طمسُ الهوية الإسلامية في العراق والإطاحة بالمبادئ والعقائد والثوابت التي ينتهجها أبناء هذا البلد المسلم، ما من شك أبداً في أن ذلك ركن أساس من أركان ما يجيء به الاحتلال من مشاريع وقوانين واتفاقيات وغير ذلك، فهي تنبع جميعاً من حقيقة واحدة.. أن احتلال العراق مشروع من مشاريع الحرب الصليبية التي تستهدف العالم الإسلامي بكل مفاصله.
وحين يتم تشخيص المعركة على أنها صليبية، فهذا يعني أن العدو يستهدف المجتمع المسلم بكل ما تحويه جوانب حياته من عقيدة ومبادئ وأفكار وأخلاق وثقافات وقوانين وتشريعات وسياسات وسلوكيات فضلاً عن القيم والحضارات.
وليس بغريب أن يتم هذا الاستهداف بطرق ماكرة وبتدرج قد يكون غير محسوس في بعض الأحيان، فالقوى الصليبية تعمل على وفق قاعدة "بطيء.. ولكنه أكيد المفعول".
وليس غريباً على هذه القوى المحترفة في الغزو الفكري أن تهيئ أجواء، وتصنع ظروفاً يعيشها أبناء هذه البلد من تعاستها تضطرهم الى التخلي عن بعض ثوابتهم، بل وقد ينشأ عندهم تصور أنهم بتمسكهم بهذه الثوابت يكونون هم السبب في المعيشة الضنك التي تعصف بهم، وعند ذاك يكون الانتصار قاب قوسين أو أدنى لصالح الاحتلال باعتباره أداة من أدوات الغزو الصليبي، فيبدأ برسم معالم المجتمع الذي تبغيه الصليبية العالمية على وفق ما يريد!!.
إن ما يحصل في عدد من الـمدن الـعراقية مـن ما يسميه الاحتلال، ويتبجح به أرباب العملية السياسية بـ (التحسّن الأمني) لهو داخل في هذا الإطار خصوصاً حين نركز على المدن المشمولة بهذا الوصف والتي تم انتقاؤها بطريقة ليست جزافية مثل مدن الفلوجة والرمادي وسامراء، والسعي جارٍ نحو الموصل وغيرها من التي أُثـِر عنها بأنها مدن العلم والالتزام والحفاظ على الثوابت والتمسك بالمبادئ فضلاً عن كونها رافضةًً للاحتلال أبدت ممانعة له ومقاومة منقطعة النظير جعلته يعيد حساباته مرات ومرات على مدى الأعوام الخمسة الماضية.
لقد دأب الاحتلال على جعل أبناء هذه المناطق يعيشون حياة الجحيم على الأرض محاولاً أن يُلجأهم إلى انتفاضة على المقاومة والتخلي عن احتضانها خصوصاً أن عملاءه المشاركين له في العملية السياسية ما انفكوا يلقون باللائمة على المقاومة بوصفها سبباً في خراب البنية التحتية وضياع الأمن وفقدان الخدمات وما إلى ذلك.
وبالطبع فإن الشماعة التي يتشدقون بها هي مصطلحات الإرهاب، والقاعدة، وترشيد المقاومة، وما شابه من المصطلحات التي تتخذ غطاءً لإخفاء جريمة مشاركة الاحتلال مشاريعه من جهة ولسحب البساط من تحت المقاومة بغية الاستئثار بما تحققه على الأرض وانتهاز القطاف وتجيير ثماره لمكاسبهم السياسية في حال فشل المشروع السياسي الأمريكي في العراق من جهة أخرى!.
فسلكت قوات الاحتلال وقوات الحكومة التي تواليه بحق أهالي تلك المناطق أبشع السلوكيات وأقسى الإجراءات واعنف الانتهاكات على الأصعدة كافة وبمختلف الوسائل، ولعل الاعتقالات العشوائية بالجملة وقصف البيوت الآمنة بالطائرات والممارسات الطائفية التي يتعسف بها جنود القوات الحكومية إنموذج واضح المعالم على حياة الجحيم التي اشرنا إليها آنفاً!!.
بهذه الطرق نجح الاحتلال وعملاؤه - إلى حد ما - في استدراج عقول البسطاء من الناس ورسم الصورة لهم بالطريقة التي جعلتهم يفكرون بالحصول على الأمن بأي ثمن، ومن دون الالتفات إلى المقاصد والمخططات التي ترسم، ومن غير الانتباه الى ما ستؤول إليه الأمور بعد الحصول على الاستتباب الأمني بالطريقة المادية والتغاضي عن الاحتياجات المبدئية التي تتطلب عـدم التفريط بـها حين يروم المجتمع المسلم الحصول على الأمن!.
لقد تغافل الكثيرون - وخصوصاً أولئك الذين أقحموا أنفسهم في العملية السياسية - عن أن الاحتلال باعهم الأمن في بعض المناطق بثمن باهض.. سلب العقيدة والمبادئ وامتهان الكرامات والإذلال وتمييع قضية الجهاد ورد العدو المحتل وطمس معالم المجتمع الملتزم ومحاربة الأخلاق وانتشار الرجس وأعمال الشيطان...
