هيئة علماء المسلمين في العراق

سلطة مقطوعة الصلة بالمقاومة والتحرير.. ياسر الزعاترة
سلطة مقطوعة الصلة بالمقاومة والتحرير.. ياسر الزعاترة سلطة مقطوعة الصلة بالمقاومة والتحرير.. ياسر الزعاترة

سلطة مقطوعة الصلة بالمقاومة والتحرير.. ياسر الزعاترة

الذين صاغوا منظومة السلطة الفلسطينية منذ إنشائها بعد اتفاق أوسلو عام 93 لم يكونوا أغبياء، فقد صمموها على نحو يخدم برنامجهم ومصالحهم. وحين حاول ياسر عرفات رحمه الله بعد كامب ديفيد أن يجعلها سلطة تخدم المقاومة، ولو في الحد الأدنى على أمل تحسين شروط التفاوض ضمن ذات الهدف الذي تمثله قرارات ما يسمى الشرعية الدولية، كانت النتيجة المعروفة التي ساهم فيها ذات الفريق الذي يتحكم بالوضع هذه الأيام.

هل تذكرون حكاية تعيين رئيس وزراء بصلاحيات حقيقية التي اشترطها الإسرائيليون والأمريكان على عرفات، والذي كان هو ذاته الرئيس الفلسطيني الحالي (محمود عباس)، إلى جانب وزير المالية المعين بالاسم (سلام فياض) الذي أنيطت به مهمة الحيلولة دون استخدام أموال المانحين في دعم أنشطة المقاومة إضافة إلى تسليم مهمة الأمن الداخلي إلى محمد دحلان؟!

كان بنيان السلطة يقوم على قاعدة تحويل الثوار إلى رجال أمن يمنعون المقاومة، ويطاردون رجالها أو إلى جحافل من الموظفين الذين ينتظرون رواتبهم ومخصصاتهم آخر الشهر، بينما يجري تحويل أعداد كبيرة من القادة إلى سماسرة ورجال أعمال يحرصون على مصالحهم واستثماراتهم التي تتعارض مع منظومة الثورة والتحرير.

منذ مجيء الفريق الجديد إلى سدة القيادة على أنقاض عرفات، عادت السلطة للوفاء ببعض التزاماتها، لكن الموقف بدا أكثر وضوحاً بعد الحسم العسكري في قطاع غزة منتصف حزيران الماضي، حيث تدفقت المعونات من جديد بعد توقفها منذ تشكيل حماس لحكومتها بعد انتخابات مطلع العام 2006.

هكذا عادت السلطة إلى طبيعتها الأصيلة، ليس من الزاوية المالية فقط، ولكن الأمنية أيضاً، ففي السياق الأول عادت إلى دورها كمشغّل أساسي للقوى العاملة، حيث تدفع شهرياً ما يقرب من 120 مليون دولار، إضافة إلى إعادة أجواء الثقة بالاستثمار والتعامل مع حركة المال كما لو كانت دولة مستقرة بالكامل، وليست مناطق خاضعة للاحتلال الكامل.

هذا السياق المتعلق بالتعامل مع الحالة الفلسطينية كدولة قائمة تأكد مرة أخرى خلال مؤتمر الاستثمار الذي عقد مؤخراً في بيت لحم بموافقة إسرائيلية، وأسفر عن مشاريع بقيمة مليار و400 مليون دولار، معظمها ذات صلة بدولة مستقرة، وليس بمنطقة خاضعة للاحتلال، وينبغي أن تمارس المقاومة من أجل التحرر.

الجانب الأمني هو الدليل الثاني على إرادة الخروج الكامل من مرحلة الثورة والمقاومة إلى مرحلة الدولة بصرف النظر عن شكلها ومضمونها، وهنا يشرف الجنرال الأمريكي «كيث دايتون» على عمليات تدريب قوات الأمن الفلسطينية في مصر والأردن التي يجري تسليمها بالتدريج مهمات الأمن في المدن الفلسطينية، كما وقع في مدينة نابلس ثم في جنين التي تعد أهم معاقل المقاومة، بينما يؤكد قادتها (أعني أجهزة الأمن الفلسطيني) نوايا التصدي لأي سلاح غير سلاح «الشرعية»، وهو ما أكده مراراً وتكراراً رئيس الوزراء سلام فياض، فيما نعلم أن قوى الأمن الفلسطينية المذكورة لا تغادر مقراتها عندما يقرر الجيش الإسرائيلي الدخول في «نزهة عابرة» لاصطياد عدد من رجال المقاومة، ليس لأنهم أطلقوا عليه الرصاص، ولكن لأنهم أطلقوه من قبل، أو يفكرون في إطلاقه مستقبلا!!

حتى الذين سلّموا أسلحتهم، وانسجموا مع الوضع الجديد لم يسلموا من المطاردة، اللهم إلا من كان منهم يمارس الزعرنة والاستعراض وليس المقاومة الحقيقية، وهؤلاء لن يجري دمجهم في أجهزة الأمن التي سيتم اختيارها من الأوفياء للسلام ومنظومته وليس من فكروا ذات يوم بالنضال.

وقد ذكرت بعض المصادر أن الذين يجري اختيارهم للأجهزة الجديدة (من العسكر العاديين) غالباً ما يكونون من غير المتعلمين ممن يؤمّل أن يمنحوا الولاء للجهة التي توظفهم وتدفع رواتبهم، تماماً كما يحدث في سائر الأجهزة الأمنية في العالم الثالث.

لذلك كله لم تساورنا الشكوك في يوم من الأيام حيال خطأ الاعتقاد بعملية ديمقراطية تحت الاحتلال، فضلاً عن المشاركة فيها كما فعلت حماس، كما لم تساورنا الشكوك في حقيقة أن هذه المرحلة هي مرحلة التسوية أو أوسلو الثانية، بصرف النظر عن مسمّاها، وإن ترجح مسار الدولة المؤقتة، سواءً بقي أولمرت أم رحل؛ لأن عنوان المسيرة الحالية هو الرفض المطلق للمقاومة المسلحة.

وحين يكون الوضع كذلك في سلطة هي أشبه بدولة من ناحية الهياكل العامة، فإن الوضع لن يتغير سواءً سميت مؤقتة أم بقيت على حالها تمارس سلطاتها، ومن ضمنها التفاوض مع «الجار المتعنت»، ولكن المدعوم من الأطراف التي تقدم المال وتدرب رجال الأمن على حماية المواطن، أما الوطن فقصة أخرى بالغة التعقيد تترك للزمن!! .


جريدة السبيل الاردنية

أضف تعليق