الأستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق
يتحدث عن مسيرته العلمية والدعوية.. ومجريات ما يحدث في العراق الجريح
- هيئة علماء المسلمين في قلوب المسلمين، ونحن حقيقة نؤازر خطاها على القرب والبعد،
- نحن نشّد على أيدي علماء الهيئة في هدفها الرامي إلى وحدة العراق، ونؤازرهم بكل ما نملك.
- أوصي العراقيين بتقوية صلتهم بالله عز وجل وتقوية صلتهم بإخوانهم في داخل العراق وخارجه، وأن يثقوا بأن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه معهم قلباً وقالباً.
- نسأل الله تعالى أن يقوّي من أزركم، وأن يوافيكم بجند من عنده، وأن يكون معكم ومعنا.
في جلسة مباركة جمعتنا بفضيلة الأستاذ الدكتور محمد الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية المصري الأسبق تحدث فيها عما يدور بخلده من خواطر تتعلق بالأمة العربية والإسلامية، وما يلحقها من جراحات والآم نتيجة الظلم والأذى الذي يلحق بها جراء تصرفات أعداءها الذين نصبوا لها العداء والحقد.. بالإضافة إلى ما يتعلق بموضوع "العراق الجريح" وما يجب على العراقيين عموماً وعلماء الدين خصوصاً فعله تجاه ما يحل بالبلد من ويلات وخراب ودمار.
وقد افتتح حديثه المطول عن تصرفات أمريكا، ومفهوم القوة وما يتعلق بها من حيثيات أخرى، فقال: إنَّ أمريكا تتنطع ولا تخاف من أحد، مثل اسرائيل بالضبط، ويخطئ كل من يتصور أنّ العدو الذي اغتصب أو انتهك أو احتل أو أجرم أو أخذ الحق أن هؤلاء الناس عندما نقيم الدليل على حقنا وباطلهم فيقتنعوا بذلك أو أن يعتذروا مثلاً.. ولذا فالقوة هي التي تمثل الرادع الحقيقي لهم.. وبالتالي فالمقاومة التي يتمثل دورها الحقيقي في هذا الصراع تعدّ أمراً مشروعاً حتى في قياسهم، ولكنها اليوم عندنا من الممنوع.. فمشكلة العالم الإسلامي هي "القوة" وتأتي في مقدمتها القوة الاقتصادية وبعدها القوة السياسية، ومن غير توفر هذين القوتين، فلن يستمع لنا أحد..
ثم تحدث عن موضوع وحدة المسلمين، وانتساب المؤمن الحقيقي لهذا الدين العظيم، وضرورة أن يكون المؤمن مؤمناً حقيقياً، فقال: الوحدة أساس النصر الذي ينشده المسلمون، منتقداً في الوقت ذاته من عدم تحقيق الوحدة في بلداننا العربية كلبنان والعراق وفلسطين، مع أننا كلنا مسلمين، وهو يدل في الوقت ذاته على تغلغل الأعداء في وسط كيانات المسلمين.. وقال: إنّ العدو الآن يقتلنا بأموالنا، وعوائد نفطنا التي يسرقه من بلداننا العربية والإسلامية!!
وإنَّ ميزة المؤمن تكمن في انتسابه لهذا الدين العظيم، شريطة أن يكون الانتساب مقروناً بالعمل، مصداقاً لقوله تعالى: ((كنتم خير أمةٍ أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر)) فهذه حقيقة المؤمن، وإلا فما الفرق بين المؤمن وبين الكافر عندئذٍ، والكافر متفوق علينا مادياً واقتصادياً وعلمياً!!
