سلسلة عن ديمقراطية المحتل (5)الطفلُ العراقي في زمن الديمقراطيـة الأمريكية ...حسين الرشيد
من كان يظنُّ أنَّ ديمقراطية أمريكا التي جاءت بها إلى العراق ستطال الأطفال الذين صاروا بفعل همجية جنود الاحتلال وتصرفاتهم العنجهية جزءًا من مأساة العراق الكبرى وجرحه النازف، الذي لن يتوقف إلا بعد خروج المحتل الغاصب من أرض الرافدين المدنسة بأفعاله المشينة قتلاً وتخريبًا واعتقالاً وانتهاكًا للحرمات والمقدسات!!
لقد بانَ زيفُ الادعاءات التي كانت تتستر وراءها الولايات المتحدة الأمريكية، في تصدير الديمقراطية إلى المستضعفين من بلدان العالم، وصار معروفًا للقاصي والداني، والصغير والكبير، والعالم والجاهل أنَّ الحرية التي تنشدها إدارة البيت الأبيض للشعوب إنما تعني ذبح أبنائهم، وترميل نسائهم، واعتقال شرفائهم، وهتك أعراضهم، وتهجير علمائهم، ونهب ثرواتهم، وتيتيم وتضييع مستقبل أطفالهم، في انتهاكاتٍ واضحةٍ لحقوق الإنسان يندى لها جبين الإنسانية، وتجاوزٍ سافر لمواثيق الأمم والشعوب.
لعلَّ من الصعب جدًا تفصيل ما تعرض له الطفل العراقي في زمن الاحتلال وما سبقه من سني الحصار الظالم الذي فُرض على العراق، ومُنع بموجبه عن العراقيين عمومًا الغذاء والدواء، فضلاً عن منع حليب الأطفال عن الصغار والرضّع. ولكننا سنحاول جاهدين الإشارة إلى أبرز تلك التداعيات على سبيل التمثيل، من خلال سلسلتنا المتوالية في حلقات عديدة "العراق في زمن الديمقراطية".. فأقول:
لقد تسبب الحصار الذي فُرض على العراق ثلاثة عشر عامًا، ومن بعده غزو ظالم - بكل تداعياته وتبعاته - في وفاة عدد كبير منهم!! وقد كشفت دراسة صحية عراقية أعدتها منظمة "أنقذوا الأطفال" أنَّ معدل وفيات الأطفال تضاعف إلى 150% ، وأنَّ طفلاً من بين كل ثمانية أطفال في العراق يموت قبل أن يبلغ سنَّ الخامسة من عمره، بل إنَّ عام 2005 -على سبيل المثال- شهد وفاة 122 ألف طفل عراقي، حسبما أكدت عليه بعض الدراسات([1]).. وتعود أسباب زيادة عدد الوفيات بين الأطفال العراقيين -عمومًا- إلى ما يأتي:
(1) الحصار الظالم، الذي فُرض على العراق منذ بداية التسعينات، إلى الغزو الأمريكي، الذي أسفر عن احتلال البلاد عام 2003 ؛ وشمل الحصار منع الغذاء والدواء، وحتى حليب الأطفال ومستلزماتهم الضرورية.(2)
الغزو الأمريكي؛ الذي ترتّب عليه قصف همجي، وقتل عشوائي، طال العديد من الأسر البريئة، التي تتكون من عدد كبير من الأطفال في أغلب أحوالها... وما تعرضه شاشات التلفزة ومواقع الأنباء خير شاهد على ذلك.
(3) الأمراض المنتشرة في العراق، وتعود أسباب انتشارها إلى تداعيات الحصار، والتلوث البيئي الناتج بفعل الغازات السامة، التي استخدمتها - ولا تزال- قوات الاحتلال.. وكذلك النقص الحاد في الماء الصالح للشرب والاستخدام؛ إذ يعتبر النقص الحاد في المياه تهديدًا حقيقيًا للطفل العراقي، وسبّب مزيدًا من حالات الوفاة، وانتشار الأمراض المنقولة بالمياه وخصوصًا مرض "الكوليرا" في فصل الصيف، وقد أصدرت وكالة المعونة التابعة للأمم المتحدة العاملة في العراق قبل فترة بيانًا ذكرت فيه: أنه وبعد مرور أربعة أعوام على احتلال العراق، لا يزال الأطفال في البلد لا يجدون سهولة في الحصول على مياه نظيفة([2]).
