العراق والمخاض الجديد - عيدة المطلق
بعد أن فشلت إدارة بوش في تحقيق إنجاز ما، في حربها على العراق، راحت وهي في مرحلة غروبها الأخير تمارس ضغطا مكثفا لتحقيق إنجاز ما، يتجلى بتكبيل العراق بمعاهدة هي أقرب ما تكون لصك انتداب يقدمه بوش للناخب الأمريكي في هذه السنة الانتخابية الرئاسية على أمل أن يجدد الأمريكيون لرهط المحافظين الجدد فترة أخرى لاستكمال مسلسل العبث بمقدرات أمريكا والعالم.
لقد تم التمهيد لهذه الاتفاقية يوم (26/11/2007) بتوقيع ما سمي ب (إعلان مبادئ حول علاقة الصداقة والتعاون طويلة الأمد بين جمهورية العراق والولايات المتحدة الأمريكية)، إذ قيل وقتها إن هذا الإعلان سيكون إطارا لمفاوضات تبدأ في بداية عام 2008 على أن يتم إنهاؤها قبل 31 تموز/يوليو عام 2008 لإبرام "اتفاقية وضع القوات". ولعله من المفيد في هذا السياق الإشارة إلى أن هذه الصيغة من الاتفاقيات كانت الولايات المتحدة قد طورتها بعيد الحرب العالمية الثانية بهدف إضفاء السمة الشرعية والقانونية على احتلالاتها العسكرية، وقد طبقتها بنجاح في ألمانيا واليابان وكوريا الجنوبية وغيرها.
وبناء عليه فإنه من المتوقع ألا تخرج الاتفاقية المزمع إبرامها مع العراق كثيراً عن هذا الإطار، فقد كشفت صحيفة "الاندبندنت" في 6/6/2008 عن أبرز ملامح الاتفاقية العراقية الأمريكية ومنها: أن الولايات المتحدة تحتفظ لنفسها بحق استخدام أكثر من خمسين قاعدة في العراق لفترة طويلة، ويطالب المفاوضون الأمريكيون باستثناء القوات والمقاولين الأمريكيين من القوانين العراقية، وبإطلاق يدهم في الاعتقال والقيام بأنشطة عسكرية في العراق دون استشارة حكومة بغداد، وبحسب بنود الاتفاقية فإن واشنطن ترغب في السيطرة على المجال الجوي العراقي حتى ارتفاع 29 ألف قدم وحق مواصلة "الحرب على الإرهاب" ومنحها سلطة اعتقال أي شخص تريده وشن حملات عسكرية دون استشارة.
إذن فإن هذه الاتفاقية في حال إبرامها (وهي بالضرورة ستبرم لأنه ليس هناك من مؤشرات تفيد بإمكانية رفض الحكومة العراقية الحالية للشروط والإملاءات الأمريكية) تعني مباشرة ارتهان العراق وطناً وشعباً وثروات إلى احتلال طويل الأمد، وذلك من خلال وجود 400 موقع وقاعدة عسكرية، كما ستمنح سلطة الاحتلال حق تهديد أمن العراقيين بالاعتقال التعسفي والسجن خارج سلطة القضاء، ناهيك عما سيتمتع به الجنود والرعايا ومجرمو شركات الأمن الأمريكيون من حصانة ضد المساءلة والملاحقة القضائية، بما يعني تهديد الأمن والسلم الاجتماعيين وارتهانهما إلى مختلف شذاذ الآفاق الذين يتم استقدامهم معززين مكرمين من مختلف أوكار الجريمة في العالم.
إن العراق في ظل القادم من معاهدات واتفاقيات تطبخ في السر والعتمة مهدد بالوقوع في قبضة استعمار جديد، ليبقى إلى ما شاء الله منزوع السيادة والموارد والقرار والاستقلال مكبلاً بهمومه وشجونه وقيوده، غير قادر على القيام بأي دور وطني أو إقليمي، أو بعبارة أخرى شطب العراق كقوة إقليمية في المنطقة.
إن العراق أمام مخاض عسير، والإدارة الأمريكية في عجلة من أمرها فهي مصممة على إطالة أمد احتلالها العسكري لأجل غير محدد بغض النظر عما ستسفر عنه انتخابات الرئاسة الأمريكية في نوفمبر/تشرين الأول المقبل من نتائج، وسيتبين لنا قريباً إن كان هذا المخاض هو لحمل سليم أم لحمل كاذب، إنه المخاض الكاشف الذي سيكشف لنا الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر حين يتأكد الجميع أنه ليس للخيانة مذهب أو طائفة أو عِرق، كما أنه ليس للوطنية والمقاومة مذهب أو طائفة أو عِرق.
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
العراق والمخاض الجديد - عيدة المطلق