وبعد هذه المقدمة التي لمسنا من خلالها الهموم التي يحملها هذا الرجل الوقور تجاه الأمة الإسلامية، والأذى الذي يلحقها استأذناه بأن يحدثنا عن بدايته العلمية، فقال:
- نشأت في أسرة علمية، وكان والدي "رحمه الله" فضيلة العلامة الشيخ محمد ملكي أبو النور تخرج من الأزهر، وحصل على " العالِمية" عام 1923م، وكان هذا قبل إنشاء الكليات، فكان في الدراسات الجامعية تسمى القسم العالي بعد الابتدائي والثانوي، وهذا القسم العالي كان يدرس المواد التي أصبحنا ندرسها في كليات الشريعة واللغة العربية وأصول الدين والدعوة، فكان العالم الذي يتخرج في ذلك الوقت أنا أسميه "العالم الموسوعي" الذي له تضلع ولا أقول مشاركة في سائر العلوم الدينية والعربية والتاريخية وما يتصل بها من علوم، فمن يتخرج في تلك الفترة يكون متمكناً في النحو والصرف والبلاغة والأدب واللغة العربية بسائر فروعها، مع تمكنه في الفقه وأصوله وتاريخ التشريع وتفسير القرآن وعلومه والمصنفات الحديثية المختلفة، وأيضاً يكون على بصرٍ بفن الدعوة وفن مخاطبة الجماهير، فأنى شئت أن تأخذ منه وجدت.. وكان والدي "رحمه الله" يحدثني عن شيخ المعهد الذي تخرج فيه في المرحلة الثانوية، وكان في طنطا، وكان فيها الأقسام العلمية المختلفة لأنّ القسم العالي كان في القاهرة وطنطا والإسكندرية، وكان شيخ المعهد في ذلك الوقت فضيلة الأستاذ الأكبر العلامة الشيخ محمد الأحمدي، وكانت الحلقات العلمية في مسجد الأحمدي، وهو مسجد السيد أحمد البدوي بطنطا، وكل أستاذ له عامود وكرسي وطلبة يتحلّقون حوله، ويتلقون العلم..
فكان شيخ المعهد يمر يومياً، فإذا وجد حلقة علمية غير مكتملة بالأستاذ جلس على كرسي الأستاذ ثم سألهم -كما أخبرني والدي- ما الذي كان يدرسكم الأستاذ؟
فيخبروه بالفن الذي كانوا يدرسونه، ويسألهم: ما هو الموضوع الذي وقفتم عنده؟ ثم يأخذ فوراً في تدريس الدرس الجديد كما لو كان سبق له إعداده وتحضيره.. وإذا ما انتهى من هذه الحلقة ذهب إلى غيرها، وهكذا
فمن شدة إعجاب الوالد بالرجل سماني على هذا المسمى، وفي البيت الذي كان الوالد يقوم فيه بتأسيس قسم الوعظ والإرشاد في مصر مع عشرة من العلماء بعد أن تخرج عام 1923م وأسس القسم عام 1928م وبدأ القسم عمله بهؤلاء العشرة، وكان الوالد واحداً منهم، وتم اختيارهم بعد أن خضعوا لاختبارات ومنافسات، وكان تعيين والدي في محافظة كفر الشيخ -من محافظات وسط الدلتا- وكان عليه أن يمر بـ 500 موقع دعوي، يشمل المواقع التي في المدينة أو القرية أو العزبة أو الكفر.
أما أنا فقد دخلت المدرسة الأولية بعدما شببت، وقد تعهدني بالتربية والتعليم، ومن ثم جئنا إلى القاهرة عام 1938م فأخذت أكمل حفظ القرآن الكريم وما كان يشترطه الأزهر من تعلم لبعض العلوم والمواد، كالخط والحساب والإملاء ومحفوظات وغيرها من الأمور الأساسية التي يكون الإنسان بها أهلاً لأن يكون في السنة الأولى الابتدائية في الأزهر، وقد أخذنا أيضاً مبادئ النحو والرياضة والحساب والخط والإملاء.. والشيوخ الذين كانوا يحفظوننا القرآن في "الجمعية العامة لتحفيظ القرآن الكريم بالقاهرة"القريبة من قلعة محمد علي باشا، وكانت الصورة فيها قصة، وكانوا يحدثوننا عن تلك القصة ونحن في هذه السنّ، بعد هذا فرض عليّ والدي "رحمه الله" بعد أن تخرجت وأكملت حفظ القرآن الكريم فرض أن ألتحق بمدرسة بجوار تلك الجمعية، وتسمى "مدرسة التجويد والقراءات" وهذه المدرسة كانت نواة لمعاهد القراءات التي أشرف عليها الأزهر فيما بعد، وكان رئيس المدرسة أو ناظرها هو "الشيخ عامر السيد عثمان" الذي أصبح فيما بعد شيخ المقارىء المصرية، وصاحب دور كبير فيما يتعلق بمصحف المدينة المنورة الذي يتبناه مجمع الملك فهد بن عبد العزيز.. وكانت الدراسة في هذه المدرسة عبارة عن سنة وثلاث سنين.. سنة للتجويد بقراءة حفص، وثلاث سنوات لقراءة السبع والعشر والرسم العثماني، وكلها يتعلق بالقراءات، لكني بعد أن أنهيت السنة الأولى، وكنت قد قرأت وتلوت القرآن على يد الشيخ محمد سليمان الذي كان مدرساً للتجويد والتلاوة في ذلك الوقت في المدرسة.
