللخبرات الإسرائيلية المتراكمة في حربها على الفلسطينيين. إنه عنف شامل ومنهجي: إغلاق المدن والقرى بالأسلاك الشائكة، الإغارة على البيوت، هدم منازل المشتبه بهم، تدمير أنظمة الري وتجريف الحقول، أخذ المدنيين رهائن، واستخدام التعذيب، ونشر فرق الاغتيالات.

وينسب جوليان بورغر من صحيفة الغارديان البريطانية إلى مسؤول سابق في الاستخبارات الأميركية انتقاده الاستعانة بإسرائيل في حرب العراق، قائلاً: «ها نحن نُقارن بشارون في العالم العربي، لقد أثبتنا ذلك عبر جلب الإسرائيليين وتأسيس فرق اغتيالات».

كما ينسب إلى مسؤول آخر قوله إن وحدات إسرئيلية خاصة دربت جنوداً أميركيين في فورت براغ بولاية كارولاينا الشمالية، وإن «بعض الإسرائيليين ذهبوا إلى العراق، لا من أجل التدريب، بل من أجل تقديم الاستشارة» (9 كانون الأول/ ديسمبر 2003).

غير أن أكثر مشاهد الأسرلة وضوحاً في الحرب الأميركية على العراق هو تحويل المناطق العراقية إلى جيوب وغيتوهات عبر تطويقها بالجدران والحواجز، مع مراقبة جوية دقيقة على الأرض. الولايات المتحدة تتعلم من حليفها الإسرائيلي إدارة الاحتلال لا التخطيط لإنهاء الاحتلال. لم تشعر إسرائيل يوماً بالأمن الذي تبحث عنه، ولا يبدو أنها ستحصل عليه، لأنها تعلم أنها اغتصبت أرضاً ليست لها، ودمرت مجتمعاً كان يعمر هذه الأرض قبل ميلادها.

لكن لماذا تحشر أميركا نفسها مع كيان كهذا يعيش حالة من انعدام الأمن والحرب المستمرة، ولماذا تقتبس تكتيكاته الوحشية في الحصار وتقطيع أوصال المدن وقتل الناس بحواجز الخرسانة الصماء؟ في الضفة الغربية، يزداد توحش الجدار الذي يلتهم الزرع والضرع، مكتسحاً في طريقه مئات القرى ومدمراً الآلاف من أنابيب الري وأشجار الزيتون العتيقة. يبلغ طول الجدار 600 كلم، وارتفاعه 8 أمتار (جدار برلين كان طوله 155 كلم، وارتفاعه 3.6 من المتر). يتراوح عمق الحاجز المحاذي له بين 60 و100 متر، ويشمل خنادق وأسلاكاً شائكة وسياجات كهربائية وأبراج مراقبة ومواقع لتسجيل البصمات.

مئات الأراضي الزراعية تم فصلها بوحشية وفظاظة، وأصحابها لا يجدون وسيلة للوصول إليها. ضم الجدار فعلياً 54 في المئة من مساحة الضفة الغربية إلى إسرائيل، راسماً بذلك حدود الدولة الفلسطينية الموعودة. وبحسب تقرير صادر عن الأمم المتحدة فإن أكثر من 274 ألف فلسطيني سيعيشون في مناطق مغلقة بين الجدار والخط الأخضر، أو في جيوب مطوقة كلياً بالجدار. مدينة أبو ديس الواقعة شرقي القدس قسمها الجدار فعلياً، ملتهماً 40 في المئة من أراضيها الزراعية، الأمر الذي يهدد برحيل أهلها عنها (الجزيرة. نت، 19 آذار/ مارس 2008).
ويؤكد الناشط الإسرائيلي يوري أفنيري أن حياة الفلسطينيين لم تكن تمثل شيئاً لمصممي الجدار، لأنها «ببساطة غير موجودة». الضفة الغربية «خالية من غير اليهود» ولذا فهي خالية من الناس، وتنطبق عليها الأسطورة التي روجتها الصهيونية عن فلسطين في أواخر القرن التاسع عشر: «أرض بلا شعب لشعب بلا أرض» (موقع كاونتر بنش، 3 أيلول/ سبتمبر 2003).

في الحقيقة، يمثل وجود الكيان الإسرائيلي في فلسطين جداراً بحد ذاته بحسب هرتزل الذي قال إن وجود إسرائيل في فلسطين يمثل «جداراً في مواجهة آسيا، وفي طليعة الثقافة ضد الهمجية» (كاونتر بنش، 5 ايار/ مايو 2008). لكن سياسة الفصل وامتهان الإنسان بسحق كرامته عبر الحصار والإغلاق والتجويع لا يصطدم فقط مع القيم الإنسانية وتقاليد الحروب والتعاليم السماوية، بل يعرِّض كل إنجازات الحضارة المعاصرة للضياع.

لا معنى للحديث عن العولمة وحوار الثقافات واحترام الحريات ما دامت الجدر والأسلاك والحواجز تخنق شعوباً بأكملها. وحده الحوار وتغليب لغة العقل على لغة العنف يكفل استمرار التعايش والاستقرار على مستوى الكون. في أواخر شهر نيسان (أبريل) الماضي أكملت الحكومة المصرية بناء جدار على حدودها مع قطاع غزة بتكلفة قاربت 400 مليون دولار، وبمشاركة سلاح المهندسين الأميركي. يذكر الصحافي ستيف نيفا أن هنري كيسنجر أهدى الرئيس بوش في شتاء عام 2006 نسخة من كتاب هورن «حرب متوحشة من أجل السلام». لكن الأميركيين لم يحققوا السلام، ولا يبدو أنهم يتعلمون دروس التاريخ.


المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
ص

أضف تعليق