هيئة علماء المسلمين في العراق

زوال إسرائيل بعد 50 عاماً!.. سعود كابلي
زوال إسرائيل بعد 50 عاماً!.. سعود كابلي زوال إسرائيل بعد 50 عاماً!.. سعود كابلي

زوال إسرائيل بعد 50 عاماً!.. سعود كابلي

في ذكرى نكبة فلسطين الأخيرة في 15 مايو الماضي أوردت \"الجزيرة\" توقعاً للكاتب المصري القدير الأستاذ عبد الوهاب المسيري يتنبأ فيه بزوال إسرائيل في خمسين عاماً. وهذا التصريح القوي لا يجب أن يمر مرور الكرام ذلك أنه يأتي من شخص يعد أحد المراجع فيما يخص الدراسات اليهودية.

والدكتور المسيري هو صاحب الموسوعة الشهيرة "اليهود واليهودية والصهيونية" الواقعة في 8 مجلدات والتي استغرق بحثه فيها ما يقارب ربع قرن، وبالتالي فقراءته للواقع هي قراءة تحليلية لعالم مقتدر يبني آراءه عن دراسة وليس عن قراءة عاطفية كما يفعل معظمنا تجاه الأحداث المختلفة.

رغم أن رأي الدكتور المسيري يتوافق مع نبض الشارع العاطفي إلا أنه نفى في الخبر الوارد "أن يكون لهذا التوقع علاقة بالتشاؤم أو بالتفاؤل، مشدداً على أنه يقرأ معطيات وحقائق في سياقها الموضوعي ويستخلص ما يمكن أن يسفر عنه من نتائج" وأضاف أن "الباحثين الإسرائيليين أنفسهم لا ينكرون هذا الخوف حتى أصبحت كمية الكتابات في إسرائيل عن نهاية دولتهم مملة".

بالإمكان هنا أن نورد بعض المؤشرات العامة والتي تجعل المحلل السياسي يتوافق مع مثل هذا التوقع:

أولاً: إسرائيل ككيان استيطاني - سرطاني في جسد الوطن العربي فقد القدرة على التواصل والاندماج مع شعوب المنطقة وذلك لأن إسرائيل كما أوجدها الغرب هي امتداد لمصالحه وسياساته في المنطقة. وهذه النقطة هي أحد محاور دراسة الأستاذ عبد الوهاب المسيري الذي وصف إسرائيل "بالدولة الوظيفية" - أي أنها اصطنعت لتؤدي وظيفة ما وضيعة يأنف صانعها من تأديتها بنفسه واليهود فيها لا يشكلون حتى نسقاً متصلاً فهم على حد تعبير الأستاذ المسيري "جماعات يهودية" وليسوا "شعباً يهودياً" واحداً موحداً.

ويتجلى هذا الأمر بالنظر للتناقض المؤسسي لإسرائيل، فهي دولة قامت على الفكرة الصهيونية المنادية بإنشاء وطن قومي للشعب اليهودي، بينما اليهود أنفسهم شعوب وقبائل بثقافات وأعراق ولغات وعادات مختلفة لا يوحد بينهم إلا الدين اليهودي الذي يناقض المرجعية العلمانية لإسرائيل.

ثانياً: كما أوردت في مقال سابق "عندما يصبح الإنجاب أفضل أسلحتنا" (الوطن عدد 2662 بتاريخ 13 يناير 2008) فإن إسرائيل تعاني خللاً بنيوياً ديموجرافياً يتمثل في الزيادة الاطرادية لأعداد عرب 48 في مقابل اليهود الإسرائيليين. وهو ما سينعكس بمزيد من العنصرية ضد المواطنين الإسرائيليين من ذوي الأصول العربية هذا إضافة للعنصرية القائمة ضد الفلسطينيين مما ينبئ بتحويل إسرائيل إلى مثال آخر لجنوب أفريقيا أيام الفصل العنصري (الأبارتهيد) وسينتج عن ذلك نزع الشرعية عن إسرائيل ومعاداتها. وهو الأمر الذي بدأ في الظهور عالمياً وإن ظل الدعم لإسرائيل قائماً في الولايات المتحدة فإن معظم دول العالم لن تقف في الصف نفسه خاصة إن تبنى العرب الفكرة الاستراتيجية المنادية بحل الدولة الواحدة بدلاً من حل الدولتين (راجع المقال السابق).