وكان النظام أن أقرأ عليه يومياً ربعين، ثم يختبرني في جزئين من الحفظ، حتى أتممت المصحف كله في خلال هذه السنة، وحفظت ما يقرب من نصف أبيات الشاطبية في القراءات، وحفظت كذلك "تحفة الأطفال"، و "متن الجزرية" وشرحها، وقد استوعبت كل هذا في هذه السنة، وكان أساساً للقراءة بعدئذٍ؛ لأن الوالد كان يفتش أحياناً على الأئمة والوعاظ في المساجد، فكان يسوؤه أن لا يكون الإمام الذي يقرأ القران على الناس في الصلاة تالياً له بالتلاوة الشرعية، وكان قد سبق لوالدي قد تلقى هذا الفن، فكان يحب أن أكون متمثلاً له وكنت أتمنى فعلاً أو أواصل في تلك القراءات وأدخل الأزهر بعدئذٍ، ولكن لم تكن الصورة قد اتضحت أمامي..
وكنت قد تيقنت انه مهما تأخرت فإنّ هذا هو الأنفع حتى ازداد في المهارة فيما يتعلق من تفسير القران وعلومه.. وبعد هذا انتظمت في الأزهر في معهد القاهرة الثانوي، حيث كان عمل الوالد في القاهرة في ذلك الوقت، وحصلت على الابتدائية ثم على الثانوية، ثم أخذت طريقي إلى كلية أصول الدين، ومكثت فيها أربع سنوات، ثم تخرجت فيها عام 1956م.. وكان والدي يحب أن أدخل كلية الشريعة لميلهِ إلى وجوب المهارة في الفقه والأحكام الشرعية، لكنني أقنعته بأنّ الدراسة في كلية الشريعة يقتصر في التفسير والحديث على آيات وأحاديث الأحكام، أما كلية أصول الدين فتُعنى بتفسير القرآن كله، وتُعنى بالحديث كله، وبالتالي فأنّ مسألة الأحكام ممكن للإنسان أن يستدركها في الأجازات الصيفية أو ما شابه ذلك، فاقتنع وتركني، والحمد لله تخرجت في الكلية بترتيب "أول" سنة 1956م.. وكنت أرغب أن أنتظم فوراً في الدراسات العليا، لكن بعض أساتذتي التقى بفضيلة الوالد، وسأله عني فقال له الوالد: هو يفكر في الدراسات العليا، فأخبر الشيخ الوالدَ بأن آتيه، فنصحني الشيخ بأن أتوظف وأدرّس في المعاهد، ثم افكر في إكمال الدراسات العليا.. فأقنعني، وبعد ذلك قمتُ بالتدريس في المعاهد الدينية ما بين سوهاج والمنوف، ثم استقر الأمر بعدئذ في الدراسات العليا ودخلت أول ما دخلت شعبة الحديث والتفسير، ولم أوفق بالمواصلة فيها لأسباب عائلية، فدخلت قسم العقيدة والفلسفة، فأخذت فيها دبلوم دراسات عليا في العقيدة والفلسفة، لكن بعد هذا شاء الله أن أعود مرة أخرى إلى قسم الحديث؛ لأنه كان المجال قد فُتح لأبحاث علمية لخريجي الكلية فقدمت بحثاً في الحياة الزوجية في ظل الكتاب والسنة، فنال استحساناً وعنيت بهذا البحث معيداً في أول دفعة للمعيدين في الكلية عام 1963م،
وكان شيخ الأزهر يومها الدكتور عبد الحليم محمود، وكان من أساتذتي في كلية أصول الدين وهو على دراية بمستوياتنا، فرغبني في أن أعود إلى الفلسفة، فاعتذرت، ثم قلت في نفسي: لقد ناداني النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسوغ أن أعود إلى أفلاطون وسقراط مرة أخرى، وإنما آخذ طريقي إلى تعلّم الحديث النبوي وعلومه.. ومع ذلك فالإنسان يمر بتجارب قد لا يكون وقتها من بعد النظر بحيث يملك قوة الموازنة..
