كثيرون رأوا في التصريحات التي ادلى بها رئيس الوزراء \"العراقي\" نوري المالكي، خلال زيارته عمان، بمثابة \'\'نعي\'\' للمعاهدة الامنية التي يجري \'\'التفاوض\'\' عليها بين بغداد وواشنطن والتي كانت قد وقعت بالاحرف الاولى نهاية العام الماضي عند زيارة المالكي للعاصمة الاميركية.
من المبكر اعتبار ان المعاهدة بصيغتها الاميركية التي تم تسريبها للصحافة والتي اثارت ضجة لم تهدأ وخصوصاً داخل العراق، قد تم وأدها أو ان الصيغة او قُل الاعتراضات العراقية على بعض بنودها سيتم اعتمادها او تؤخذ في الاعتبار الاميركي رغم ان عامل الوقت قد بدأ يضغط على "العراقيين" (الذين هم ليسوا في موقف واحد) مع اقتراب الموعد المقترح (اميركياً) للتوقيع عليها وهو 31 تموز المقبل.
لعل اكثر العبارات التي اثارت الأميركان وايضا وزراء في الحكومة "العراقية" هي التي وصف فيها المالكي المفاوضات التي تجريها حكومته مع الولايات المتحدة من اجل التوصل الى معاهدة امنية طويلة الأمد بين الطرفين قد وصلت الى ''طريق مسدود'' بسبب المطالب الاميركية التي ''تنتهك السيادة العراقية'' قال المالكي الذي اضاف على نحو لافت للنظر: 'ان المفاوضات ستستمر على الرغم من التعثر.
اولى ردود الفعل على تصريحات المالكي جاءت من داخل ''البيت'' وتحديداً من هوشيار زيباري وزير الخارجية الذي نفى بشكل قاطع ان تكون المفاوضات قد وصلت الى طريق مسدود.
ولا نحسب ان التباين الواضح في وجهتي النظر بين الرئيس ووزيره هي مجرد اجتهادات أو زلة لسان او محاولة للمناكفة، بل إن ما عبر عنه زيباري يعكس موقفاً سياسياً معلناً، ويشكل رسالة الى اكثر من طرف وخصوصاً الطرف الاميركي الذي لم يتردد هو الآخر في الاعلان عن انزعاجه (اقرأ غضبه) من تصريحات المالكي والمعاني والدلالات التي انطوت عليها وخاصة في شأن الطريق المسدود وانتهاك السيادة العراقية التي لا يمكن القبول بها تحت أي ظرف، وأيضاً اعلانه في عمان ان المعاهدة لا تعدو كونها مسودة أفكار رفضها ''بالاجماع'' مجلس رسم السياسات "العراقي''.
رسالة زيباري وصلت، وهي تعبير عن موقف التحالف الكردي الذي لا يخفي ولا يسعى لاخفاء تأييده لمثل هذه المعاهدة ولبقاء اميركي عسكري طويل الأمد في العراق، وإذا ما تعذر مثل هذا الخيار فإن التحالف الكردي بجناحيه (طالباني وبرزاني) وحزبيه ''الاتحاد الوطني والديمقراطي الكردستاني'' وحكومة الاقليم، يدعو الادارة الاميركية علانية للقدوم الى كردستان على الرحب والسعة، وللكرد اسبابهم ومنطقهم وقراءتهم لمرحلة ما بعد ادارة بوش سواء اتفقت معهم أم اختلفت.
لا يعني ذلك بالطبع انكار حق زيباري في اعلان مواقفه كعضو في فريق او ائتلاف حكومي ليس بالضرورة ان تكون منسجمة مع قراءة رئيس الوزراء أو الاجنحة والمعسكرات التي تضمها الحكومة.
ماذا عن ردود الفعل الاميركية؟
كأن المالكي أقدم على تفجير ''الدمل'' الذي يبدو أنه كان من الضروري تفجيره بعد أن وصل الاحتقان مداه وبعد ان لم يعد بمقدور أحد الاستمرار في مثل هذه الحال المفتوحة على احتمالات كارثية لن يدفع أكلافها غير الشعب العراقي؛ لأنه لا أحد - حتى من بين اكثر المحايدين والذين يمكن وصفهم ايضا بالميل المعتدل للسياسات الاميركية - لم ير ان المعاهدة المقترحة لا تصب في مصلحة العراقيين أو لا تسعى للمحافظة (ولو الشكلية) على السيادة العراقية أو احترام شعبه اضافة الى انها تضفي الشرعية على الاحتلال العسكري الاميركي لبلادهم، وتكبل العراق الوطن والشعب والثروات والاقتصاد والسياسة والدبلوماسية والأمن والثقافة لأجيال قادمة، ناهيك عما يشكله الوجود العسكري الدائم والضخم وغير الخاضع للقوانين العراقية (الشركات الامنية الخاصة) على الدول المجاورة واستحقاق التلويح الاميركي باستخدام القوة لتغيير الانظمة أو تهديدها بانتهاج خط سياسي أو دبلوماسي أو اقتصادي معين تحت طائلة الاجتياح والحصار.
البيت الابيض بدا مرتبكا بعد تصريحات المالكي من خلال المحاولة التي قامت بها المتحدثة باسمه دانا بيرينونيه عندما قالت: انها ليست متأكدة من العبارة التي استخدمها (تقصد عبارة المالكي عن وصول المفاوضات الى طريق مسدود)..
ثم لم تلبث ان استعادت غطرستها، وقالت فيما يشبه التلويح بشيء ما: نحن نحترم سيادتهم بشكل كامل، ولا تنسوا - قالت السيدة - اننا في النهاية حاربنا لتحريرهم من نظام صدام حسين. (وكانت ترد على اقوال المالكي حول بعض المواد في المعاهدة التي تشكل خرقاً للسيادة العراقية)..
اما اكثر المواقف ارتباكاً فجاءت من وزير الدفاع الاميركي روبرت غيتس الذي كان يحضر اجتماعاً لحلف شمال الاطلسي عندما كان المالكي في عمان: هناك احتمال وجود تناقض بين التصريحات العلنية التي يدلي بها المسؤولون "العراقيون" ومواقفهم الحقيقية على طاولة المفاوضات، وسأتأكد عند عودتي لواشنطن من ذلك؟!.
مواقف غير محسومة غامضة وملتبسة في معظمها، قد تكون مجرد مناورة من هذا الطرف او ذاك لتحسين شروط التفاوض او لتمرير ما قد يوصف لاحقاً بالملاحق ''السرية'' التي تحفل بها عادة مثل هذه المعاهدات والاتفاقات الامنية والعسكرية..
بانتظار ما قد تكشفه الايام المقبلة عن صحة ودقة وصلابة هذه المواقف، يمكن القول ان الانقسام العراقي الداخلي حول هذه المعاهدة مرشح للاستمرار والتفاقم وربما يتم تجاوز الموعد النهائي الذي حددته واشنطن (31/7)، وعلينا ان لا نهمل مواقف طهران والتيار الصدري، وأيضاً ما يوصفون بالسنة الذين هم فيما يبدو في خندق واحد مع التحالف الكردي حول هذه القضية الأكثر خطورة منذ الغزو الاميركي قبل خمس سنوات.
kharroub_(at)_jpf.com.jo
الراي الاردنية
المعاهدة العراقية الاميركية المقترحة.. التباس المواقف وغموض التوجهات.. محمد خرّوب