وقد كشف المستشار الوطني للصحة النفسية بوزارة الصحة العراقية عن ارتفاع ملحوظ، وبنسبٍ كبيرةٍ للإصابة بمرض الكآبة عند الأطفال للأعمار ما بين 4 – 8 سنوات.. وتُعزى أسباب ذلك إلى الوضع المتردي، والمشاهد اليومية من جرائم العنف والقتل والتهجير، فضلاً عن المشاهد التلفزيونية المتكررة لمشاهد العنف، التي تؤثر بوضوح على سلوكيات الأطفال، مع عدم وجود مراكز ترفيهية وملاعب رياضية يمارس الأطفال فيها هواياتهم.
وحسب الإحصاءات، فإنَّ محافظتي بغداد والأنبار احتلتا الصدارة في عدد قتلى الأطفال؛ وبلغ عدد الأطفال الذين قتلوا - دون سنِّ الثامنة- في النصف الأول من عام (2007): 6800 طفل عراقي أو يزيد على ذلك([3]).
وقد أعلنت راديكا كومارا الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشؤون الأطفال قبل أيام: أنّ وضع الأطفال في العراق لا يُحتمل.. وقالت: "إنَّ كثيرًا من الأطفال تحت سن الثامنة عشر عامًا محبوسين في العراق، وكثير منهم في معتقلات مكتظة، ولا يحصلون على التمثيل القانوني المناسب" وأفادت بأنه "يوجدُ ما مجموعه 1500 طفل في الحبس، أصغرهم عشرة أعوام" وإنَّ من بين هؤلاء 500 طفل في سجون سلطات الاحتلال، والباقي في سجون الحكومة العراقية.
وإنَّ من المؤكد عليه أيضًا، أنَّ الطفل يواجه مزيدًا من الحالات التي لم يكن يعرفها المجتمع العراقي من قبل، تقفُ في مقدمتها الحالات الخلقية السيئة، كظاهرة "الاغتصاب" مثلاً، وقد أعلنت منظمة الطفولة العراقية أنها رصدت في عام 2005 وحده ما يزيد على 71 حالة اغتصاب، تعرض لها أطفال عراقيون لا تتجاوز أعمارهم عشر سنين، من قبل جنود الاحتلال الأمريكي([4]).
وترتبط بظاهرة الاغتصاب المشينة ظاهرة أخرى هي "ظاهرة الاتجار بالأطفال" بيعًا وشراءً.. وحتى تتضح الصورة أكتفي بذكر مثالٍ واحد، ذكرته بعض الصحف العراقية ومنظمات حقوق الإنسان، مفاده: بيعُ فتاةٍ من أطفال محافظة ذي قار بجنوب العراق، وهي يتيمة الأبوين، تم خطفها وبيعها لرجل من نينوى بشمال العراق، يبلغُ من العمر خمسين عامًا، وقد استطاعت الطفلة الفرار منه، وتسليم نفسها إلى شرطة الموصل، ليتبينَ - باعتراف الرجل نفسه - أنه اشتراها بمبلغ 700 دولار، وأنه كان يخدرها قبل أن يعتدي عليها جنسيًا([5])!!
أما حالة تشريد الأطفال وتهجيرهم؛ فإنَّ من المؤكد عليه أنَّ ما يزيد على مليون رضيع قد ولدوا بين منتصف 2006 و2007 ، بينهم نحو 40 ألف ولدوا لأسرٍ مهجرةٍ، تعيش في مخيمات أو في العراء.
ويمتاز المجتمع العراقي بعد الاحتلال الأمريكي في ظل الحرية المزعومة والديمقراطية الموهومة بارتفاع كبير في نسبة الأيتام في العراق، وقد تناولنا في وقت سابق حقيقة هذه المسألة وتفاصيلها وتداعياتها ومدى خطورتها بالأرقام والنسب.. ولعلَّ آخر تلك الفضائح التي تُدان بها المؤسسات الحكومية المعنية بهذا الشأن - فضلاً عن قوات الاحتلال- ما اكتشفته قوات الغزو الأمريكي من فضيحة ((ملجأ أيتام الحنان)) ببغداد.. وقد نقلت جريدة الأهرام المصرية في 23/4/2007: أن تقريرًا أمريكيًا أكّد أنَّ مأساة ملجأ الحنان للأيتام ليس إلا جزءًا ضئيلاً من مأساة إنسانية مروعة يعيشها الأطفال العراقيون، وجريمة محدودة ضمن جرائم أكثر هولاً وبشاعةً ترتكب بحق هؤلاء الأطفال.. وقال التقرير الذي أعدته مجموعة من المنظمات غير الحكومية والجماعات المناهضة للحرب: إنه إذا كانت القوات الأمريكية قد أنقذت24 طفلاً في هذا الملجأ، فإنها تسببت في إيجاد عشرات الآلاف من الأيتام، ومثلهم من القتلى والمشوهين من أطفال العراق، والذين لا يجدون من يرعاهم، أو يمد لهم يد العون بعد قتل ذويهم منذ بداية الغزو.
