من المدهش أنه ما زال هنالك من يقول ان \"بوش لم يكذب علينا أبدا بشأن العراق\"، ويواصل الدفاع عنه ضد الاتهامات بأنه تعمد تضليل الأميركيين لخلق مبررات شن تلك الحرب.
تأملوا مضمون مذكرة داوننغ ستريت الشهيرة 23 تموز 2002، فقد ارسل اكبر مسؤول في المخابرات البريطانية مذكرة إلى توني بلير تتعلق بمحادثاته الأخيرة مع واشنطن قال فيها (ينظر للتحرك العسكري الآن باعتباره حتميا... لكن المعلومات الاستخبارية والوقائع يجري استخدامها لدعم السياسة). بعد شهر شكلت الإدارة مجموعة البيت الأبيض من أجل العراق كي تروج للخطر الوشيك الذي يمثله صدام حسين. كانت تصعّد الحملة الكلامية، وتضلل الشعب، وتكذب.
في العام 2002، وفيما الإدارة تقرع طبول الحرب، صرح ديك تشيني بالقول: (مما لا شك فيه أن صدام حسين لديه الآن أسلحة دمار شامل. وهو يكدسها كي يستعملها ضدنا). وقالت كوندوليزا رايس (نحن نعرف حقا أن صدام حسين يسعى بنشاط للحصول على أسلحة نووية). دونالد رامسفيلد قال (نظام حسين جمع أكداسا سرية من الأسلحة الكيماوية).
كان هدف هذه التصريحات زرع الخوف لدى الأميركيين من الخطر الوشيك الذي يمثله العراق، حجر الزاوية في تبرير بوش للحرب. لقد كانوا يضللوننا بصورة متعمدة بقولهم ان الإدارة تملك حقائق لا تقبل الجدل أوصلتها إلى هذه الاستنتاجات.
لم يكن مستشارو الرئيس وحدهم، فتأكيده يوم 7 تشرين الأول لعب بمشاعر الأمة: (في وجه أدلة واضحة على الخطر، لا نستطيع انتظار دليل حاسم). ورغم ذلك كان لدى الرئيس معلومات سرية مختلفة تماما من "تقدير المخابرات الوطنية" نشرت قبل أيام من ذلك التاريخ وأعدته 16 وكالة استخبارات أميركية من أنه (يبدو أن بغداد ترسم خطا لمنع القيام بأي هجوم إرهابي بأسلحة كيماوية وبيولوجية ضد الولايات المتحدة).
ملخص تقرير "تقدير المخابرات الوطنية" الذي كشفت الادارة النقاب عنه لاطلاع العامة ووسائل الإعلام كان كذبة أخرى؛ لأنه حرّف بشكل كبير. وقد حذف منه ما سبق علاوة على العديد من بيانات الوكالات الأخرى التي تنتقد ما قامت به وكالة الاستخبارات الأميركية من تضخيم مرعب وعدم دقة في التقييم.
أخيرا، وفي نصف دزينة من المناسبات على الأقل، ضُخمت الاستنتاجات لجعل تهديد العراق يبدو اشد رعبا. كما جرى التلاعب باللغة لتغيير وجهات نظر وكالة الاستخبارات الأميركية إلى حقائق لا تقبل الجدل.
قبل أسبوعين من الحرب، كرر الرئيس تصريحا من خطابه عن حالة الاتحاد القاه في كانون الثاني (لقد حصلت على دليل جيد يجعلني أعتقد بان صدام حسين لديه أسلحة دمار شامل، وأن الشرطة السرية العراقية تواصل إخفاء الأسلحة الكيماوية والبيولوجية لتجنب كشفها من المفتشين).
آه، أجل، المختبرات المتحركة، وممن حصل الرئيس على الدليل؟ من "كيرف بول" الاسم السري للمهندس العراقي الذي قيل انه كان يعمل في تلك المختبرات والذي وصفته المخابرات الألمانية في العام 2002 بانه "مجنون وملفق".
لكن بوش في سعيه الحثيث للحرب اختار الكاذب العراقي على الأدلة التي قدمها مفتشو الأسلحة التابعين للأمم المتحدة الذين كانوا يشكلون أفضل استخبارات ممكنة على الأرض.
فمن تشرين الثاني 2002 وحتى آذار 2003 كان لديهم حرية غير مسبوقة في التفتيش في أرجاء العراق كافة دون العثور على شيء. لم يكن هناك مختبرات متحركة ولا منشآت تخزين تحت الأرض... لا شيء.
كان يجب أن تكون تلك اخبارا عظيمة، لكن ليس بالنسبة لرئيس يتطلع للذهاب إلى الحرب. في الواقع أن هانس بليكس، مفتش الأسلحة من الأمم المتحدة، اتهم بوش وبلير بالكذب صراحة عندما قال (لقد اخترع الأميركيون والبريطانيون حقائق حيث لا حقائق على الإطلاق.... كان الأميركيون بحاجة للعثور على أسلحة الدمار الشامل لتبرير الحرب)، ما يعني أن بوش كان بحاجة لخلق حقائق لتبرير الحرب.
عن المقابلة بين بوش وبلير في 31 كانون الثاني 2003 كتب دافيد ماننغ، مستشار بلير للشؤون الخارجية، أن هناك توترا بين بوش وبلير حول إيجاد مبررات للحرب. في الحقيقة، كان بلير قلقا جدا حيال الفشل في "إثارة مواجهة" مع صدام حسين. وهكذا كان الرئيس يستخدم الدفاع عن النفس لترويج الحرب فيما كان يناقش سرا كيف يثيرها مع عدو خطير مزعوم يشكل خطرا وشيكا. وهكذا فإما أن يكون بوش قد كذب، وإما أنه وضعنا في خطر مهلك.. وإما كلاهما.
لا يتسع المجال لدحض كل الأكاذيب التي قالها لنا الرئيس عن تهديد العراق وعن أسلحته وصلاته مع اسامة بن لادن.
نقطة أخيرة: لقد أنفقت حكومتنا عشرات الملايين لمساءلة رئيس؛ لأنه كذب في علاقة جنسية مع امرأة راشدة. قارنوا ذلك بالشيء المقيت الذي فعله بوش: كذب بصورة متعمدة على الشعب الأميركي للترويج للحرب التي أدت إلى مقتل ما يزيد على أربعة آلاف أميركي ذهبوا ضحية أكاذيبه وخداعه.
إن ما قام به تذكار للشر الأميركي، تلته تلك الحقيقة المشينة أن أحدا لم يقم بمحاسبته.
الدستور الاردنية - لوس أنجليس تايمز
هكذا كذب علينا الرئيس بوش.. ساي بولتون
