الهيئة نت - فرع المنطقة الجنوبية - اصدر الفرع الجنوبي رسالة بمناسبة الذكرى السنوية الثانية لاستشهاد الشيخ الدكتور يوسف الحسان عضو الامانة العامة في هيئة علماء المسلمين مفتي البصرة وفارس منابرها وعضو الأمانة العامة لهيئة علماء المسلمين ورئيس فرع الهيئة للمنطقة الجنوبية.
مقدمة
الحمـد لله حمـداً يبلغ رضاه ، وصلى الله على أشـرف من اجتباه وعلى آله وصحبه ومن والاه ، وسلم تسليماً لا يدرك منتهاه ، وبعد ..
فقبل البدء أهدي هذه الأبيات التي رثى بها شاعرنا الفذ عبدالرحمن العشماوي الشيخ الشهيد أحمد ياسين ، وستكون سنة ماضية في كل شيخ جاهد من أجل دينه ووطنه ، كلمات أقتبسها من قصيدة عصماء مع تصرف يسير علها تكون ذرة من الوفاء والعرفان في بحر شيخنا الحسان رحمة الله عليه وعلى سائر شهدائنا الأبرار الذين رووا بدمائهم الزكية أرض الرافدين وما بدلوا تبديلا ..
هم أكسبوك من السباق رهانا
فربحت أنت وأدركوا الخسرانا
هم أوصلوك الى مناك بغدرهم
فأذقتهم فوق الهوان هوانا
إني لأرجو أن تكون بنارهم
لما رموك بها ، بلغت جنانا
غدروا (بعمامتك) الكريمة جهرة
أبشر فقد أورثتهم خذلانا
أهل الإساءة هم ، ولكن ما دروا
كم قدموا لشموخك الإحسانا
يا (يوسف الحسان) إن ودعتنا
فلقد تركت الصدق والإيمانا
لقب الشهادة مطمح لم تدخر
وسعاً لتحمله فكنت وكانا
فرحي بنيل مناك يمزج دمعتي
ببشارتي ويخفف الأحزانا
هذا رجاءي (يابن يعقوب) الذي
شيدتُ في قلبي له بنيانا
دمك الزكي هو الينابيع التي
تسقي الجذور وتنعش الأغصانا
صدق شاعرنا والله .. فدماؤك يا شيخنا سقت فينا جذور الثبات والبقاء ولزوم السنة ..
مولده
ولد الشيخ يوسف يعقوب محمود أحمد الحسان رحمه الله في البصرة عام 1966م، أكمل الابتدائية والمتوسطة في البصرة، ثم التحق بالمعهد الإسلامي في البصرة ومن ثم كلية الشريعة في بغداد عام 1986.ثم انتقل هو وعائلته إلى مدينة سامراء عام 1987 بعد تعرض البصرة إلى القصف إبان الحرب العراقية الإيرانية. فتخرج من كلية الشريعة عام 1990. عُين إماماً وخطيباً في جامع العرب في البصرة عام 1989 ثم انتقل إلى الجامع الكبير عام 1994. وكان أول شابٍ يعتلي منبر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في البصرة، مما أعطى دفعة قوية لدى الشباب في طلب العلم واعتلاء المنابر، وقد حصل ذلك بالفعل فالفضل يعود لله ثم للشيخ رحمه الله.
مسيرته العلمية
بدأ حبه للعلم والصالحين منذ أن كان طالباً في المتوسطة. حيث كان يسافر في العطل الصيفية عندما كان في الإعدادية إلى أربيل وبغداد لطلب العلم. كان شيخهُ الروحي الأول الشيخ مصطفى النقشبندي رحمه الله، وأخذ العلم عن الشيخ العلامة عبد المجيد شقلاوة في أربيل مع ملازمته طوال هذه الفترة لدروس علامة العراق الشيخ عبد الكريم بيارة رحمه الله. ثم أخذ علوم الفقه من الشيخ أيوب الخطيب رحمه الله في سامراء ودرس على يد الشيخ عبد الكريم الدبان والشيخ عبد العزيز الأربيلي في البصرة والشيخ مخلص الراوي في بغداد إلى أن نال الإجازة العلمية من الشيخ عبد الكريم بيارة عام 1997م، وبقي يطلب العلم ويدرس إلى أن سعى في تأسيس مدرسة الإمام الحسن البصري الدينية عام 1992 في البصرة، وكان مديراً لها ثم اصبحت ثانوية وكثر طلابها إلى وقت استشهاده وسعى في تأسيس قسم كلية الإمام الأعظم في البصرة، مع مواصلته تدريس طلبة العلم الشرعي في البصرة إلى وقت استشهاده رحمه الله. وكان شعاره دائماً هو طلب العلم ليتعمق الإيمان في النفوس.