فهل يوجد ثمن أبهض من هذا؟؟؟. وهل يُعد ما حصل عليه المجتمع أمناً بالمعنى المتكامل الذي جاء الإسلام للحفاظ عليه؟؟. أم إنه أمن صوري ومادي ملموس على جانب واحد فقط؟؟. أو ليس هذا الجانب هو نفسه الجانب الذي وجد به الاحتلال متنفساً من ضربات المقاومة الموجعة؟؟.
فأين الأمن بصورته الشاملة لجميع مفاصل الحياة الدينية والدنيوية؟؟ وأين مقتضياته؟؟ وأين ثماره؟؟ أم انه مكسب سياسي فحسب؟؟.
إنه كذلك.. مكسب يخدم الاحتلال وعملاءه من أجل تحسين صورة الوجه القبيح للعملية السياسية، وهو بمثابة رشوة يُبتغى منها كسب الدعم الجماهيري لأذناب الاحتلال الذين لديهم جذور في تلك المناطق!!.
ليس من الإسلام أبداً أن يشتري المسلم حياة مادية يدفع ثمنها من عقيدته.. وليس من الإسلام أبداً أن يضحي المسلم بولائه لله عز وجل ولأوليائه من أجل فسح المجال لأعداه أن يصنعوا بأرضه واقعاً ظاهره الأمن وباطنه الخراب..
وليس من الإسلام أبداً أن يتقاعس المسلم عن الجهاد ـ وخاصة جهاد الدفع ـ بحجة تحصيل الأمن والحفاظ على الحياة، فحفظ الدين مقدم على حفظ النفس، وقد شُرّع الجهادُ لأجل الحفاظ على الدين والنفس وتحصيل الأمن معاً.
أي أمْنٍ هذا الذي يعيشه المسلم في بعض مناطق العراق والمحتل جاثم يصول ويجول في أرض المسلمين من غير أن يراعي حرمة أو يحترم مقدساً؟؟. وما حادثة امتهان القرآن الكريم ببعيدة!!.
وأي أمْنٍ هذا الذي يعيشه المسلم وهو مسجون بين قطع الإسمنت الضخمة والجدران العازلة؟؟.
وأي أمْنٍ هذا الذي يجعل الإنسان المسلم يتصور أن تحصيل حياة الرفاهية والعيش انما هو بالتخلي عن المبادئ ونسيان تطبيق شرع الله سبحانه وتعالى؟؟
بل وأي أمْنٍ هذا الذي يجعل الإنسان المسلم ينسى أنه خاضع لاحتلال صليبي يعمل على محاربة دينه وبلاده وكل جوانب حياته؟؟.
هكذا يراد لمجتمعاتنا أن تنسلخ من عقيدتها وثوابتها ودينها وأخلاقها وتقاليدها والانفتاح نحو الحياة المادية الخالية من أي مظهر من مظاهر العبودية والولاء المطلق لله رب العالمين.
وقضية تحصيل الأمن بالطريقة هذه تعد العتبة الأولى في طريق إيصال المجتمع العراقي المسلم إلى هذا الحال حتى يغدو غير آبهٍ للغرباء على أرضه، وليس لديه أي استعداد لأن يـقول كلمة (لا) في وجه من يسعى لسلب كرامته، ويفتقر لأدنى وسيلة يمنع بها نهب خيرات بلده!!.
أليست حرباً صليبة بكل معاني الكلمة ومدلولاتها؟؟.
لقد صدق الأعظمي (رحمه الله) وهو يصف لنا مثل هذا الحال قبل عقود مضت.. يقول وليد:
لا خـيـرَ في العيش إن كانت مواطنُنا
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، نـهباً بأيدي الأعادي أينما كانوا
لا خـيـرَ في العيش إن كانت حضارتُنا
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، فـي كُلّ يومٍ لـها تـنْهَدُّ أركانُ
لا خـيـرَ في العيش إن كانت عقيدتُنا
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، أضحى يُزاحـِمُها كُـفرٌ وعِصيانُ
لا خـيـرَ في العيش إن كانت مبادئُنا
،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،،، جادتْ عـليـنا بها للكُفرِ أذهانُ
لقد كانت وما زالت الفرصة سانحة أمام أبناء هذه البلد في إفشال المخططات الصليبية لإطفاء شعلة الإسلام وثوابته من حياة أهل العراق، وإنهم لجديرون حقاً بإفشالها، فقد أظهروا ممانعة للعدو المحتل طيلة السنوات الماضية ما لم يكن ليتصور أو يجعل في حساباته هذا الحجم من القوة.
واليوم عليهم أن يكونوا أكثر جدارة وأكبر قوة من ذي قبل فإن المعركة ليست في ميدان واحد كما يتصور السذج من السياسيين، وليست الوسائل مقتصرة على صنف واحد أو وسيلة واحدة، فالميادين واسعة والمهام كثيرة، ونحن في جهاد دفع فكلٌ ميسّر لما خُلق له.. والله تعالى يقول في كتابه العزيز:
((فليـُقـاتل في سـبيـل الله الذين يَشـرون الحيَاةَ الدُنيا بالاخرةِ ومـن يُقاتِلْ في سبيل الله فيُقتَل أو يَغْلِبْ فسوفَ نؤتيه أجراً عظيماً)).
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
الأمن المنشود.. والمبادئ الضائعة.. جهاد بشير