وكشف معدو التقرير عن أن القوات الأمريكية اكتشفت الملجأ قبل الإعلان عن ذلك بعشرة أيام كاملة، وأنها ظلت تتكتم علي الخبر انتظارًا لتوقيت مناسب يحقق أهدافًا سياسية ودعائية محددة تريدها، وقالوا: إن الجيش الأمريكي اختار أن يذيع الصور والتفاصيل المروعة عن حالة هؤلاء الأطفال في ذروة الهجوم الذي كان يشنه على معاقل الجماعات المسلحة للتغطية على العدد الكبير من القتلى العراقيين، وكذلك من الجنود الأمريكيين في المعارك الجارية، بالإضافة إلى محاولة استغلال تلك المأساة في تحسين صورة القوات الأمريكية المتهمة بارتكاب عشرات التجاوزات البشعة ضد العراقيين.
وأضاف التقرير: أن الغزو أدى إلى صعود هائل في عدد الأيتام العراقيين إلى الحد الذي لم يعد من الممكن معه استيعابهم في الملاجئ التي لا يزيد عددها على32 ملجأً، منها ثمانية في بغداد، وأنه نتيجة لذلك أصبحت الشوارع هي المأوى الوحيد لآلاف الأطفال المشردين حيث يتسولون أو يبيعون أشياء تافهة.. وقال: إن هؤلاء يظلون عرضة للانتهاكات الجنسية والمخدرات والعنف بكل صوره، وهي ظواهر لم يعرفها العراق قبل الغزو.
وأشار التقرير إلى أرقام أعلنها صندوق الأمم المتحدة للطفولة والأمومة اليونيسيف أوضحت أنَّ الأطفال يشكلون أكثر من نصف عدد اللاجئين والمشردين والنازحين العراقيين والذين يقدر عددهم بأربعة ملايين عراقي منذ بداية الغزو.
وامتاز الجانب العلمي والفكري وحدة الذكاء عند الطفل العراقي بالتدني الملحوظ، وهي من الظواهر التي شهدت تغيرًا بعد الغزو؛ بسبب فقدان الأمن، وسيطرة وحدات من جيش الاحتلال على عدد كبير من مؤسسات التعليم، وانتشار قواتهم في الشوارع، ما يسبب ذعرًا حقيقيًا عند الطفل، وبسبب ذلك تدني مستوى التعليم، وأدى إلى ترك الأطفال لمدارسهم بنسبة 22% وخاصة في المحافظات الساخنة، وقد قالت الممثلة الخاصة للأمين العام للأمم المتحدة لشئون الأطفال بأنّ النسبة المئوية للأطفال العراقيين الذين يذهبون إلى المدرسة هبطت من نحو 80% عام 2005م إلى 53% عام 2008م.. وانخفضت كذلك نسبة الذكاء عند الأطفال الذين ما يزالون يواصلون دراستهم؛ بسبب حالات الخوف والذعر، التي لا تكاد تفارقهم كل يوم([6]).
وعَمِلَ الاحتلال ومؤسساته – أيضًا- على استهداف الطفل فكريًًا وعقديًا استهدافًًا مباشرًا؛ ولم يكتفِ المغرضون بقتله أو تخريب نفسيته، بل راحوا يلعبون بدماغه ومزاجه، وقد كشفت هيئة علماء المسلمين في العراق عبر موقعها الرسمي " الهيئة نت " في 17/9/2007م تفاصيل تنصير أطفال المسلمين في العراق بالصور، وتتبنى الحملة منظمة أمريكية تنصيرية تدعى: ((معسكر الصليبيين العالمي من أجل المسيح))، ومقرها بولاية فلوريدا، وتزامن تبني تلك الحملة في وقت كانت تشن فيه حرب عنيفة لكل ما يمت إلى الإسلام بصلة في أوروبا.. وقد تضمنت تلك الحملة الرهيبة - وغير المسبوقة في تاريخ العراق - جمع التبرعات من أجل إيصال نسخ من الأناجيل والمطبوعات التنصيرية للعراقيين وخصوصًًا المسلمين منهم، بالإضافة إلى تزويد كل طفل عراقي مسلم بنسخة من "الإنجيل" وكتاب تنصيري وقرص مدمج مجانًا مع هدايا عينية!!