والحمد لله أخذت الماجستير في الحديث، ثم أخذت بعد ذلك الدكتوراه بـ "امتياز" مع "مرتبة الشرف الأولى" عام 1970م، فعيُنت مدرساً في كلية أصول الدين بالقاهرة، لكن رغبت كلية البنات الإسلامية في ذلك الوقت أن أنتقل للتدريس فيها،
فطلبت الانتقال إليها واسست فيها قسم التفسير والحديث، وكان هذا القسم ضعيفاً في بدايته، ولكن تطور فيما بعد واخذ المرتبة الأولى بين الأقسام العلمية في الكلية، من حيث الطالبات والمتخرجات والمستوى العلمي والجودة في الأداء، وخرّجت مجموعة كبيرة من الطالبات، سواء في مصر أو في البلاد العربية.. ومن تلميذاتي في هذا المجال من هي أكبر من عميدة كلية، وواحدة منهنّ عميدة كلية الآن،
والثانية وكيلة كلية، وهناك عميدة أخرى أيضاً تابعة لجامعة الأزهر في كلية أخرى في القليوبية.. يعني أريد أن أقول: لقد أثمر قسم الحديث الذي أسسته، وبعد فترة وجيزة من التأسيس كلفت برئاسة قسم التفسير والحديث، ثم وكيل الكلية، ثم عميداً لها، ثم في سنة 1984م كلفت بوزارة الأوقاف والشؤون الإسلامية في الحكومة،
وغيرت الوزارات في عام 1985م ولكنني بقيت في الوزارة إلى أن أعفيت من المهمة في نوفمبر من عام 1986م.. وبعد هذا أخذت طريقي إلى الكلية مرة أخرى، وكنت قبل الوزارة قد ذهبت للتدريس في السودان والكويت.. ثم عدت إلى المملكة العربية السعودية بعد تركي للوزارة ثم إلى الكويت من عام 1995- 2000م، ثم إلى الأردن في جامعة اليرموك، وهي آخر رحلة وكانت من سنة 2000 إلى نهاية 2005م.
* طيب دكتور أثناء توليكم للوزارة.. كيف كانت تسير حياتك العلمية، بمعنى: هل كنت تجمع بين الوزارة وطلب العلم ومواكبة التدريس؟
- نعم، عندما فاتحني "الفريق كمال حسن علي" بموضوع الوزارة، وقال لي: عندنا علم بأنك معار للتدريس في الكويت، فقلت له: نعم، فقال: ما رأيك باستلام وزارة الأوقاف؟ فقلت له: إذا سافرت إلى الكويت فإنني سأؤدي رسالة عن مصر، وإذا بقيت واستلمت الوزارة أؤدي رسالة عن مصر أيضاً.. فقال: نحن بحاجتك هنا في مصر الآن، فوافقتُ على استلام الوزارة بكل سرور وشرف، فاعتذرت لجامعة الكويت، وبقيت في مصر.. لكنني حقيقة كنت وقتها أحب أن يبقى الجانب العلمي موصول معي، وكنت أخبرت بذلك رئيس الوزراء، فشجعني على الجمع بين التعليم والوزارة، ورغبت كلية البنات الإسلامية في أن أحاضر فيها حتى لو محاضرة واحدة في الأسبوع.. وبالتالي استجبت لهم، وكنت أذهب للتدريس هناك، وقلت لهم فيما قلته آنذاك: إنّ الوزارة غير دائمة، أما التدريس فهو الأمر الدائم،
وهي الوظيفة التي نعتز بها، وحتى لا يكون جو من الغربة إذا انفصلت عن الوزارة.. فأحببت أن أكون مع أبنائي وبناتي، سواء في هذه الكلية أو في غيرها.. وبقيت إلى أن عدت إلى الكلية بعد الوزارة بطريقةٍ توحي بأنني غير غريب عنهم؛ لأنني كنتُ متواصلاً معهم.
