هيئة علماء المسلمين في العراق

تنظيم الوصاية الامريكية على العراق!.. فتحي خطاب
تنظيم الوصاية الامريكية على العراق!.. فتحي خطاب تنظيم الوصاية الامريكية على العراق!.. فتحي خطاب

تنظيم الوصاية الامريكية على العراق!.. فتحي خطاب

المقاومة العراقية هي محور المواجهة وبؤرة الصدام المتفجرة في وجه الاحتلال، ولسوف تمهد الطريق لثورة شاملة للتحرر ليس في مقدور احد التحسب لاحتمالاتها. اتصور اننا مطالبون وقبل اي شيء آخر بأن نلقي نظرة جديدة على ما يجري في العراق، واظن - والظن عند العرب بمعنى اليقين - ان هناك اسرارا وعورات تحيط بالمشهد كله!!

ولا يزال المشهد العراقي امامنا حافلا بالمفاجآت والاحتمالات، ولا احد يفكر الى اين؟ وبأي شكل؟؛ لانها لحظة اصبح الهدف فيها تحديد بداية النهاية في مشوار الغزو والسطو الامريكي المسلح على العراق.. وكأن كل ما طلبوه جاء اليهم اخيرا: البترول.. والموقع، وبمعنى تنظيم الوصاية الامريكية المطلقة على العراق!!

ويجري كل ذلك تحت مظلة ثقافة الخداع والتضليل، ويقال - والقول صحيح بالطبع - ان ذلك منطق الاشياء تحت الاحتلال، وغيره لا يمكن ان يكون منطقيا!!، وهكذا راحت الخطوات الامريكية تستكمل الصورة تفصيلا بعد تفصيل:

1- قانون النفط والغاز الذي صاغته الادارة الامريكية من اجل بسط هيمنة كاملة على الثروة البترولية في العراق وبشروط استثنائية في هذا القانون لا مثيل لها في اي قواعد او شروط حاكمة لعقود واتفاقيات البحث والتنقيب وتقاسم العائد في اية دولة من دول العالم مهما اختلفت انظمة حكمها او توجهاتها الايديولوجية.

وقد تم استدعاء البرلمان العراقي بعد اسبوع من اجازة كان من المفروض ان تمتد الى شهرين استجابة للضغوط الامريكية على الحكومة "العراقية" للحصول على موافقة نهائية على 18 قانونا اهمها قانون النفط والغاز مع تهديد صريح بحل الحكومة اذا لم تتمكن من التصديق على هذا القانون تحديدا.

وكانت المسودة الاولى للقانون قد ظهرت في اواخر عام 2006 ثم جاءت المسودة الاخيرة في شباط 2007، ووافقت حكومة نوري المالكي بالاجماع على القانون الذي احيل للبرلمان لمناقشته والتصديق عليه، ويهدف القانون الى تقسيم الثروة النفطية للعراق بين الطوائف المختلفة وفقا للنسب السكانية، وهو الهدف المعلن الذي يمهد في الباطن الطريق لمشروع تقسيم العراق كما يريد الاحتلال اذ انه يلغي سيطرة الدولة على النفط، ويمنح هذه السيطرة للأقاليم، كما انه يمهد لسيطرة الشركات الاجنبية على البترول العراقي عبر عقود طويلة تستمر لعشرات السنين من خلال ما يعرف "باتفاقيات تقاسم الانتاج"، ويحقق القانون الهدف الذي يسعى اليه الاحتلال الامريكي، وهو خصخصة قطاع النفط ونقل السيطرة عليه الى الشركات الاجنبية خاصة الامريكية منها.

ما هو المعنى الكامل لذلك؟!

