في تزامن مدهش، نشرت مواقع أمريكية مقالًا للمبعوث الأمريكي الخاص للسودان أندروناتسيوس، يدعو فيه إلى تطوير الجيش الشعبي \"الجنوبي\" لكبح جماح الشمال السوداني.
وفي الأسبوع ذاته أذاعت وكالات الأنباء خبرًا عن إجازة برلمان الجنوب لقرار يقضي بتحويل الجيش الشعبي من مليشيا إلى جيش احترافي، وإنشاء قوة جوية مقاتلة، لها قدرات قتالية عالية.. وهو الأمر نفسه الذي دعا له المبعوث الأمريكي الأسبق أندروناتسيوس، فهل لهذا القرار المسنود أمريكيًّا صلةٌ بمستقبل الإسلاميين في السلطة؟
إن الإجابة عن هذا السؤال قد تكون - للوهلة الأولى - أن القضية لا تتجاوز في مجملها عمليات إعادة البناء اللازمة لما بعد انتهاء الحرب الأهلية بين الشمال والجنوب، ولكن مقال (مقترحات) ناتسيوس يشرح بصورة تفصيلية ودقيقة أن هذه الخطوة التي أقدمت عليها حكومة الجنوب إضافة لخطوات أخرى قادمة تُشَكِّل رؤية أمريكية متكاملة لمستقبل نظام الحكم في السودان ودور الإسلاميين فيه.
وتنطلق رؤية المبعوث الأمريكي السابق من بعض المسلمات، وهي:
- أن كل المحاولات السابقة التي بذلتها أمريكا لإسقاط حكومة الإسلاميين في السودان بالقوة - عبر جيرانه والمعارضة المسلحة - قد باءت بالفشل، وأن أية محاولة أخرى ستنتهي بانهيار السودان وتفككه، وانهيار جميع دول الجوار السوداني التسع وتفككها، ودخول المنطقة في حالة من الفوضى تفوق ما يحدث الآن في أفغانستان والعراق.
- كما لن تفلح أية ضغوط أخرى بعد أن أصبح السودان يتكئ على اقتصاد نفطي نامٍ، تأسست عليه معادلات سياسية واقتصادية توفر حماية كافية للسودان إذ ان أي عدوان على السودان يعني بالضرورة توقف تدفق النفط السوداني على ماليزيا والصين، وهو ما سيدفع الدولتين الصناعيتين إلى التوجه إلى نفط الخليج، الامر الذي يزيد أسعار النفط المرتفعة ارتفاعًا بنسبة تقدر بـ 40% من سعره الحالي، وهو أمر لا يطيقه الاقتصاد الأمريكي الآن.
- أن المؤتمر الوطني (حزب الإسلاميين الحاكم في السودان) الذي يحكم الخرطوم الآن، يستند على بنية تحتية ضخمة ومعقدة لا تقف عند حد، وقياسًا على التجارب الأخيرة في البلقان والكنغو وهاييتي، فإن النظام السوداني لن يذهب بهدوء إذا انغلقت أمامه السبل، وإذا أُطيح به فسيعيد تشكيل نفسه تحت الأرض، وسيجعل البلد غير قابلة للحكم.
- أن حزب المؤتمر الوطني - بعد دراسةٍ متأنية - يصبح كاسرًا حين يشعر بالخطر، سواء جاء الخطر من الداخل السوداني أو الخارج إضافة إلى أنه يتجه نحو إنشاء علاقاته مع إيران وشافيز (أعداء أمريكا).
ويقترح نتاسيوس استراتيجية للتعامل مع الإسلاميين ونظامهم في السودان بناءً على أمرين:
الأمر الأول: رغبة السودان في تطبيع علاقاته مع الولايات المتحدة، ورفع اسمه من قائمة الدول الراعية للإرهاب في العالم، وإلغاء العقوبات الأمريكية الاقتصادية التي فُرِضَت على السودان في عهد الرئيس كلينتون في العام 1997م، وهي عقوبات ألحقت خسائر جمة بالعمل المصرفي والمالي في السودان.
الأمر الثاني: شعور الخوف الذي يداخل قلوب قادة المؤتمر الوطني خشية تغير الموقف الأمريكي الراهن من السودان إلى الأسوأ في عهد الرئيس الأمريكي الجديد، وهو ما يجعلهم يسابقون الزمن لإنجاز كل قضاياهم ذات الصلة بأمريكا قبل نهاية عهد الرئيس بوش.
