هيئة علماء المسلمين في العراق

ليس الجنود فقط، ينتحرون!!.. عبد السلام حجاب
ليس الجنود فقط، ينتحرون!!.. عبد السلام حجاب ليس الجنود فقط، ينتحرون!!.. عبد السلام حجاب

ليس الجنود فقط، ينتحرون!!.. عبد السلام حجاب

عادة، الجنود يموتون على أرض المعركة ثم تعزف الفرق الموسيقية العسكرية ألحاناً خاصة بهم تحية لهم وتخليداً لذكراهم، لكن إحصائية رسمية أميركية كشفت النقاب مؤخراً عن صورة مأسوية مختلفة في دلالاتها السياسية والعسكرية والإنسانية. فقد أفادت بأن مئة وخمسة عشر جندياً أميركياً من أولئك العائدين من حرب بوش في العراق أقدموا على الانتحار خلال عام 2007 بطرق غير معروفة وفي أماكن لم يعلن عنها بعد في الولايات المتحدة الأميركية، وهو ما طرح أسئلة لدى أهل الجنود المنتحرين أنفسهم، كما لدى الرأي العام الأميركي، لن يكون بمقدور إدارة الرئيس دبليو بوش العسكرية والسياسية تقديم إجابات واضحة عنها في المدى المنظور على الأقل غير تلك التي تلقتها عائلات الجنود الأميركيين الذين سقطوا قتلى في العراق.

فضلاً عن تلك الأعداد غير المحددة من الجنود المعاقين جسدياً ونفسياً! التي تعكس حالة عقم في السلوك الأخلاقي والسياسي لتلك الإدارة، شهد العالم نماذج عنه في غوانتنامو وأبو غريب وبوكا والسجون الطائرة، فضلاً عن المجازر بحق المدنيين العراقيين التي تجاوزت أرقام ضحاياها المليون ونصف المليون، وهو ما يمثل انتحاراً وإن بصيغ متنوعة لمبادئ وقيم الحرية والديمقراطية ومواثيق الأمم المتحدة مثلما هو انتحار لسياسات الهيمنة والقوة وبسط النفوذ.

ولأن «السلوك ترجمان المعرفة» وأن «الفضائل تنشأ من العلم، والرذائل تنشأ من الجهل» فإنه ربما يقول السيد بوش - وهو الذي يعتقد زوراً أنه يتلقى هواتف إلهية -: لينتحروا.. فتلك مشكلتهم الخاصة!! إذ لا شيء يمكن أن يقف أمام تحقيق الأهداف الكبرى للسياسات الإستراتيجية بما في ذلك الدول أو الشعوب، غير أن ذلك لن يمنع سؤالاً يقارب الحقيقة إن لم يعكس تماماً الحقيقة بعينها: هل هؤلاء الجنود فقط هم الذين ينتحرون!؟ ثم إذا كان «الشر الأخلاقي معناه إنكار عملي لحالة حقيقية» أفلا يواجه هذا النوع من السياسيين حالة متقدمة باتجاه الانتحار السياسي بعد أن وضعوا هؤلاء الجنود وغيرهم في أتون تلك النهاية المأساوية التي فرضتها عناوين مضللة ومنهج سياسي مخادع خدمة لمشروع إمبراطوري يشكل الشرق الأوسط الكبير والصغير أبرز معالم فشله الذريع!!.

وبالتالي، فهل يمكن قراءة الصورة القاتمة التي خلفتها سياسات الرئيس الأمريكي دبليو بوش في منطقة الشرق الأوسط، وتحديداً في العراق وفلسطين ولبنان، التي اعتمدت وسائل الغزو والاحتلال وأساليب التضليل والخداع والابتزاز، إلا مؤشرات عملية فاضحة لانتحار سياسي بدأ عملية العد العكسي، فطالت آثاره السلبية أولئك الذين رهنوا أنفسهم وقدراتهم لتنفيذ أدوار صغيرة لخدمة سياسات دولة كبيرة لم تقل إنها جمعية خيرية!!، ولعل المرشح الجمهوري للرئاسة الأمريكية المقبلة جون ماكين قدم صورة أشد تعبيراً حين وجد نفسه محرجاً أمام ناخبيه عن صورة تجمعه مع الرئيس الأمريكي بوش!!

لقد فتح الناطق السابق باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان - الذي كان مقرباً من سيد البيت الأبيض الرئيس بوش - الباب على مصراعيه أمام توقعات مرجحة عن واقع الانتحار السياسي يمضي السيد بوش الابن على ايقاعاتها المتسارعة ربع الساعة الأخيرة من فترة رئاسته.

وذلك بعد أن كشف في كتاب أصدره مؤخراً الخلفيات والمضامين للسياسات المخادعة والمضللة التي انتهجها الرئيس بوش إزاء أشد القضايا خطورة وأهمية، وما نجم عنها من غزو واحتلال العراق في سياق مشروعه للشرق الأوسط الجديد المتماهي مع الأفكار المعتقدية الصهيونية والهذيان الديني الذي يلازمه، وهو ما سيفسح المجال لشخصيات سياسية وعسكرية وإعلامية أن تميط اللثام عن مسيرة سيد البيت الأبيض منذ أحداث 11 أيلول وما انطوت عليه من صفحات سرية أصابتها ثقوب كثيرة، فراحت تطرح إشارات استفهام بشأنها تجعل من المفيد استعادة ما عبر عنه جورج سوريل حيث قال: إذا بالغت في الكلام عن التمرد والعصيان، ولم يكن لديك أسطورة تحرك بها الناس فإنك لن تستطيع أن تحملهم على الثورة.

لقد بات من الواضح أن مسألة انتحار الجنود الأميركيين لم تكن حالة استثنائية معزولة عن حالات أخرى سبقتها وإن بأعداد أقل نسبياً، ما يعني تحمل الرئيس بوش وسياساته المضللة والمخادعة المسؤولية الأخلاقية والسياسية عنها.

وإذا كانت تأتي لتراكم على سياساته التي انتهجها بصورة فاضحة عقب أحداث 11 أيلول لتصب في المحصلة في خانة الانتحار السياسي المرتقب فإنها تختزن في ساعاتها وأيامها القادمة، رغم محدوديتها، احتمالات ساخنة قد تشكل مخرجاً يوفر فرصة النجاة من حالة الانتحار السياسي ولو على حساب شعوب بلدان أخرى.


واع

أضف تعليق