وكشفت الهيئة - ووسائلها الإعلامية المقروءة والمرئية والمسموعة- أيضًًا تفاصيل جريمة أخرى بحق أطفال العراق الجريح، وهو تورط مركز طبي يعمل فيه أطباء عراقيون وأمريكيون في المنطقة الخضراء، وعزمهم على إرسال مجموعة من أطفال العراق المصابين بأمراضٍ مستعصية في القلب لمعالجتهم في مستشفيات تل أبيب بالكيان الصهيوني الغاصب، ولا شك أنها خطوة مخجلة يرتكبها أصحابها في سياق فرض التطبيع على الشعوب فرضًا.. مع أنّ الكيان الصهيوني كان من المحرّضين على احتلال العراق وتدمير بنيته وحضارته، وله حضور ميداني طيلة سنيّ الاحتلال المنصرمة.
إنَّ مسئولية ما يلحق الطفل العراقي من مساوئ تقع على عاتق كل المسئولين، الذين يقفون على حكم العراق اليوم([7])، فضلاً عن تحمل قوات الاحتلال كل المآسي والمظالم التي تلحق بالعراقيين جميعًاً.
وسيسجل التاريخ تلك التجاوزات بحق أطفال العراق والمتسببّين فيها، وسيحاسبهم المخلصون من أبناء الرافدين على تلك التجاوزات، التي ينأى من لديه أدنى عقل أو يمتلك قطرة من ضمير التورط أو المشاركة فيها، فضلاً عن الوقوف ورائها.
وختامًا أقول: منذ دخول قوات الغزو إلى العراق واحتلاله قبل خمسة أعوام، ووتيرة القتل والدمار تزداد فيه.. وإذا كان أطفال العراق قد وجدوا أنفسهم ضمن دائرة المستهدفين المباشرين، وممن أُقحموا فيها ترغيبًا أو ترهيبًا، وحملوا حملاً على دخول دائرة الصراع السياسي الذي يعيشه العراق، فإنَّ يوم الخلاص الذي نطمع فيه سيأتي بلا ريب، وسيتخلص العراقيون - ومنهم الأطفال- آنذاك من شرور هؤلاء الطُغمة الذين يتحكمون اليوم بمصير البلاد والعباد.. ولا حلَّ في الأفق لمشكلات العراق التي تسبب فيها الاحتلال جميعًا سوى بخروج قوات الغزو من بلاد الرافدين، سائلين الله تعالى أن يكون قريبًا، وما ذلك على الله بعزيز.
----------------------------------------------------
[1] ينظر: جريدة الشرق الأوسط الدولية بعددها المرقم 10401 في 21/مايو/2007م.
[2] ينظر: جريدة الوطن القطرية، تقرير وكالة المعونة التابعة للأمم المتحدة بمناسبة يوم المياه العالمي في 22/آذار/2007م.
[3] وقد نصت على ذلك "جمعية الطفولة العراقية" في تقريرٍ لها، ينظر: الموقع الإلكتروني لنسيج الإخباري في 20/6/2007.
[4] الفوضى الخلاقة في العراق، لسعدون المشهداني منشورة على موقع البصرة الإلكتروني في 29/10/2006م.
[5] ينظر: مجلة الصوت الآخر، العدد 89 في 29/3/2006.
[6] وقد نصت على ذلك "جمعية الطفولة العراقية" في تقريرٍ لها، ينظر: الموقع الإلكتروني لنسيج الإخباري في 20/6/2007.
[7] جدير بالذكر أنَّ الحكومة العراقية موقعة على قانون حقوق الطفل الذي ينصُّ وحسب الإعلان العالمي لحقوق الإنسان بأن للطفولة الحق في الرعاية والمساعدة .. وتنصُّ ديباجة القانون بأنه قد شرع استنادًا إلى الحاجة إلى توفير رعايةٍ خاصة للطفل المذكورة في إعلان جنيف لحقوق الطفل لعام 1924 وإعلان حقوق الطفل الذي اعتمدته الجمعية العامة في 20 تشرين الثاني (نوفمبر) 1959 والمعترف به في الإعلان العالمي لحقوق الإنسان وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية (ولاسيما في المادتين 23 و24) وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية (ولاسيما في المادة 10) وفي النظم الأساسية ذات الصلة للوكالات المتخصصة والمنظمات الدولية المعنية بالطفل.
سلسلة عن ديمقراطية المحتل (5)الطفلُ العراقي في زمن الديمقراطيـة الأمريكية ...حسين الرشيد