ثالثاً: بتزايد الوعي العالمي بما يحدث في الشرق الأوسط فإن من المتوقع أن يزداد الضغط الشعبي عالمياً على الحكومات لتبني مزيد من السياسات الصارمة تجاه إسرائيل. وقد أوردت في مقال سابق في ذكرى النكبة "ستون عاماً على النكبة ولم نع درس التاريخ بعد" (الوطن عدد 2785 بتاريخ 15 مايو 2008م) أنه حتى في إسرائيل نفسها بدأ العديد من المنظمات الأهلية الإسرائيلية بدعم القضية والقيام بحملات دولية ضد هدم البيوت والتهجير. ومع ازدياد أهمية المنطقة اقتصاديا وازدياد ميزان التجارة مع العديد من الدول ستبدأ تلك الدول بالسعي خلف مصلحتها المشتركة مع العرب ومن ثم تزداد الحلقة ضيقاً حول عنق إسرائيل.

رابعاً: انخفاض نسب المهاجرين اليهود إلى إسرائيل في ظل زيادة الهجرة العكسية لليهود من إسرائيل. وهو أمر بات في غاية الجدية فمنذ 1990م قام حوالي مليون يهودي روسي بالهجرة إلى إسرائيل ولكن مع تحسن الأوضاع في روسيا ارتأى العديد من المهاجرين العودة إلى بلدانهم وذلك لأنهم يرون أنها أفضل من البقاء في إسرائيل. من 2001م إلى 2003م قام حوالي 50 ألف روسي يهودي بالعودة إلى روسيا. هذا بالإضافة للعديد من الشباب الذين هاجروا للغرب بحثاً عن فرص وحياة أفضل الأمر الذي بات يشكل مشكلة اجتماعية حقيقية في إسرائيل.

خامساً: الانخفاض المستمر في أعداد الجيش الإسرائيلي ومرده ازدياد نسب الفئات العمرية العليا في الشعب الإسرائيلي إضافة لتزايد أعداد (الحاريدم) وهم الجماعات اليهودية المتشددة دينياً والتي تعارض المشاركة في الجيش. ومن المتوقع بالنظر لنسبة المواليد المرتفعة بينهم أن يشكلوا في عام 2020م ما نسبته 20% من الإسرائيليين بحسب ما أوردته "جيروزاليم بوست". إسرائيل تعتمد عسكرياً على القيام بحروب خاطفة سريعة وعلى الدعم الدولي، وبالتالي فهي لا تتحمل حروباً استنزافية تطول مدتها ويكون فيها خسائر بشرية هائلة، وهو ما بإمكان العرب تحمله، وقد أثبتت عدة حروب هذا الأمر.

سادساً: تعاني إسرائيل من مشاكل داخلية اجتماعية وسياسية جمة. فهناك التفرقة المستمرة بين السفارديم (اليهود الشرقيين) والإشكناز (اليهود الغربيين) ولأن السفارديم وهم الأقل حظاً اجتماعيا واقتصاديا لديهم النسب الأعلى في المواليد إضافة للمهاجرين الروس والإثيوبيين من الفلاشا الفقراء فإنهم يشكلون الغالبية العددية في إسرائيل بينما يشكل الإشكناز الطبقة المخملية السياسية والأوفر حظاً اقتصادياً ومالياً، وبالتالي ظهور حكم الأقلية على الأغلبية في ظل الكره والعنصرية المتبادلة بين السفارديم والإشكناز والذي يصل حد المنع من التزاوج بينهما في العديد من الحالات.