* طيب دكتور أنت ممن اهتم بموضوع التأليف والتحقيق.. نريد أن نركز على الجهود التي قدمتها للأمة من خلال هذين الأمرين.. والسؤال هنا: متى وكيف كانت بداية هذا المشوار العلمي؟
- ابتدأت في التأليف والتحقيق تقريباً منذ عام 1968م أو قبله بقليل، ومنذ بدأت بمهمة التدريس، يعني قبل التدريس وتحضير الدكتوراه حققت كتاب "الديباج المذهب في علماء المذهب" لابن فرحون المالكي، وحققت أيضاً كتاب آخر هو "درة الجمال في أسماء الرجال" لابن القاضي، وهو يعتبر ذيلاً لـ"وفيات الأعيان" لابن حبان، وحققت جزءً من كتاب آخر "معالم الأعيان في معرفة علماء القيروان" ونشر في تونس، وقمت بالتأليف بعد الحصول على الدكتوراه وتعييني مدرساً، وقد شاركت في تحقيق كتاب "شرح السنة للبغوي" مع أستاذنا العلامة السيد أحمد صقر، وحققت كتاب "جامع العلوم والحكم" لابن رجب الحنبلي، في حوالي ألفي صحيفة في ثلاثة أجزاء، وهذا الكتاب بتحقيقي أفدت من قراءتي للتحقيقات السابقة للكتاب، وعملت في هذا الكتاب عملاً يهتم بتصحيح وتصويب الأخطاء في الطبعات السابقة، والنقد العلمي لبعض التحقيقات، وانتهاج منهج لم يسبق فيما يتعلق بتحقيق الكتب..
وألفت كذلك كتاباً في تفسير "سورة الإسراء" وألفتُ في "علم الحديث" مؤلفات متعددة، منها: السنة في الأخلاق والعقيدة والسلوك، والجهاد والمرأة في السنة النبوية، وألفتُ أيضاً في "علوم الحديث"، وعندي كتاب في هذا الجانب اسمه "شذرات في علوم السنة" ويقع في جزئين.. وقمتُ بعدئذٍ بأبحاث مختلفة في المؤتمرات العلمية، وقمت بالإشراف على تأليف وتجميع وتخريج أبحاث مختلفة في بعض الندوات العلمية.. واستطيع القول: أنّ الحقبة الماضية مضت في هذا الجانب، ومضت أيضاً في جانب آخر وهو "الإعلام الديني" ضمن البرامج التي كنت أستضاف فيها، أو استقّل بتقديمها، ولي برنامج اسمه "موسوعة السنة النبوية الشريفة" استضفت فيه طائفة كبيرة من العلماء المتخصصين في فنون علمية مختلفة، وقمتُ بعرض السنة بنهج جديد، إذ قسمت السنة النبوية إلى كتب "الإيمان" و"الصلاة" و"الصوم" و"الحج" و"العلاقات الاجتماعية" و"العلاقات الاقتصادية" و"الميراث" و"الحرب والسلم" وكنت أستضيف المتخصصين في هذه الأمور،
وأيضاً باب "الطب النبوي" وكنت أستضيف فيه الأطباء المتخصصين ورؤساء الأقسام العلمية أو أساتذتها.. كل في تخصصه، وهي ما يقرب من ألفي حلقة من حلقات السنة النبوية، وغيرها أيضاً من الأحاديث الإعلامية الأخرى.. والآن أقوم ببعض النشاط الإعلامي في بعض القنوات الفضائية الجديدة، كقناة "الحكمة" و"الرحمة" و"الناس" و"البدر".. ولي برنامجان في قناتي "الرحمة و"الناس" يعرضان يوم الأحد من كل أسبوع.. وعنوان برنامجي في "قناة الرحمة" ((حقائق وشبهات)) وفكرته أن أورد شبهةً ونردّ عليها، أما "قناة الناس" فقد طلبت إدارتها أن يكون البرنامج ناقداً أو متعرضاً لما يقال عن الحياة الاجتماعية والعائلية، وتوضح ما يتعلق بهذه الجوانب في البرنامج، وهو يحمل اسم "إشراقات" وهناك برامج أخرى قد نقوم بها في "قناة الفجر" أيضاً.