المعنى.. اذا كان البترول العراقي في مقدمة اهداف الزحف الامريكي على العراق فإن الخطوة الاخيرة في هذا الاتجاه هي تنظيم السيطرة الامريكية بقانون النفط والغاز.. ولعل ما جاء في تقرير بيكر - هاملتون الامريكي بشأن النفط يوضح مدى رغبة الامريكان في اصدار القانون، وجاء في التقرير: «على الادارة الامريكية ان توفر بأسرع وقت ممكن المساعدة الفنية للحكومة العراقية لاعداد قانون النفط وانشاء اطار عمل قانوني ومالي للاستثمار فيه»!!.

واذا كانت التقديرات تشير الى ان احتياط البترول في العراق يصل الى 300 مليار برميل فإن العراق هو الاقل تكلفة في مصروفات الاستخراج التي تتراوح للطن ما بين 2 و 5 دولارات في حين تبلغ هذه التكلفة في بحر القزوين 17 دولارا، وتبلغ 10 دولارات في بحر الشمال بينما تصل تكلفة انتاج طن البترول في سيبيريا ما بين 35 و 45 دولارا فضلا عن ان الولايات المتحدة هي اكبر دولة مستهلكة للبترول في العالم، ويقدر الخبراء ان استهلاكها سوف يتضاعف خلال عقد بينما سيكون الانتاج العالمي آخذا في الانخفاض في تدرج تناقصي.

2- وهي المسألة الاخطر.. الاتفاقية المعروفة باسم اتفاقية وضع القوات Status of Forces Agreement التي تهدف الى وضع اسس قانونية لوجود القوات الامريكية في العراق بعد 31 كانون اول المقبل عندما ينتهي العمل بالقرار الدولي الذي ينظم انتشارها حاليا!!.

وفي كانون اول الماضي وقع المالكي وبوش اعلان مبادئ يمهد لمفاوضات بين البلدين لتوقيع "اتفاقية طويلة الأمد" تضع اطارا للعلاقة بينهما في المستقبل، وتنظم وجود القوات الامريكية في العراق. ويفترض توقيع تلك الاتفاقية نهاية تموز 2008 المقبل, لتدخل حيز التنفيذ مطلع كانون الثاني من العام المقبل.

والاتفاقية اكبر واخطر من مجرد تنظيم الاحتلال الامريكي للعراق او تحقيق الوصاية الامريكية على بلاد الرافدين او فرض شرعية الوجود الامريكي او البحث عن مأوى دائم في العراق لاكثر من 300 الف عنصر احتلال ومساندة (150 الف جندي امريكي و160 الف عنصر من الشركات الامنية الخاصة). والاتفاقية تتجاوز حدود بلاد الرافدين، وتفرض قضية امن قومي عربي، وتحتك بمستقبل ومصير الاقليم العربي باسره، وكل هذا ولا احد يتحسب لمخاطر السنوات المقبلة في العراق وفي المنطقة العربية.

وهناك من يرى - واتفق معه في القول - ان هذه الاتفاقية تحمل في مضمونها الرؤية الشرق اوسطية الامريكية للمنطقة العربية، وتصادر ارادة العراق، وتكبله بالتزامات من دون ان ترتب على الجانب الامريكي اية مسؤوليات من اي نوع، وتعود بالعراق زمنيا الى مخطط حلف بغداد في الستينيات، وهي تنتزع العراق من التزاماته العربية حاضرا ومستقبلا؛ فهي تجرده من قراره السياسي والعسكري بما يحظر عليه ضمنيا القيام باي عمل عربي مشترك، بل انها تخرج العراق كليا من المعادلة العربية، وتجعله رأس رمح امريكي في الخصر العربي والاسلامي.

وقد يكون بعض التفصيل لازما بقدر ما هو ضروري للشرح:

1- الاتفاقية التي تطلق عليها الولايات المتحدة اسم (وضع القوات) تتضمن اقامة الولايات المتحدة اربعمائة قاعدة عسكرية دائمة في انحاء العراق - يتم التفاوض حاليا لتخفيض العدد الى 58 قاعدة - لا تخضع مطلقا لسلطة الحكومة "العراقية"، الامر الذي يعطي للولايات المتحدة حق شن الحرب على اية دولة انطلاقا من هذه القواعد من دون الرجوع الى الجانب العراقي، وبالتبعية لا يوجد ما يمنع واشنطن من اعطاء "اسرائـيل" امكانية استخدام هذه القواعد.