وحاول الشيخ جاهدا اعادة العلم الشرعي بكل صنوفه الى البصرة فافتتح اعدادية الحسن البصري ثم فرع كلية الامام الاعظم وكان طوال هذه الفترة يحاضر ويناضر ويدرس طلاب العلم من الصباح وحتى المساء ويصلح بين المتخاصمين متى ما وصل الى سمعه خبرهم ويتفقد المريض ويزور المساجد ويشجع ويبتسم ويساعد ويعلم ويفيد فقد كان رحمه الله محرك البصرة وكان ذو طاقة وصبر ومجالدة قلما تجدها عند احد.
صفاته
كان رحمه الله محباً للعلم وطلاب العلم ومحباً للصالحين والعلماء وكان يتفقدهم ويزورهم في أي مكان من العراق والدول المجاورة. كان رحيماً عطوفاً كريماً عزيز النفس عنده روح التحدي والثبات وكان ذلك سبباً في إثارة الأحقاد عليه من النفوس الحاسدة والمرتزقة وعبدة المناصب،
وكان ثباته على نصرة المسلمين وموقفه الرافض للظلم والطغيان سبباً في قرار تصفيته، وكانوا يقولون يجب أن تصفى فذهب شهيد الموقف والكلمة.ولد قبل الجمعة بساعة واستشهد قبل الجمعة بساعة مكملاً أربعين عاماً بالتمام والكمال، فسلام عليه يوم ولد ويوم جاهد وعمل وخدم الإسلام ويوم استشهد ويوم يبعث حياً مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا.
استشهاده
كان رحمه الله قد تكلم في الجمعة التي سبقت استشهاده عن تورط الاجهزة الامنية والمخابرات الايرانية في قتل مكون معروف في المحافظة بل تحدث بصراحته المعهودة وعدم خوفه الا من الله فاغتالوه في الجمعة التي بعدها عندما كان ذاهبا لالقاء خطبة الجمعة على جموع المصلين المتعطشين لسماع كلماته القوية الصادقة.
ففي الجمعة 21جمادي الأولى 1427هـ / 16-6-2006 وقبيل الصلاة اغتيل الشيخ الكبير والمربي الفاضل والدكتور العلم حبيب البصريين والعراقيين ومحب العلم واهله الشيخ يوسف الحسان رحمه الله رحمة واسعة والحقنا به غير خزايا ولا مترددين .
من أقواله رحمه الله : (إن كلماتنا تظل عرائس من الشمع ، حتى إذا متنا في سبيلها دبت فيها الروح وكتبت لها الحياة)
وكانت اشهر كلمة قالها الشيخ رحمه الله هي : (جهادكم يا اهل البصرة ثباتكم فيها لا تتركوها -انتم في رباط في سبيل الله ما دمتم فيها ) فكان لكلماته ابلغ الاثر في تثبيت اهل السنة في المحافظة ولله الحمد والمنة .
***
ماذا عسانا أن نتحدث عن الشيخ ..
أنتحدث عن علمه وسعة معارفه واطلاعه ؟ لقد كان يدرس طلابه في جامع البصرة الكبير في سائر أيام السنة ، يقضي معظم ساعات يومه على الرغم من كثرة مشاغله وهمومه في تدريس العلوم الشرعية وخدمة طلبة العلم ..
كان عجيب الحفظ .. أذكر يوماً وكنت حاضراً في مجلسه أنه يشرح لطلابه مسألة دقيقة في أصول النحو ، وذكر كلاماً لشارح الشذور ، ثم قال لأحد طلابه : ناولني المجلد الثاني وافتح على صفحة كذا واقرأ علينا الكلام .. فلما فعل ذلك كان الأمر كما ذكر الشيخ والعبارتان متقاربتان .. فسألنا الشيخ عن هذه العجيبة فقال بتواضع جم وكان هذا الخلق دأبه : قرأت هذه المسألة على شيخي منذ سنوات !! وتكرر هذا منه ..
وكان عند تدريس الفقه ينبه على دقيق المسائل وعويص الفروع ، ويستخرجها من الحواشي الصفراء بالمناقيش !!
وكان يفضل طريقة المتون والحواشي على الطريقة الأكاديمية في التدريس ، بأن يحفظ الطالب متناً في فن ما خدمه العلماء بالشرح ثم يقرأ على الشيخ شرحاً موجزاً فمتوسطاً فمطولاً .
