أية معاهدة مهما كانت مضامينها بين دولة غزو واحتلال وبين الدولة المحتلة يجب ان تكون مرفوضة؛ لأنها سوف تكون ثمرة هذا العدوان والاحتلال والقهر بين قوة غازية وبلد مستضعف، وبالتالي فإن الدولة المحتلة ستفرض شروطها على الدولة الأخرى.
وتأتي المعاهدة الامريكية مع العراق التي يتم الحديث عنها هذه الأيام ضمن هذا السياق؛ لأنها فعلا معاهدة دولة غازية شنت حربا عدوانية، وعملت على خلق النزاعات والصراعات الطائفية والمذهبية والعرقية بين أبنائه، ودمرت مؤسسات دولته والبنية التحتية لهذه الدولة، كما زعزعت الأمن والاستقرار بالمنطقة بأكملها.
ويأتي الحديث هذه الأيام عن عرض الادارة الامريكية معاهدة (أمنية) مع الحكومة "العراقية" رغم ان التهيئة والتحضير لمثل هذه المعاهدة قد بدأ منذ فترة عبر مذكرة تفاهم وقعها رئيس الدولة المحتلة جورج بوش مع رئيس حكومة الدولة المحتلة ارضها نوري المالكي في شهر أب من العام 2007 م تهدف الى جعل الاحتلال الامريكي مستمرا ولأمد طويل وبشكل قانوني.
وقد بدأت تنكشف بنود المعاهدة التي تعمل الادارة الامريكية على فرضها على الحكومة "العراقية" في هذا التوقيت بالذات اذ تواجه الادارة الامريكية مأزقا حادا وأزمة كبيرة نجمت عن مواجهة قواتها المحتلة بمقاومة وطنية عراقية باسلة ألحقت خسائر بشرية ومادية واقتصادية وسياسية ونفسية، وأوجدت شرخا عميقا في داخل المجتمع الامريكي بسبب هذه الخسائر مثلما ألحقت هزيمة سياسية بالحزب الجمهوري الذي قامت الادارة المنبثقة عنه بهذه الحرب العدوانية تمثلت في الخسارة الكبيرة التي طالت الحزب في انتخابات الكونجرس الأخيرة، مثلما تمثلت ايضا في تساقط العديد من قادة مجموعة ما يسمى بالمحافظين الجدد الذين خططوا لهذه الحرب العدوانية، وأقدموا على تنفيذها، ويأتي في مقدمتهم وزير الحرب الامريكي السابق دونالد رامسفيلد.
بمعنى ان ما تهدف إليه ادارة الرئيس جورج بوش الذي ستنتهي رئاسته بعد أشهر هو تحقيق مكاسب امريكية في العراق عبر المعاهدة بعد ان فشلت في تحقيقها عبر الحرب، ومن يطالع بعناية ابرز ما تتضمنه المعاهدة المطروح فرضها على شعب العراق يدرك ابعاد ما تهدف إليه من تكبيل الشعب العراقي ووضعه فعلا في دائرة العبودية والإذلال، ولنا ان نستعرض البنود التي تؤكد ذلك.
1) إقامة قواعد عسكرية امريكية دائمة في العراق، وهو ما يعني استمرارية الاحتلال الامريكي لهذا القطر العربي الاساسي والمهم في مجموعة الأقطار العربية والمنطقة.
2) حق القوات الامريكية في السيطرة التامة على الأجواء العراقية والحصول على تسهيلات مفتوحة وغير محدودة او محددة على الأرض وفي المياه العراقية أي ان السيادة العراقية في البر والبحر والجو العراقية ستكون بيد المحتل الامريكي.
3) يحق للأمريكيين الإشراف على وزارتي الداخلية والدفاع والاستخبارات العامة بحجة مقاومة وملاحقة الارهاب، وان للقوات الامريكية الحق ايضا في ملاحقة واعتقال "الإرهابيين" من وجهة نظر الأمريكان دون الرجوع الى الحكومة "العراقية".
عن أية حكومة عراقية يتحدثون؟!.
