عُقِدَ في العاصمة السويدية ستوكهولم يوم الخميس الماضي مؤتمر \"المراجعة السنوية للعهد الدولي مع العراق\", وكان الهدف المعلن للمؤتمر هو: تقييم التقدم الذي تحقق في تنفيذ \"خطةٍ للسلام والتنمية\" التي اتفق عليها في اجتماعٍ عُقِدَ بمصر العام الفائت للمساعدة في \"إعادة إعمار العراق\" بعد أكثر من خمس سنوات عجاف من غزوه واحتلاله بشكل مخالف للقوانين الدولية.
تُعَدُّ المؤتمرات المتعددة التي عقدت لتناول المسألة العراقية مُحَاوَلَاتٍ أمريكية للخروج من المستنقع العراقي، وتغطية الكوارث والمآسي التي سببتها واقترفتها في البلد المنكوب بغطاء دولي.
فبعدما أتمت الولايات المتحدة احتلال العراق في عام 2003، وتوهمت تحقيق نصر سهل، وظنتْ أنّ مهمتها هناك قد أُنْجِزَتْ, اتخذ البنتاجون قرارًا بمنع الدول التي عارضت الغزو الأمريكي أو لم تشارك فيه من المنافسة على عقود "أعمار العراق".
وسمح القرار الأمريكي وقتها لشركات من الولايات المتحدة والبلدان التي شاركت مع قوات "التحالف" بالتنافس على العقود التي شملت مجالاتٍ مثل النفط والطاقة والاتصالات والإسكان.
وقال المتحدث باسم البنتاجون لاري دي ليتاحينها: إن واشنطن كانت تأمل في أن تنضم المزيد من الدول إلى قوات "التحالف" في العراق، مضيفا: أنّ أية دولة ستنضم "للتحالف" سيكون من حقها المنافسة على عقود "إعادة الإعمار".
كما قال المتحدث باسم البيت الأبيض سكوت ماكليلان آنذاك: إن بوش يؤيد منح تلك العقود للدول الحليفة, مشددا على أن هذه الدول كانت معنا منذ اليوم الأول.. هذه الدول ساهمت بقواتها، وقدمت تضحياتٍ، ولهذا السبب اتُّخِذَ هذا القرار.
وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس قالت عشيةَ مؤتمر ستوكهولم: إنّ على الدول الأخرى المساهمة في "إعمار العراق" الآن خاصةً بعد "تحسن الوضع الأمني", وأن العراق في موقف "مختلف بشكل أساسي عما كان عليه قبل عام", فالموقف الأمني "تحسن"، ولديه برلمان عامل، وعلاقات أعمق مع جيرانه.
لكن رايس أوضحت أن العراق ما زال بحاجة الى مساعدة العالم، وأن هذا العمل لم يُنْجَزْ، وعلى المجتمع الدولي أن يقف إلى جوار العراق وهو "يواصل التحرك قدما".
وأضافت: ان على مؤتمر ستوكهولم أن يلحظ، ويسجلَ "التقدم الذي أُحْرِزَ في العراق"، مشيرةً إلى تراجع مستويات العنف بدرجة كبيرة هذا العام.
رايس قالت: إن أمام العراق - في الجانب الناقص من المعادلة - الكثير من "العمل لمحاربة الفساد"، وهو بحاجة إلى تمرير قانون يحكم قطاع الهيدروكربون.
إن المقارنة بين مَوْقِفَيِ الإدارة الأمريكية باحتكارها ومَنْ ساهم معها في جريمة غزو واحتلال العراق بعقود "الإعمار" بُعَيْدَ سقوط النظام العراقي, ودعوتها الآن الدولَ الأخرى للمساهمة في "إعمار العراق"، ودعم العملية السياسية التي كانت من إنتاج وإخراج الاحتلال, تُظْهِر أن هذه المواقف المتأرجحة تفتقر للقِيَمِ والمبادئ الأخلاقية, وأن التوجهات والتحركات الأمريكية في العراق - كما في غيره - محكومةٌ بالمصالح المادية وبموازيين القوى.
الأمر المثير للاستغراب أن الإدارة الأمريكية - وعلى الرغم من انفضاح أكاذيبها في العراق، والنتائج الكارثية لاحتلالها له - ما تزال تتعامل بفوقيةٍ واستعلاء مع دول العالم, فالوزيرة الأمريكية تطلب من مؤتمر ستوكهولم أن يلحظ، ويسجل "التقدم الذي أحرز في العراق". والجانب الناقص في المعادلة العراقية بحسب رايس, هو "محاربة الفساد" وتمرير قانون يحكم قطاع الهيدروكربون.
متغافلةً عن الفساد المستشري في العراق الذي هو من إفرازات الاحتلال الأمريكي، ومن صنيعة سياسيي الاحتلال الذين جاءوا بركابه, وموضوع الهيدروكربون وتمرير قوانينه هو حاجة أمريكيةٌ أكثر منها عراقية..
إن رايس تتهرب من الحديث عن النفط الذي كان أحدَ أهداف الغزو الرئيسة، وتسميه بتسمية علمية لم نَعْهَدْهَا من السياسيين والاقتصاديين من قبل!.
حاجة العراق الحقيقة هي في جلاء الاحتلال عن أراضيه واعتذار المحتل له, وتسديده تعويضاتٍ عن احتلاله وتدميره لبنيته التحتية, ولمقتل نحو مليون مواطن، وتشريد أكثر من ستة ملايين عراقي بين لاجئ ونازح, وعن نشره للدمار والخراب وثقافة الطائفية والموت والقتل.
الاسلام اليوم
الاحتلال الأمريكي والمؤتمرات الدولية.. د. ياسر سعد