وكان يعلم طلابه الأدب والسمت عند المدارسة .. أذكر أن أحد طلابه كان يقرأ في كتاب " منهاج السالكين " في الفقه الشافعي ووقف عند باب من أبواب البيوع ، فقال له الشيخ إقرأ قليلاً من الباب لأن طالب العلم لا يقف عند الأبواب !! في إشارة تربوية للنهي عن الوقوف عند أبواب السلاطين !
وقرأ طالب آخر على الشيخ في التحفة السنية شرح المقدمة الآجرومية في النحو فوصل الى قول الشارح : واعلم ... كذا ، فقال له الشيخ : عندما كنا نقرأ عند شيوخنا ونصل الى هذا المقام نقرأ : وليعلم ... تأدباً مع المستمعين !! وهي فائدة عزيزة .
وكنت أقرأ عنده في غاية الوصول شرح لب الأصول للإمام أبي زكريا الأنصاري فبلغنا الى مسألة التحسين والتقبيح العقليين ، فقلت للشيخ رأي الأشاعرة فاسد في هذه المسألة ؟ بصيغة استرشاد .. فتبسم الشيخ بحياء .. ثم قال لي : فاسد وباطل ومتهافت .. كلمات يستعملها الغزالي وسكت ..
ففهمت المراد .. ينبغي لطالب العلم أن يتجنب في مسائل الخلاف الكبيرة مثل هذه الألفاظ مع العلماء وإن اختلف معهم أو كان من مدرسة أخرى غير مدرسته التي ينتمي اليها ، وأن مثل هذه العبارات إنما يجرؤ عليها فحول العلم كأبي حامد الغزالي وأمثاله لا صغار الطويلبين من أمثالي !! فرحمة الله على الشيخ كم انتفعت بوصيته وتربيته .
أما تمكن الشيخ من اللغة وفنونها فحدث عن ذلك ولا حرج ، فهو الفارس الذي لا يشق له غبار ، وما رأيته فذاً متمرساً في باب من أبواب العلم كما هو في علمي النحو والصرف . ويشهد بذلك طلابه الذين تخرجوا في حلقته الخاصة.
ومن الطرائف التي أحفظها عن الشيخ الشهيد .. أنا كنا ندرس عنده شذا العرف في فن الصرف ، وكانت مقدمات أبواب الصرف لا تخلو من صعوبة وقوة عبارة ، وكان الدرس بعد وجبة الغداء وكان يومها غداء فقيراً ( مرقة عدس وأرز) ، فواجهنا بعض الصعوبة في استحضار المادة ، فقال الشيخ مازحاً : مثل هذا الموضوع لا يهضم الا مع اللحم !!
وشرح يوماً مسألة التصحيف في رواية الحديث ، فنقل عن بعض الحمقى روايته للحديث : " المؤمن كيِّس فطِن " من الكياسة والفطنة ، قرأها ذلك المصحف : المؤمن كيس قطن ، وأنه لما سئل عن تفسيره قال الشيخ بلهجته العامية : خفيف عالمعدة !!
ماذا عسانا أن نتحدث عن الشيخ ؟!
***
أنتحدث عن محبته لإخوانه وتفقده لأصحابه وحرصه على وحدة المسلمين ولم شعثهم وإخراجهم من داعية الهوى الى عبادة المولى ..
أنتحدث عنه خطيباً مفوهاً في البصرة وفارساً من فرسان منابرها ..
قال لأحد أحبابه يوماً في غرفته الخاصة قبيل انطلاقه لخطبة الجمعة : لم يتح لي التحضير للخطبة هذا الأسبوع بسبب انشغالي وسفري ولا أدري ماذا سأخطب ... هل عندكم خطوط عريضة لموضوع ما ؟؟
فأشار عليه أحدهم بموضوع قوة الإيمان والثبات واليقين .. فقال الشيخ موضوع جيد .. وصعد المنبر فخطب خطبة من أروع خطبه المؤثرة حول الموضوع مع أنه فعل ذلك مرتجلاً من غير تحضير .. فمثل الحسان لا تغيب عنه البلاغة أو النصوص .
ومن عجيب حرصه على وحدة الصف الوطني ، هو عدم سماحه للمغرضين بإثارة الفتن بين يديه وفي مجلسه ، وكان يزرع في كل من جالسه محبة المسلمين واحترام خصوصية المخالف مهما عظم خلافه ..
كان يمد الجسور مع الكل ، وكان بعض العامة لا يتسع افقه لمثل ذلك ويعجب من الشيخ ، فكان الشيخ يجيبه بقوله تعالى : ( ادفع بالتي هي أحسن فإذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم ) ..