4) توقيع اتفاقيات تعطي الشركات الامريكية حق السيطرة على النفط العراقي إنتاجا وتسويقا وتسعيرا مع الإعفاء الكامل لهذه الشركات او حتى للأفراد الأمريكيين من الضرائب والجمارك.
وهذا يعني نهب ثروة العراق النفطية وتحويلها الى ثروة امريكية، وهو ما يفقد العراق العنصر الاساسي والضروري اللازم لحياة الشعب المعيشية، ويجعل أصحاب الثروة الحقيقية خدما عند السيد الامريكي الذي يكون - عبر هذا البند الخطير - قد حقق اهم الأهداف التي من اجلها شن الحرب العدوانية على العراق.
هذا إضافة الى نصوص متعددة في هذه المعاهدة التي يراد فرضها على العراق بحيث يتم من خلالها انتهاك سيادة الدولة والقضاء جوهريا على مؤسسات الدولة التنفيذية والتشريعية والأمنية.
ونتوقف عند بند خطير اخر يتضمن إعطاء حرية قيام القوات الامريكية بالعدوان على دول في المنطقة وخاصة المجاورة للعراق، والمقصود هنا بشكل اساسي ايران وسورية ومنظمات المقاومة التي تواجه المشاريع والمخططات الامريكية والصهيونية في المنطقة.
أي ان مثل هذه المعاهدة تخدم المصالح الامريكية، وتجعل العراق قاعدة عسكرية استعمارية متقدمة في المنطقة مثلما تخدم في الوقت نفسه الصهاينة وكيانهم الغاصب، وتهيء لهم الانتشار الامني التجسسي في العراق على الدول الأخرى تحت المظلة الامريكية، وتحقق احد اهداف المشروع الصهيوني التوسعي في الهيمنة على ثروات المنطقة عبر الشريك الامريكي.
ولكن، وأمام مجريات الاحداث وتطوراتها في العراق حيث تشكل المقاومة الوطنية العراقية عنصرا مهما فاعلا ومؤثرا في مواجهة الاحتلال الامريكي ومخططاته مثلما تواجه الفئات والزمر التابعة لهذا الاحتلال، وأمام ما تلحقه هذه المقاومة الباسلة الصامدة من خسائر باهظة التكاليف على الاحتلال وقواته وأدواته، وأمام فقدان الادارة الامريكية لتوازنها وقدرتها على الاستمرار في مشاريعها العدوانية في العراق والمنطقة التي تمثلت بشكل واضح في فشل العدوان الامريكي الصهيوني على لبنان في الثاني عشر من تموز عام 2006 م الذي استهدف المقاومة الوطنية اللبنانية، وأمام فشل السياسة الامريكية في خلق شرق أوسط جديد يعيد تشكيل المنطقة وفقا للمصالح الامريكية الصهيونية - كما اعلنوا هم انفسهم - وفشلها في استئصال المقاومة الفلسطينية التي تواجه العدوان على ارض فلسطين عامة وفي قطاع غزة خاصة، وفشلها في إجبار ايران على التخلي عن سيرها في مشروعها النووي للأغراض السلمية، ولان الاحداث في المنطقة مترابطة في الأقطار العربية والإسلامية فإن المشروع الامريكي في المنطقة محكوم حتما بالفشل.
ونؤكد مرة اخرى، انه امام نجاح المقاومة العراقية في مواجهة المحتل وانتشارها فوق كل الأرض العراقية من الشمال الى الجنوب ومن شرق العراق الى غربة وتوحيد قواها وانخراط قطاعات واسعة من الشعب في صفوفها، فإننا نطمئن الى ان مثل هذه المعاهدات المذلة لن تمر؛ لان عزيمة الشعب اقوى من عزيمة المحتل واتباعه.
كما نؤكد على ضرورة توحيد الجهود - كل الجهود العربية المناضلة - لمساندة شعب العراق ومقاومته في التصدي للاحتلال الامريكي ومشاريعه ومخططاته ومعاهداته وسياساته التي تستهدف وطننا وامتنا العربية كلها.
fuad0491_(at)_yahoo.com
الدستور الاردنية
العراق.. معاهدة الوصاية والعبودية والإذلال.. فؤاد دبور