* فضيلة الدكتور، إذا سمحت لنا ننتقل إلى موضوع العراق -لأننا حقيقة لا نريد أن نثقل عليك- وأسألك هنا عما يعني لك العراق من حيث الحضارةُ والتاريخ؟
خاصة وإنني أعلم أنك زرت العراق مراراً، وحضرت العديد من الندوات والمؤتمرات، وتجولت في مناطق من بلاد الرافدين؟
- العراقُ يعني لي من حيث الحضارة والتاريخ هو أنه جوهر العمل الإسلامي عبر التاريخ، والعراق يمثل أحد الأجنحة التي تعتمد عليها الأمة الإسلامية في صعودها وتقدمها، لا ينسى العالم أن العراق كان موئلاً للخلافة الإسلامية، ومعنى أن العراق موئل الخلافة الإسلامية يسهّل لنا الجواب عن تساؤل: لماذا يكون العراق مستهدفاً من أعداء الإسلام؟ والجواب: لأنّ العراق موئل الإسلام، كدمشق ومصر والأندلس، يعني أيُّ موئل للإسلام يرتفع فيه لواء الدين نعتبره أحد الأجنحة العالم الإسلامي التي لا تستطيع النهوض إلا بها، وإذا كان هناك جناح مريض في موقعٍ أو في بلدٍ لا يستطيع النهوض والطيران..
وقد قلتُ مرة وأنا في العراق عندما شاع خبر عن ابتكار العراق سلاحاً يمكن أن يدمّر نصف إسرائيل، قلت: إنّ هذا السلاح يمثّل قوة، ليس للعراق فحسب، وإنما يمثل قوة للعالم الإسلامي؛ لأنّ القوة في بلد إسلامي هو قوة للعالم الإسلامي أجمع!! وبالتالي نحن نحب الدولة القوية، وكذلك نحب الجيش القوي، لا للاعتداء على الآخرين كما يعمل الآخرون، وإنما للحفاظ على أمن الدولة وأمن الشعب، وإرهاب الآخر أن يفكر في حربها، وهذا هو المقصود من كلمة "الإرهاب" في القرآن.. فالإرهاب في الإسلام ليس عدواناً على الناس، وإنما هو إخافة وإرعاب بالقوة التي عند المسلمين حتى لا يفكر الآخر في غزوهم أو في الاعتداء عليهم، وبالتالي إذا كنا من القوة بحيث نرهب العدو أو نخيفه فهذا ركيزة أمن للعالم.. لماذا؟ لأن العالم يسعى إما إلى العدوان ولا بد أن يواجه بما يوقفه، ولا تستطيع أن توقف عدواناً إلا إذا كنت قوياً، لكن أيضاً العالمُ يتعشّق إلى الأمن والأمان والسلام، أليس كذلك؟ ويتعّشق إلى أمر اسمه "بناء الحضارة" ويتعشق إلى أمر اسمه "وضع الأيدي بالأيدي تعاوناً على البر والتقوى".. لا يمكن أن يتم هذا بالضعف، يعني عندما تكون هناك دولة ضعيفة في بلاد المسلمين ماذا يعني الضعف؟ هو أصفار على يسار الرقم الصحيح!! إذن نحن في حاجة إلى القوة..