غالبية الطبقة الحاكمة في إسرائيل هي من العلمانيين، ولكن بتزايد أعداد الطبقات الوسطى والفقيرة من الأرثوذكس المتشددين إضافة للهجرة العكسية من إسرائيل للغرب من الشباب المتعلم والعلماني يتبقى في إسرائيل المتشددون دينياً والمتطرفون سياسياً. والجماعات الدينية اليهودية المتشددة على الخارطة الإسرائيلية متعددة ومتشعبة، والأهم من ذلك أنها تعادي بعضها بعضا على افتراض أن كل جماعة تقف على المذهب الصحيح.

ويصل الأمر حد تكفير كل جماعة للجماعات الأخرى (وهو الموضوع الذي يجب أن يفرد له مقال في حد ذاته)، ولكن تبقى النقطة الأهم أن السبب في التوجه الداخلي الإسرائيلي سياسياً تجاه اليمين (كحزب الليكود) عوضاً عن اليسار (كحزب العمل) مرده هو ازدياد نسبة التطرف في المجتمع الإسرائيلي.

هذا التطرف سوف يأكل نفسه وإسرائيل معه ذلك أن هؤلاء المتطرفين من الجماعات اليهودية الدينية يعادون كل من لا ينتمي لجماعتهم بما في ذلك الغرب الذي يقف معهم، وهناك الكثير من الأمثلة من أدبيات تلك الجماعات التي تظهر هذا التطرف الأعمى.

إسرائيل تعاني من عنصرية اجتماعية حادة بين الفئات الثقافية التي تشكل مجتمعها، ويبرز ذلك على الصعيد السياسي والاقتصادي بين مختلف الطبقات. كذلك تعاني من عنصرية دينية حادة بين مختلف المذاهب اليهودية في إسرائيل وخارج إسرائيل.

إن النظر إلى الوضع السياسي والاقتصادي والاجتماعي كما هو عليه اليوم في إسرائيل يماثل قول الله تعالى (تحسبهم جميعاً وقلوبهم شتّى). واليوم يعد الإرهاب الداخلي بين الإسرائيليين أنفسهم الخطر الأكبر عليهم وأحد أهم الأسباب لزوال دولتهم.

لقد قلت من قبل وأعيد، إن قراءتنا لليهود وإسرائيل هي قراءة عاطفية، وبالتالي ما زالت معظم سياساتنا تجاه إسرائيل سياسات عاطفية لا ترتكز على القراءات العقلانية الواعية لحقيقة الواقع بكل تركيباته وتعقيداته. إن القراءة العقلانية للواقع الإسرائيلي من نتيجتها أن تفتح لنا آفاقاً أخرى للتعامل وللمواجهة بطرق أكثر استراتيجية وتأثيراً مما نقوم به اليوم.

لقد دفعتني توقعات الدكتور المسيري إلى التفكر في سؤال طرحته على نفسي قديماً، وهو ماذا سيحدث بعد زوال إسرائيل؟ ولنفترض أننا استفقنا غداً على شرق أوسط لا وجود لإسرائيل فيه تماماً. كيف سيكون شكل العالم العربي؟ وكيف سيكون شكل العلاقات بين دوله؟ هل سيحدث نزاع وخلاف وحروب بيننا أم إننا سنتحد وسيبرز شكل جديد للتعاون بيننا؟

على مدى 60 عاماً شكل العامل الإسرائيلي الوعي العربي السياسي واستحوذ على عقول أجيال بكاملها مشكلاً بذلك فهمها للعالم من حولها، وبالتالي نظرتها للمستقبل، وبينما نعلم أن إسرائيل ستزول عاجلاً أم آجلا، فإن السؤال الأهم يبقى ماذا بعد ذلك؟

أود أن أطرح هذا السؤال على القارئ الكريم كنوع من الرياضة العقلية. ذلك أنه اليوم بات أهم من مسألة بقاء إسرائيل أو زوالها افتقادنا لمثل هذه الممارسات من الرياضة العقلية في كل مناحي حياتنا.


جريدة الوطن السعودية

أضف تعليق