مجازرُ التحرير!!.. حسين الرشيد
ضحكت أمريكا على سذّاج العالم يوم أن ادعت أنها جاءت لتحرير العراقيين من الظلم والهوان والدكتاتورية التي كانت تحكمهم.. وعبرت القارات وزحفت بجيشها المحتل نحو بلاد الرافدين من أجل توفير أجواء الحرية والديمقراطية، فإذا بها توفر جواً مليئاً بإزهاق أرواح أبنائه، وصارت الأرواح في ظل وجودهم أرخص ما يوجد اليوم في العراق، في ظل المجازر الجماعية الرهيبة، التي يرتكبها حمقى جنود الاحتلال!! والتي تكرر وقوعها في مناطق عديدة من مناطق العراق، شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، وصارت تلك الأعمال المشينة عبارة عن مسلسل متكرر الحلقات، يحدث كل أسبوع أو شهر من الأيام العصيبة التي يعيشها العراقيون في ظل الاحتلال..
ولعل آخر تلك المجازر تلك التي حدثت على أيدي المحررين!! ما وقع بقرية تقع بمدينة تكريت بمحافظة صلاح الدين شمال العراق.. وحسب رواية الشرطة العراقية فإن طائرة أمريكية استهدفت منـزلاً تقطنه أسرة المواطن "عفر أحمد زيدان" في مدينة تكريت وسوته بالأرض فقتلت ستة وأصابت أربعة بمن فيهم رب الأسرة وزوجته وأولاده الذين تتراوح أعمارهم بين أربع وأحد عشر سنة.. وكذلك إصابت أربعة آخرين بينهم ثلاثة نساء.. وقد وقعت الحادثة -كما قال شهود عيان من أهالي القرية- بعد أن قام رب الأسرة بإطلاق طلقة تحذيرية عندما سمع أصواتاً خارج منـزله.. لتقوم قوات الاحتلال بعدها بإطلاق النار على المنـزل وتدميره وقتل واصابة من فيه.. لتكون مجزرة جديدة تضاف في سجل المجازر التي ارتكبتها قوات التحرير!!
إن النوايا الخبيثة لقوات الاحتلال جعلتها تتذرع بحجج واهية لتبرير مثل هذه الجرائم الكبيرة؛ حيث ادعت أن الغارة استهدفت عضواً بتنظيم القاعدة وأدت إلى مقتله!! وزعم بيان صادر عن الاحتلال: أن القوة المهاجمة تعرضت إلى إطلاق النار أول الأمر من سلاح خفيف، وقامت بالرد دفاعاً عن نفسها بعد أن شاهدت رجلاً مسلحاً بجوار المنـزل.
وإمعاناً في الزيف قال البيان: إن القوة المهاجمة قامت باستدعاء دعم جوي بعد أن تعرضت إلى إطلاق النار.. مما أسفر عن فتح النار على المنـزل وتدميره.. وأضاف البيان: إن القوة المهاجمة قامت بعد العملية بمعاينة المكان ولم تعثر إلا على إرهابي مسلح قتيل، ولم تعثر على أية ضحايا آخرين.. وإن أحد المنازل المجاورة تعرض إلى أضرار بسبب الحادثة مما أدى إلى إصابة أربع نساء إصابات خفيفة!!
إنني أتعجب من هذه الجرأة، وهذا الانحطاط الأخلاقي، والكذب الذي وصل إليه جنود الاحتلال، الذين قُتل بفضل وجودهم غير الشرعي ما يزيد على المليون وربع المليون عراقي بريء بدعوى التحرير!!
وإن ما يحدث في بلاد الرافدين من مجازر على أيدي الأمريكيين يعد حلقة في سلسلة متواصلة ارتكبوا فيها جرائمهم المروعة بحق الشعوب الآمنة على مر العصور والدهور.. وإن ينسى العالم فلن ينسى مجازر "هيروشيما ونكازاكي"!! وكذلك مجازر الأمريكيين بحق الكوريين، عندما قتلوا مئات اللاجئين في مجزرة (NO GUN RI) سنة 1950 والتي تم التستر عليها، ولم يعلن عنها إلا في عام 1999م. ومجازرها بحق الفيتناميين وأشهرها مجزرة (MY LAI) عام 1968م، وذهب ضحيتها 500 مدني، وكانت السبب في تحويل مسار الرأي العام ضد الحرب.
إن الجرائم والمجازر التي ارتكبها الاحتلال في أنحاء متفرقة من مناطق العراق، من الفلوجة والنجف وبهرز وديالى والرمادي وحديثة وتكريت وغيرها.. تستوجب على كل الخيرين من أصحاب الأقلام أن يوثقوها لتقديمها يوم المحاكمة القريب؛ للاقتصاص من هؤلاء المجرمين، الذين استرخصوا دماء الشعب المسكين، الذي لا حول له ولا قوة في بلد تكالبت عليه الدنيا بأجمعها، لقتل أبنائه، ونهب خيراته، ومحو حضارته وتراثه!!
وفي الوقت الذي تعتزم فيه أمريكا توقيع اتفاقيتها الانتدابية طويلة المدى مع الحكومة الحالية فإن مثل هذه الحوادث المؤلمة ينبغي أن تكون سبباً في صحوة الضمير عند السياسيين الذين باعوا البلاد للغزاة مقابل الكراسي والأموال!! وإلا فستعكس مدى العار والشنار الذي يلتصق بأولئك المعاندين الذين لم يهتز لهم كيان، ولم يتفطر لهم قلب في ظل ما يتعرض له العراقيون من مآسي ومظالم كل يوم يمر عليهم في ظل الاحتلال.
إنَّ مما نؤكد عليه كل مرة في مناسبات مختلفة أنَّ ما يحدثُ يومياً في العراق يؤكد لكل عاقل من عقلاء الكون بأنَّ الحرب في العراق لن تكون من صالح أمريكا، وأنَّ النصر الذي ينشدون لن يتحقق ما دام هناك منافحين ومدافعين، لن يرتضوا أن تدنس أرضهم، أو تنهب خيراتهم، أو تخرب مؤسساتهم، أو تنتهك أعراضهم، أو أن يقتل أبناؤهم وشبابهم.. حتى أصبح من لوازم العقل الصحيح الإدراك جيداً بأنَّ الخاسر في هذه الحرب المشتعلة هما الشعبان الأمريكي والعراقي على حد سواء.. ومن يقول بخلاف ذلك – من ساسة أمريكا– فإنه يلهث وراء سراب، لم ولا ولن يتحقق في أرض بلاد الرافدين.
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها
مجازرُ التحرير!!.. حسين الرشيد
