ما تزال الإدارة الأمريكية الحالية تبحث عن اختراق ما يخرجها من حالة الحصار السياسي والأخلاقي الذي أوقعت فيه نفسها من خلال غزو العراق والانحياز لـ\"إسرائيل\" والغرق في مستنقع حرب مشبوهة على \"الإرهاب\"..
العالم غاضب على السجون الطائرة، والسرية، والتواطؤ الأمريكي الأوروبي على حقوق الإنسان.. وما تزال الذاكرة العراقية والعربية والعالمية تحتفظ بفظاعات أبو غريب والفلوجة وحديثة، وكل المدن والقرى العراقية عندها حكاية مع الاحتلال إما التعذيب أو الاغتصاب أو القتل على الهوية أو العقاب الجماعي أو الجدران العنصرية العازلة.. والقائمة طويلة.
وفي ظل محاولات اختراق هذه الصورة السيئة سربت الآلة الإعلامية الأمريكية الخميس خبرا عن تسريح جندي مارينز ومعاقبة آخر نكّلا بـ"جرو" في العراق في محاولة لإبراز أن العدالة الأمريكية والنظام القانوني والسياسي في واشنطن نظام إنساني يحرص على المعاهدات والمواثيق الإنسانية، وأن مثل هذه الحوادث سلوك فردي.
لكن المحاولة فاشلة؛ لأن صور الفيديو التي جسدت جريمة الجنديين الأمريكيين على جرو كلاب زادت في تأكيد قناعة العالم بأن الآلة العسكرية الأمريكية، ومن ورائها السياسيون، غير رحيمة ولا تراعي بشرا ولا حيوانات..
إن صورة أمريكا التي مرغها الرئيس بوش في الوحل لا تحتاج إلى تكليف نائبة في وزارة الخارجية مهمتها التسويق والتزيين، ولا تحتاج إلى فضائية "الحرة" ولا راديو "سوا" ولا إلى مجلات وجرائد وكتاب ومحللين عرب مدفوعي الأجر..
ما تحتاجه صورة أمريكا هو أولا رحيل الرئيس بوش ووقف شطحاته ومغامراته وخططه الظاهرة والخفية التي تروم توريط سلفه في ملفات جديدة تمنعه من التفكير في الانسحاب من العراق أو إقرار حق الفلسطينيين في الحصول على دولة معلومة في المكان والزمان أو اعتماد الحوار والدبلوماسية لمنع اللجوء إلى الحرب مع إيران.
وبالتوازي مع ذلك، فإن الرئيس الجديد للبيت الأبيض سواء أكان الأسمر أوباما أو الأبيض ماكين يحتاج إلى أن يعيد قراءة المشهد العالمي بعيدا عن ضغوط اللوبي الصهيوني أو الشركات الاقتصادية الكبرى..
وفي هذا السياق، فإن تصريحات أوباما الداعمة لـ"إسرائيل" مطلقا والواعدة بنقل السفارة الأمريكية إلى القدس المحتلة، تعني إعلان حرب ودعوة إلى الاستنفار من جانب العرب، وهي رسالة تقول بوضوح العبارة إن "مفاوضات السلام" لا قيمة لها ولا معنى، أيها العرب، فاستعدوا للحرب مجددا ودائما.
ولقد أشار القائد الليبي بوضوح إلى هذه النقطة في خطابه بمناسبة الذكرى 38 لجلاء القوات الأمريكية عن بلاده الأربعاء، ودعا أوباما إلى أن يغادر دائرة الشعور بالدونية لكونه أسود وأن يغير رؤيته وعلاقاته مع العرب، ويعيد تقييم ما يجري في الصراع بالشرق الأوسط.
ولا ننسى أيضا، تصريحات ماكين خلال زيارته لـ"إسرائيل"؛ لأنها تردد ما قاله أوباما، وتكشف مدى سيطرة اللوبي الصهيوني على العقول والقلوب والمصالح.
ليس أمام أوباما أو ماكين إذا وصلا إلى البيت الأبيض إلا أن يبحثا عن حل مشرف في العراق، مشرف لصورة بلادهما وقواتها والمنزلة "الريادية" التي تنهض بها في العالم..
وهذا يتطلب قراءة مصلحية لما يجري بعيدا عن مهمة "إنقاذ العالم" التي رفعها بوش في مواجهة قوى "الشر"، قراءة تفهم أن العسكر الأمريكي على أبواب هزيمة شبيهة بهزيمة الفيتنام وأن الحل هو الخروج "المشرّف" من خلال تسليم البلد إلى أهله.
يكفي الأمريكيين ما سوقت عنهم إدارتهم من أنهم مجموعة لـ"البلطاجية" و"الكوبويات"، فهذه السياسة لا تخدم إلا اللوبيات ومراكز الضغط المرتبطة بالشركات الاقتصادية التي تريد الهيمنة على العالم، ونصيب الشعب الأمريكي لن يخرج عن إثقال كاهله بالضرائب وسقوط أبنائه قتلى وجرحى ومشوهين ومعقدين نفسانيا.
وإذا كان الرئيس الأمريكي المستقبلي يريد فعلا أن يعيد سمعة بلاده ناصعة، فليعتمد نتائج التقرير الذي أعده نواب في الكونغرس - نشر الخميس - عن أسرار كراهية العالم لأمريكا، وخلصوا فيه إلى أن المشكلة سببها ليس رفض الثقافة والمبادئ والسلطة الأمريكية، بل السياسات الأمريكية.
العالم يكره أمريكا.. العرب اونلاين