وكذلك منح حصانة من المساءلة والملاحقات القضائية للقوات الامريكية وللعاملين في الشركات الامنية المتعاونة مع الاحتلال اي منح المرتزقة من قوات "بلاك ووتر" وغيرها حق القتل من دون عقاب رغم ثبوت ارتكاب هؤلاء المرتزقة لجرائم حرب.

وحق الولايات المتحدة في الاحتفاظ بالسيطرة على الاجواء العراقية حتى ارتفاع 29 الف قدم، ويعني ذلك عمليا ان العراق سيخضع باكمله لمنطقة حظر طيران اوسع.

2- وتمنح الاتفاقية الولايات المتحدة الحصول على تسهيلات مفتوحة في الاراضي والمياه العراقية، وهي تسهيلات قد تستخدم في العدوان على اية دولة عربية او غير عربية مستقبلا اي ان امريكا تضع العراق في بؤرة الصراعات والحروب العالمية المقبلة اضافة الى ذلك عدم التزام الولايات المتحدة بحماية العراق من اي اعتداء خارجي او داخلي ما لم تقتنع بنوعية هذا الاعتداء، ومن هنا فان هذا البند يحتوي تنصلا امريكيا من الواجبات القانونية المقررة في اتفاقية جنيف لدولة الاحتلال تجاه الدولة المحتلة على صعيد واجبات الحماية من التهديدات.

واذا كان الطرفان (العراقي والامريكي) لم يحسما توزيع القوات الامريكية (البالغ عددها 150 الف جندي حاليا) وعدد القواعد التي ستضم هؤلاء الجنود ومساحتها فان القواعد العسكرية الامريكية انتشرت في معظم ارجاء البلاد، وتحولت الى مدن صغيرة حول معسكرات الجيش "العراقي"، واسفرت اعمال البناء الضخمة خلال السنوات الخمس لاحتلال العراق عن انشاء قواعد عسكرية كثيرة تعد بمثابة مدن صغيرة مستقلة ذاتيا من حيث المياه والكهرباء وحتى وسائل الترفيه.

لعلنا نتفق على انه لا يمكن فهم اي حدث في عزلة عن المناخ الذي جرى تحته.

وفي هذه الاجواء المشحونة بالحيرة والارتباك والهواجس الامريكية وعوامل التخبط التي فعلت فعلها داخل الادارة الامريكية فقد كان واردا - ولاسباب كثيرة - ان يتم طرح سيناريو او تصورات لشكل الحوادث المحتملة والتطورات الممكنة. وبرؤية البحث عن مخرج آمن من المستنقع العراقي، وفي الاطار الحاكم للاستراتيجية الامريكية العليا الذي يحفظ للامبراطورية الامريكية شرعية وجودها الفاعل والنافذ والمهيمن في المنطقة.

والنقطة التي تعنيني هنا نقطة واحدة، وهي: هل يظل المواطن العراقي كيانا مقهورا مطحونا غائبا عن الوجود؟. وهل يستسلم لمخطط ينتهي بأن يخرج الوطن من عباءة الاحتلال باستقلال ناقص وهوية ضائعة؟! ام ان المقاومة العراقية - وهي محور المواجهة وبؤرة الصدام المتفجرة في وجه الاحتلال - سوف تمهد الارض لامكانية ثورة شاملة للتحرر ليس في مقدور احد ان يتحسب لاحتمالاتها او يتخيل قدرتها على التغيير خاصة ان الشعب العراقي كعادته اقوى من مؤثرات عارضة في لحظة عابرة من الزمان.


العرب اليوم الاردنية

أضف تعليق