والقوة عندما تكون لدى المسلمين تكون عصاماً من أي عدوان من المسلمين على الأرض، لماذا؟ لو قارنا بين المسلمين والآخر نجد أن المسلمين عندما يكونوا أقوياء لا يعتدون على غيرهم، فإذا ما شذ منهم أحد أوقفوه عند حده، لكن: لماذا لا يعتدي المسلم على غيره؟ لأنّ ربنا عز وجل يحرّم ذلك ((ولا تعتدوا)) والمنهج الإسلامي يقول ((وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنّ الله لا يحب المعتدين)) إذن نحن المسلمين ينبغي أن لا يخشى العالم منا شيئاً، خصوصاً أنّ العالم قوي، فهو لماذا يُخاف منا؟! يعني لماذا يخاف العالم من العراق عندما يطمح أن يكون لدية قوة نووية مثلاً؟ والذي أريد أن أقوله: أن العرب أحوج ما يكونون الآن فهو غداً قوي، وإذا كانت الدول العربية والإسلامية ضعيفة الآن فهي غداً قوية، وإذا كان الغرب قوياً الآن فهو غداً ضعيف، وهذا يجري مع قانون الحياة والحضارات، والعالم اليوم عندما أصبح قوياً دعا إلى صراع الحضارات،
نحن عندما كنا أقوياء لم ندعُ إلى صراع الحضارات، وتركنا كل إنسان يعمل ويرتقي ويسهم في تقدم العالم، وفتحنا بلادنا لكل تقدم علمي وتفاعلنا مع هذا التقدم وتبادلنا مع الغير، لا نستعلي على الغير، ولا نقبل من الغير أن يستعلي علينا، لا نحتل أرض الغير، ولا نرتضي للغير أن يحتل بلادنا، ولا نفرض عقيدتنا، ولا نقبل من أحد أن يفرض عقيدته أو مبادئه أو حضارته علينا.. لماذا؟ لأنه إذا كان الدين أثمن ما يمكن أن يتحلى به الإنسان لا إكراه فيه، فكيف يمكن الإكراه على مبادئ حضارة معينة؟! إذن فالمسلم عندما يكون قوياً عليه أن يحرر نفسه من الظلم والاستبداد والتحكم والانتهاك واحتلال أراضي الغير وإكراه الغير على مبادئه ((أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)) وعندنا قاعدة عامة تقول "لا ضرر ولا ضرار".
وعندي تأكيد هنا على أن الضعف لا يبقى في الإنسان أو المجتمع إلى ابد الآبدين، والمسلم عنده ميزة وهي: أنه وهو ضعيف يحس أنه الأقوى!! نعم غيري أقوى مني عسكرياً لكنني أنا أقوى منه عقدياً ودينياً.. بعد غزوة أحد وهزيمة المسلمين ربنا نزّلا قوله ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)) ومعناه: أنتم الأعلون بدينكم ومبادئكم، فهي دعوة إلى كل مسلم، أن لا يستسلم ((فما وهوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا))، فـ((ما وهنوا)) يعني ما ضعفوا نفسياً ومعنوياً، و ((ما ضعفوا)) مادياً وعسكرياً، و ((ما استكانوا)) يعني استسلموا للعدو.. يعني لا بأس على المسلم إذا انهزم، ولكن ليس معنى هذا أن يسلم ما يملك للعدو، وسرّ بقاء الأمة وبقاء ديننا الإسلامي أنه لا يوجد من ينتمي لهذا الدين من يستسلم ويقول انتهى ديننا، وانتهت أمتنا، وعند المسلم عزيمة إلى أنه لا يرجع قوياً بعد ضعفه.. ولا يخبو نور الأمل عند المؤمن أبداً، شريطة أن يكون هناك تكاتف وتعاون بين المسلمين أنفسهم، وأنا أتساءل على ماذا يختلف المسلمون فيما بينهم في العراق وفلسطين ولبنان والسودان؟! يجب أن نكون أمة واحدة، وعندها سننتصر بإذن الله.
* ولكن دكتور فيما يتعلق بموضوع العراق تحديداً فإن الاختلاف بين العراقيين طارئ، والمحتل هو الذي يسعى لإثارة مثل هذه الأمور التي رأى أنها هي من تبقيه وتطيل أمد وجوده في هذا البلد؟
- نعم، هو حقيقة أننا عندما نقول إن المسلمين أمة واحدة، فهل سنقبل بتقسيم العراق مثلاً إلى ثلاثة أقسام؟ أبداً؛ لأنّ تقسيم العراق إلى تلك الأقسام هو إضعاف للعراق، وذهاب بشوكته وبقوته، والعراق قوته في وحدته، ولكن على أي أساس تكون الوحدة؟ أقول: يمكن أن يلتقي الفرقاء، وأبناء البلد الواحد ويتفقون على ما يحقق لهم جميعاً لكل طائفة حقها.. وبالتالي فإنني أنا عندما أكون معك خير من أن أكون ضدك، يعني أبناء الوطن الواحد لا يسوغ لهم أبداً أن يتفرقوا؛ لأن التفرق فرصة لاستمرارية التخريب والتدمير والاحتلال.. أما عندما نكون صفاً واحداً ونتعاهد على أن نحكم بلدنا دون تدخل من أحد ودون عدوان على أحد سواء كانوا في الداخل أو الخارج، فإنّ هذا سيكون البداية للأمن والسلام.. وعندما نواجه الآخر صفاً واحداً خير من أن نواجهه صفوفاً.