وسمعته مراراً يحتج على ذلك النوع من الناس بقصة ابن السماك أحد أئمة السلف عندما جاءه رجل غاضب فقال له : الموعد بيني وبينك غداً لنتعاتب ، فقال له ابن السماك رحمه الله : بل الموعد بيني وبينك غداً لنتغافر.
فكان الشيخ انموذجاً للتسامح والتغافر والصفح عمن أساء اليه أو الى أحد من المصلين .. وكان يردد دائماً : " قلوبنا قلوب محمدية تحب جميع المسلمين " .
وكان إذا سمع أن واحداً من المقربين له وقع في خصومة مع أحد المصلين ينتهره ويأمره بالعفو والإصلاح . ويقول مذكراً له بالحديث الصحيح : " وخيرهما الذي يبدأ بالسلام " كن أنت المبادر.
لقد عرقته عن قرب وهناك من هو أقرب اليه مني ، قد يأخذ موقفاً من أحد ولكنه لا يكن له في داخله بغضاً أو حسداً أو عداوة بل لا يكن له الا الحب والخير ، ويعرف ذلك من إمارات ظاهرية كثيرة عرفها عن الشيخ كل من صاحبه وجالسه .
ما أروع الشيخ في سعة عقله وصدره وحلمه ..
كل هذه الخلال والعناصر المشرقة في شخصية الحسان هي من هيج عليه الحساد والمغرضين ، فسبيل منافستهم له علماً وحلماً وحرصاً ووطنية دونها خرط القتاد ، لهذا أوعز شياطين الإنس لعملائهم بقتله وتصفيته .. فويح أمة قتلتك أو رضيت بقتلك ..
***
ومن الإشارات التربوية التي أثرناها عن الشيخ قوله نقلاً عن أحد العارفين وأظنه الشيخ أحمد الرفاعي قدس الله روحه : " ملتفت لا يصل .. مشكك لا يفلح ". وكان يكثر من تردادها حتى عدت منهجاً له ..
وكان يقول لبعض أهل الخير : " هل من سبيل لجمع كلمة الناس تحت راية واحدة ، أم أن الأمر كما قال الأول : في كل بيت أمير المؤمنين ورايته " ؟!! في إشارة الى شدة الإختلاف وشيوع الهوى .
ومع ذلك لم يأل الشيخ جهداً في السعي لجمع كلمة الناس والتوحيد والتقريب بين الفرقاء لا سيما ضمن المسجد الواحد أو الجماعة الواحدة أو الطائفة الواحدة .
وكان يوصي بعض خاصته بالبحث عن كبار القوم ورؤوسهم والإهتمام بهم ، ويقول : بمثل هؤلاء ينعقد لواء التغيير. وهي خبرة سياسية واجتماعية عرفها عن الشيخ كل من شمت أنفه العطر الذي يضعه على ملابسه !!
اما تواضعه فمشهور عنه ، حتى عرف الشيخ به ، أذكر مرة بأن أحد المحررين في جريدة كان يهم الشيخ بإصدارها كان قد كتب عبارة الشيخ العلامة يوسف الحسان فأمره الشيخ برفع كلمة العلامة وقال له : إنما أنا طالب علم ابتلاه الله ..
في إشارة الى البلاء بالمناصب الخطيرة والكبيرة والجاه والسمعة التي كان يحظى بها الشيخ .
ومن الأشياء الجميلة في مجلس الشيخ التي ما زلنا نتذكرها ، هي المقامات البغدادية والفارسية التي كان يترنم بها الشيخ ويشنف بها أسماع الحاضرين ، وكان يقول : لا يفتح علي في هذا الباب ويظهر المكنون الا إذا جاء الحاج كمال العبايجي ، وهو قاريء معروف في البصرة ، وكان يجيد المقامات ، وإذا جلس مع الشيخ وابتدءا بالإنشاد والمديح شكلا فريقاً متكاملاً يسحر الألباب بجمال الأداء وعذوبة الصوت. وحينئذ يتمنى الجالسون لو أن الله أطال الزمن وأوقف ساعته.
***
وهنا يطيب لي أن أذكر للتاريخ شيئاً من مواقفه وكراماته التي عرفتها عنه وعرفها بعض خاصته ، وهي من المكنون الذي لم يخرج الى الناس ولا نجد في إذاعته بعد رحيل الشيخ عنا أو رحيلنا عنه على الأصح غضاضة أو بأساً ..
فمن ذلك أن رجلاً في مجلس علمي خاص ذكر شيخاً من خطباء المساجد بشيء من الغيبة ، وأراد من الشيخ أن يعلق على ما ذكره ، فقال الشيخ : أما بعد عودتي من الحج وإكرامي بزيارة خير البشر فلا !!