مسارات الرؤية الأمريكية
تقوم الرؤية المقترحة على مسارين مختلفين الأول: عبر القوى السياسية الشمالية، والثاني: عبر حكومة الجنوب. ولكلٍّ وسائل عمله الخاصة في هذه الاستراتيجية.
المسار الأول: القوى السياسية الشمالية:
وتركز الرؤية على مساعدة هذه القوى على تطوير قدراتها السياسية والحركية والتنظيمية، ثم الضغط عليها لتوحيد صفها، استعدادًا لما قد يسفر عنه استفتاء تقرير مصير جنوب السودان، واحتمال انفصال جنوب السودان في 2011م، وهو احتمالٌ راجح عند الأمريكيين.
وهذه الرؤية تستند الى دراساتٍ سابقة لصامويل هنتنغتون صاحب "صراع الحضارات" عن إسقاط الأنظمة عبر "انتفاضة انتخابية" من خلال توحيد المعارضة خلف زعيمٍ شعبي صاحب كاريزما، يُنَازِلُ النظام القائم، ويقضي عليه في انتخابات تحت "إشراف دولي".
ويرى ناتسيوس أن الحركة الشعبية التي تحكم الجنوب الآن سلكت مبكرًا هذا المسلك، فقد عملت على توحيد حركات دارفور المتمردة (27 فصيلًا)، ليس من أجل تسهيل عملية سلام دارفور التي أصابها الشلل جرّاء تَقَاتُلِ الفصائل، ولكن من أجل خلق تحالف عسكري بين كل المجموعات "المهمشة" التي تعارض المؤتمر الوطني.
المسار الثاني: حكومة الجنوب:
وتقوم الرؤية الجديدة القديمة - وهي رؤيةٌ تَحْظَى بدعم الرئيس الأمريكي بوش الابن، وتأييد وزيرة الخارجية الأمريكية كونداليزا رايس - على زيادة دعم واشنطن لحكومة الجنوب وتطوير جيشها الشعبي "جيش التمرد السابق"، وتأييده بتدريبات تكتيكية متقدمة، مزودةٍ بدفاعات جوية حتى يصبح قوة عسكرية ذات وزن، ولها قدرات ردع عالية، تُمَكِّنُها من رَدْعِ الخرطوم حال خروجها عن السيطرة، وفي الوقت نفسه تكون عاملًا مساعدًا في الضغط على المؤتمر الوطني من أجل إحداث "إصلاحات" اي تنازلات.
ومن الواضح أن هذه الاستراتيجية بدأ العمل بها منذ وقت مبكر، ما يوضحه إقرار برلمان جنوب السودان يوم الثلاثاء 24 حزيران/ يونيو الجاري إنشاء قوة جوية جنوبية، تساندها وحدات تتألف من قوة أرضية إضافة إلى سرب من طائرات النقل.
وهناك شق آخر في هذه الاستراتيجية سكت عنه المبعوث الأمريكي، وهو الذي يتمثل في إبعاد القيادات ذات الجذور الإسلامية النافذة في الحزب الحاكم عبر اتهامهم بارتكاب جرائم حرب في دارفور، والمطالبة بتسليمهم إلى المحكمة الجنائية الدولية.
ويرى الخبير الاستراتيجي حسن مكي أن هذا الإجراء وإجراءات أخرى شبيهة قد تنتهي بصياغة المؤتمر الوطني صياغة جديدة، ليس للإسلاميين فيها سلطة ولا قيادة، بينما يرى الدكتور قطبي المهدي - استنادًا إلى تصريحات سابقة لمسؤولين أمريكيين - أن الحكومة الأمريكية تسعى إلى إبقاء وجود المؤتمر الوطني في الحكومة السودانية، ولكن بنسبة مشاركةٍ لا تؤهله للسيطرة على الحكومة كما كان، وفي ذات الوقت لا تسمح له بلعب دور المعارضة!.
وفي يوم الـ 30 من حزيران/ يونيو 2008م يحتفل المؤتمر الوطني - حزب الحركة الإسلامية السودانية - بمرور 19 عامًا على وصوله للسلطة، مع الوعد بالانتصار في الانتخابات القادمة.. ولكن آخرين يُحَدِّقُون في وجهه، ويرسمون الخطط، ويضعون الاستراتيجيات لوأده وإبعاده عن دائرة التأثير.
فأي الوعيدين حقٌّ؟ وأيهما مفترى؟
الاسلام اليوم
مستقبل الإسلاميين في السودان.. رؤية أمريكية.. وليد الطيب