* في ظل هذه المسؤولية الملقاة على عاتق القوى التي تسعى للمانعة وتحقيق الصمود والتحرير والمحافظة على وحدة البلد نجد هيئة علماء المسلمين في مقدمة تلك القوى.. ماذا تقول للهيئة وهي تخوض غمار صراع لتحقيق الأهداف السامية لبناء الوحدة الوطنية ومقارعة الاحتلال؟
- والله يا سيدي: هيئة علماء المسلمين في قلوب المسلمين، ونحن حقيقة نؤازر خطاها على القرب والبعد، كما سبق أن قلت ذلك بحضور فضيلة العلامة الدكتور حارث الضاري في مؤتمر المجلس الأعلى للشؤون الإسلامية، وقلت: طالما أن الحكمة أساس التعامل والمواجهة والعمل على وحدة المسلمين في العراق فنحن مع هيئة علماء المسلمين، وأعتقد أنها تعبّر عنا جميعاً، كما نعبر نحن عنها هنا.. وأنا أعتز وأشيد بسمو الفكر وسمو النهج وأشيد بحرص علماء المسلمين في العراق على وحدة العراق.. وبالتالي فنحن نشّد على أيدي علماء الهيئة في هدفها الرامي إلى وحدة العراق، ونؤازرهم بكل ما نملك.. وكنا نود أن نستطيع أن نجاهد معهم هناك، لكن الموانع كثيرة، وهي غير مجهولة، وبالتالي فنحن غذ نعتز بهيئة علماء المسلمين نشد على أيديهم في حكمة الحرص على وحدة العراق بجميع طوائفه، وليس أقوى من وحدة العراق وأدعى من تحقيق أهدافهم من أن يكونوا صفاً واحداً، ومن أن يكون هناك التوازن في إعطاء كل ذي حق حقه.
* وماذا توصي العراقيين في ظل هذا الامتحان الصعب الذي يخوضونه؟
- أوصي العراقيين بتقوية صلتهم بالله عز وجل وتقوية صلتهم بإخوانهم في داخل العراق وخارجه، وأن يثقوا بأن العالم الإسلامي من أقصاه إلى أقصاه معهم قلباً وقالباً، وكل ما نستطيع أن نقوله: أعملوا والله معكم ولن يتركم أعمالكم.. وإن قصّر البشر فلن يقصّر معكم رب البشر، وإن لم يتمكن بعض البشر من أن يؤدي واجبه حق الأداء، فنحن نضرع إلى الله في أن يهيئ الوسائل لتجعل وقوف الرعب والمسلمين مع العراقيين، ليس فقط بالأقوال وإنما بالأفعال والأعمال.. ولا نستبعد على الله عز وجل في أن يستجيب دعواتنا، ونسأل الله تعالى أن يقوّي من أزركم، وأن يوافيكم بجند من عنده، وأن يكون معكم ومعنا إلى أن نجتاز معاً هذه الأزمة التي تغشانا جميعاً، وهذه الغشاوة التي تحيط بنا جميعاً.. والله نسأل أني جعلنا وإياكم ممن لا يخبو لهم أمل في الغد الواعد والمشرق ((إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً)) إن شاء الله
* بارك الله فيكم فضيلة الدكتور وجزاكم الله خيراً
- بارك الله فيكم، وربنا يحقق آمالكم
حاوره: حسين الدليمي
ص
الاستاذ الدكتور الأحمدي أبو النور وزير الأوقاف المصري الأسبق في حوار مع الهيئة نت