لقد آليت على نفسي أن لا أغتاب أحداً من المسلمين ، ولا أرضى بأن يذكر أحد من المسلمين بسوء في مجلس من مجالسي .
ودخل عليه رجل يوماً في المسجد فقال : جئت ابايعك يا شيخ !!
فقال الشيخ : بايعني على عدم ترك الصلاة على النبي الأكرم صلى الله عليه وآله وسلم. فهي خير بيعة .
وعند حديثه عن تسبيح الكائنات والجمادات ، ذكر كرامة عجيبة ..
قال الشيخ : في يوم من الأيام خرجت الى باحة البيت في الثلث الأخير من الليل ، وكنت مستغرقاً بالذكر والتسبيح فسمعت صوتاً من جهة بيت الدجاج : سبحان الملك القدوس .. لقد كان هذا صوت الديك في منزلنا .. فلما سمعت ذلك أصابني الرعب ودخلت الى البيت سريعاً.
وجاءه أحد المهندسين قبيل استشهاده بيومين يطلب منه تزكية لأنه حصل على نقل الى محافظة الموصل بسبب القتل والتهجير الذي طال أحد المكونات العريقة في البصرة ، فقال له الشيخ : اصبر .. فكل شيء سينتهي بعد يومين !!
وسبحان الله .. وكأن الشيخ يشعر بشيء ما ..
لقد خيم الهدوء لفترة طويلة بعد اغتيال الشيخ ، وهدأت فورة القتل ، لأن خصومه أدركوا بأنه يعدل أمة من الناس ، وأن كسر العمود الفقري لا يكون الا بقتل الحسان !!
وصدق رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عندما قال : " موت العالم ثلمة في الإسلام ".
وفقيه واحد أشد على الشيطان من ألف عابد. ولا يصح حديثاً.
ولكن في الشباب بركة ..
ورجال ورهط من الدعاة ساروا على خطاك ، وأدركوا ما هنالك من الفضل . فنم هانئاً مطمئناً بجوار إخوانك في تربة البصرة .
***
لقد سألت الشيخ يوماً عن شخصية حفرت في داخله أثراً عميقاً ، وأسرت لبه وكيانه ..
فقال : الإمام الحسين عليه السلام ..
فلعل الله سمع منه ذلك فأراد أن يجمع بين شهيدين في معترك متشابه .
كان يقول : لقد ترجم الإمام الحسين عليه السلام بأفعاله ومواقفه الجهادية أحكام القرآن وشخصية الرسول ترجمة واقعية عاشها الناس لإجيال وأجيال ، وسيستمر هذا الوهج الحسيني ما بقي الإسلام.
لقد كان يكرر من على منبر الجامع الكبير الذي سمي فيما بعد بجامع الشيخ الشهيد يوسف الحسان : " لن نخرج من البصرة الا شهداء الى مقبرة الحسن البصري ".
قبل أيام جمعني الله بأحد الشباب الذين نظن بهم خيراً ولا نزكي على الله أحداً ، وهو يعمل سائق أجرة في شوارع البصرة ، يقول لي هذا الشاب والدمعة في عينيه : كنت راكباً في سيارتي وبجانبي شخص يريد الوصول بأجرة الى سوق البصرة القديمة ، فمررت من أمام جامع البصرة الكبير ، فسمعت تسجيلاً قرآنياً للشيخ نعمة الحسان (شقيق الشهيد) وهو يقرأ قوله تعالى : ( لا تقتلوا يوسف ... ) من سورة يوسف ، قال فأخذتني حالة غريبة .. صرخت فقلت : هذا أخو الشيخ يقول : لا تقتلوا يوسف .. لا تقتلوا يوسف ... فلماذا قتلوه ؟؟ فتعجب الشخص الذي كان بجانبي !!
فقلت له : هذه ليست صدفة .. هذه كرامة الهية ..
كان يقول دائماً عن رحلة الحج : " موقفان عظيمان لا أملك نفسي فيهما : الوقوف أما الكعبة والوقوف بحضرة النبي صلى الله عليه وآله وسلم.
أقول في نفسي عند زيارة المسجد النبوي الشريف والوقوف أمام القبر المحمدي الشريف : اقف الآن أمام أعظم استاذ عرفته البشرية ، فيأخذني الحياء !! وتنهمر دموعي " ..
يرجى الاشارة الى المصدر عند النقل
صفحات مضيئة من حياة الشهيد يوسف الحسان رحمه الله
