هيئة علماء المسلمين في العراق

ما الذي ينبغي على العراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟.. د. عبد الفتاح ماضي
ما الذي ينبغي على العراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟.. د. عبد الفتاح ماضي ما الذي ينبغي على العراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟.. د. عبد الفتاح ماضي

ما الذي ينبغي على العراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟.. د. عبد الفتاح ماضي

اربعة دروس تنتظر ان يتعلمها العراقيون: الحكومات التي تستند على احتلال اجنبي لا تدوم، وحدة وطنية عابرة للاعراق والطوائف لا تعددية تشظي، حكم القانون وسيادة الدولة، الولايات المتحدة لن تخرج بالدعاء. تقدم لنا تجارب الأمم الأخرى الكثير من العبر والدروس على قادتنا ونخبنا السياسية أخذ العبرة منها. فاليوم وبعد خمس سنوات من احتلال العراق، وبدء التفاوض حول الوضع النهائي للوجود الأميركي العسكري في العراق أعتقد أن فهم تجربتي ماليزيا والفلبين في التعامل مع قضيتين محوريتين في غاية الأهمية للعراق الذي يواجه ذات القضيتين: بناء الدولة بعد أن عَبَثَ المحتل في مقدراتها البشرية والاقتصادية، والتعامل مع الوجود العسكري المفروض عليها بفعل عوامل كثيرة.

أولاً: كيف تعامل قادة ماليزيا مع مجتمعهم المتعدد اللغات والعرقيات والديانات بعد رحيل الاستعمار؟

اتسم أسلوب الآباء المؤسسين لماليزيا، وعلى رأسهم تنكو عبد الرحمن، بالمسؤولية والحكمة وبعد النظر والبعد عن التعصب لدين أو مذهب أو عرق ما، والأهم عدم التفرغ لتصفية حسابات الماضي أو التغني بأمجاد نقاء العرق أو الحفاظ على المذهب أو ماشابه.

فإزاء الواقع الذي فرضه المستعمر البريطاني - الذي بموجبه تم تغيير التركيبة السكانية للبلاد عن طريق تهجير الصينيين ومحاباتهم على حساب أصحاب البلاد الأصليين - تمحورت اختيارات القادة والنخب الصالحة حول تحويل التنوع السكاني إلى عامل قوة ووحدة وتحقيق التنمية الاقتصادية والمساواة لكل الفئات من أجل رفاهية الكل بلا استثناء.

وقد ترجم هذا إلى سلوكيْن حاسميْن، أولهما الاتفاق على قواعد اللعبة الديمقراطية وتبني النظام البرلماني والديمقراطية التوافقية وتحييد الجيش، وإنشاء تحالف سياسي عابر للعرقيات والديانات هو "منظمة الملايو القومية المتحدة" (UMNO) التي ضمت الأحزاب السياسية الممثلة لكل التيارات الرئيسة..

وبهذا فوّت القادة الفرصة على المستعمر البريطاني الذي كان يراهن، في سعيه للبقاء في ماليزيا، على فرض قادة الملايو التعدد العرقي للبلاد وقيامهم باعتماد سياسة الإقصاء وتصفية الحسابات.

أما السلوك الثاني فهو إدراك القيادة أنه وإنْ كان من المستحيل تغيير الاختلافات العرقية واللغوية والدينية، فإنه من الممكن إزالة الفوارق الاقتصادية، ولهذا وضعت سياسة اقتصادية تم بموجبها إعادة هيكلة الاقتصاد بهدف تحقيق توزيع أكثر عدالة للثروات القومية بين الجماعات العرقية المختلفة وتيسير دمج الملايو في الاقتصاد، لكن دون إفقار الصينيين والأعراق الأخرى.

إنها سياسة التمييز الإيجابي التي طبقتها ماليزيا قبل الولايات المتحدة بسنوات.

واستطاعت القيادة والنخب التوافقية أنْ تُجنب البلاد عدداً من الأزمات العرقية، بل وتنهض بها لتصبح، في عهد مهاتير محمد، من النمور الآسيوية..

وأشير هنا إلى أن النهضة الاقتصادية والتعليمية التي حققتها ماليزيا لم تتجاوز الإسلام، وإنما انطلقت منه على أساس فهم مهاتير محمد له الذي أكد على أنه يجب على المسلمين التمسك بالإسلام والنهوض من خلاله.

وهذا التمسك لا يعني التمسك بنموذج محدد - لأنه لا يوجد نموذج أو تفسير واحد للإسلام صالح لكل زمان ومكان - وإنما يعني، عنده، السعي لتحقيق أهداف الإسلام (مقاصده) عن طريق آليات لا تتعارض معه، واشتملت هذه الآليات الاستفادة من تكنولوجيا الغرب وقيم العمل والانجاز من شعوب الشرق.

ثانياً: كيف تعاملت الفلبين مع الوجود الأميركي على أراضيها؟

ظلت الفلبين تحت الاحتلال الإسباني لأكثر من ثلاثة قرون من منتصف القرن 16 حتى نهاية القرن 19 عندما أنهت الحرب الأميركية الإسبانية الوجود الإسباني لصالح الولايات المتحدة مقابل 20 مليون دولار دُفعت للإسبان عام 1898.

ثم ضَمّ مجلس الشيوخ الفلبين نهاية 1899، وشرع الأميركيون في بناء القواعد العسكرية وإرسال البعثات التبشيرية ووضع القوانين التي تقضي بالإعدام أو السجن المؤبد لكل من يطالب بالاستقلال.. وكان طبيعياً أن يبدأ نضال الفلبينيين ضد الاحتلال الذي خلّف مئات الآلآف من الضحايا..

ثم حصلت الفلبين على استقلالها عام 1947، لكن مع توقيع اتفاقية عسكرية تظل بموجبها الولايات المتحدة في عدد من القواعد العسكرية.

وفي ظل حكم الدكتاتور ماركوس، الذي كان يحكم بقوانين الطوارئ، اندلعت الكثير من المظاهرات ضد الوجود الأميركي أبرزها المظاهرات الطلابية التي اتجهت ضد ماركوس والولايات المتحدة في آن واحد.

وقد أدى تكتل المعارضة وتشكليها بديلاً ديمقراطياً بقيادة توافقية (أكينو) إلى تراجع الأميركيين عن دعم ماركوس ثم هزيمة ماركوس في أول انتخابات ديمقراطية عام 1986...

ثم وُضع دستور جديد أنشأ نظاماً سياسياً معبراً عن الجماهير، وكان طبيعيا أن تبدأ الحكومة المنتخبة في مفاوضات حول الوجود الأميركي في البلاد إلا أن مجلس الشيوخ الفلبيني رفض المفاوضات في النهاية، وطالب بخروج الأميركيين وتصفية كل القواعد العسكرية.. وقد اضطرت الولايات المتحدة إلى الإنسحاب وإغلاق آخر قواعدها عام 1992.

ثالثاً: ما الذي يمكن للعراقيين تعلمه من ماليزيا والفلبين؟

هناك على الأقل أربعة دروس:

- الحكومات المطلقة التي لا تستند إلى شرعية شعبية لا سند لها إلا الوجود الأجنبي، وماركوس اعتمد على الأميركيين؛ لأنه يعلم أن سلطته غير شرعية. أما الحكومة الديمقراطية المعبرة عن إرادة الشارع فكانت وحدها القادرة على إجبار الأميركيين على الخروج وتصفية قواعدها.. ومدة خمس سنوات من الحكم الديمقراطي في الفلبين (وليس الفرز الطائفي والتنافس المذهبي وتصفية الحسابات) كانت كافية لتصفية الوجود الأميركي بعد ما يقرب من قرن من الاحتلال والوجود العسكري.

- لا يحتاج العراق، في هذه المرحلة، تعددية حزبية تفرز أحزاباً متنافرة، وإنما يحتاج جبهة وطنية موحدة - عابرة للقوميات والطوائف والعشائر - تضم، على نمط منظمة (UMNO)، كل القوى الوطنية من العرب والأكراد، السنة والشيعة، المسلمين وغير المسلمين، وتتولى حكم البلاد، وذلك بالاستعانة بالتكنوقراط العراقيين المخلصين الذين لا ينظرون لأنفسهم بمنظار عرقي أو مذهبي، وما أكثرهم داخل العراق وخارجه. إنّ الوقت وقت بناء المؤسسات السياسية، والحفاظ على المقدرات البشرية والاقتصادية، وليس وقت التنافس الحزبي والانشقاقات والتحالفات والتحالفات المضادة.

- يحتاج العراق إلى دعم حكم القانون ودولة المؤسسات بعد عقود من الحكم الفردي، ويحتاج إلى ترفع نخبه الوطنية عن تحويل الصراعات السياسية إلى صراعات مذهبية وطائفية وعرقية، وإلى إدراك أنّ العراقيين جميعاً وبلا تمييز هم وحدهم الذين لديهم القدرة على تحويل بلادهم إلى دولة قوية، مع الحفاظ على تنوعهم المذهبي والعرقي والقبلي والعشائري وتحويله إلى عنصر قوة.

- الولايات المتحدة لا تخرج بإرادتها من أرض وطأتها أقدام جنودها، ولا تخرج بالدعاء ولا بالأمنيات. فعالم اليوم هو عالم القوة والمصالح ولا مكان فيه للنوايا الحسنة، لكن حيثما يوجد الاحتلال تولد المقاومة المسلحة التي تقوم بوظيفة أساسية هي رفع تكلفة الوجود الأجنبي.. ومن هنا فلا بديل في العراق عن دعم المقاومة المسلحة التي تتجه للاحتلال فقط وبكل الطرق الممكنة.

قوة العراقيين جميعا تعني قوة العراق في المنطقة والعالم، وضعف فئة من العراقيين يعني ضعفهم جميعاً في الداخل، وضعف العراقيين في الداخل يفتح البلاد أمام كل طامع من الخارج وما أكثرهم.. [فاعتبروا يا أولي الأبصار].


د. عبد الفتاح ماضي/ قسم العلوم السياسية – جامعة الإسكندرية

www.abdelfattahmady.net


ميدل ايست اونلاين

أضف تعليق