عندما تعقد امريكا اتفاقاً مع الحكومة \"العراقية\" فان هذا يعني انها تعقد اتفاقاً مع نفسها شبيه بكل الاتفاقات السابقة مع السلطة \"العراقية\" المرتبطة مع الاحتلال.
وقد كانت تشكيلات الحكم الاداري الذاتي داخل العراق في كل المراحل السابقة وعلى مدى اكثر من 5 سنوات ادوات مباشرة في خدمة مخططات وسطوة الاحتلال الامريكي.
وعندما تدعو امريكا العرب لاقامة علاقات دبلوماسية مع العراق لتغطية الاحتلال من جهة ولدعم الحكومة المرتبطة بهذا الاحتلال من جهة اخرى، وهذه اهداف غير ملحة، والا لكانت طالبت بها امريكا في الماضي، لكن مع الافتراق التكتيكي بين واشنطن وطهران في الملف العراقي وتضارب المصالح، ومحاولة ايران تحريك بعض الجماعات للضغط على امريكا ومساومتها لجأت امريكا الى السعي لتوظيف دور عربي داخل العراق لمواجهة ايران التي ساعدت امريكا في احتلال العراق كثيراً، لكن ذلك وفق الحسابات الامريكية لا يعني ان تُعطي لايران دوراً او حصة.. الخ.
ولا يخفى ان كل السياسات والتحركات الامريكية تجاه العراق تنصب على تكريس الاحتلال والتغطية على الفشل والارتباك الذي خلقه تورط امريكا باحتلال العراق.
ولسنا نحن الذين نتحدث عن الكارثة التي احاقت بامريكا والعالم نتيجة غرق امريكا في المستنقع العراقي، فكبار الساسة والمفكرين والكتاب في امريكا باتوا يتحدثون عن هذه الكارثة.
وهنالك اليوم شبه اجماع بين كبار المفكرين والسياسيين في امريكا على ان الحرب أضرت بمكانة امريكا بمن فيهم بعض الذين تحمسوا للحرب مثل صموئيل هنتنجتون صاحب نظرية صراع الحضارات الذي يرى اليوم ان حرب امريكا على العراق قد اجهضت حلم امريكا الامبراطوري عبر الاساءة البالغة باستخدام القوة والتشدد والتطرف والعنف الذي اصبح سمة الادارة الحالية.
وما نريد تأكيده هو ان هذه الحرب المستمرة على العراق والتي مر عليها اكثر من 5 سنوات مع ما تحمله من تشبث بتكريس الاحتلال ومع ما خلقته من تأثيرات لزعزعة الامن والاستقرار في المنطقة ومحاولات تمزيقها وضربها من داخلها ومن خارجها، هي حرب تركت تأثيراتها السلبية على كل العالم بما في ذلك امريكا، وربما تكون امريكا في مقدمة الدول التي ستنعكس عليها هذه الحرب سلبيا، واذا كان هنالك مخاوف لدى شعوب المنطقة بان الحرب الاستباقية هي حرب عدائية تهدف الى دمار المنطقة.
والوجه الآخر لهذه الحرب هو ان امريكا ستدفع ثمن هذه السياسات الشريرة، وقد يقال ان كلامنا كعرب وكمسلمين تمنيات، ولكن الكلام الذي يدور في العالم وفي امريكا بشكل خاص يؤكد حقيقة هزيمة امريكا.
وكما اشرنا فان قراءة الواقع ليست محصورة بردود الفعل الشعبية، فالمفكرون الاستراتيجيون الكبار في امريكا يجزمون بفشل السياسة الامريكية واخطارها على امريكا نفسها.
فبالاضافة الى هنتجتون فان فرانسيس فوكوياما يقول: ان فكرة ان امريكا يمكن ان تستخدم ببساطة قوتها المهيمنة لصياغة العالم بصورة كاملة هي وهم، واذا كان العراق قد علمنا شيئا، فهو انه ليست هناك طرق مختصرة لبلوغ الاهداف الانسانية الكبرى.
اما المفكر السياسي ومستشار الامن القومي في عهد كارتر فقد كتب مقالا في ذكرى مرور اكثر من 5 سنوات على الحرب، ومما جاء في مقال زبغنيو بريجنسكي قوله: قبل نحو ستين عاما استنتج ارنولد توينبي في عمله الضخم «دراسة التاريخ» ان السبب الرئيسي وراء الامبراطوريات هو «الحكم الانتحاري».. ولسوء حظ مكانة جورج دبليو بوش في التاريخ - وأهم من ذلك لسوء حظ مستقبل امريكا - تنطبق هذه العبارة الصائبة اكثر على السياسات التي تتبعها الولايات المتحدة منذ زلزال 11 ايلول.
وهكذا نرى ان المسألة ليست ردود فعل عاطفية او غوغائية كما يصف الرئيس بوش انقلاب الرأي العام عليه، فهنالك حقائق دامغة يوردها كبار السياسيين ومنهم بريجنسكي كما أشرنا.
وقد وصلت الاحتجاجات والرفض لسياسات بوش الى حد ان السناتور الديمقراطي راسل فيانغولد تقدم بمذكرة تحظى بتأييد الديمقراطيين تطالب بحجب الثقة عن بوش، وهو أمر نادر الحدوث في الحياة السياسية الامريكية.
وقد تكون للسياسيين حساباتهم، ولكن عندما يقدم اكبر ثلاثة مفكرين في امريكا اطروحات تدين السياسة الامريكية تجاه العراق والمنطقة فان ذلك ليس انفعالاً او ردة فعل، وانما هو دراسات معمقة وتعبير عن رؤية فكرية انسانية اخلاقية، وكذلك سياسية لما يجب ان يكون عليه الموقف.
ولا يختلف اثنان على ان هنتنجتون وفوكوياما اللذين أشرنا الى شهادتهما في المسألة العراقية هما بالاضافة الى نعوم تشومسكي اكبر ثلاثة فلاسفة ومفكرين وأبرز ثلاثة منظرين سياسيين في امريكا.
ومن الشهادات المهمة شهادة تشومسكي التي تضمنها كتابه الاخير تحت عنوان «طموحات امبريالية»، واقتطف من الكتاب هذا النص: لقد انطلقت الحملة على العراق في العام 2002 بحجة انه يمثل تهديداً وشيكاً لامن الولايات المتحدة، وتحت شعار «علنا ان نوقفهم الآن والا دمرونا غداً».
كانت حينذاك نسبة الامريكيين الذين يعتقدون ان العراق يشكل تهديداً لامن امركيا لا تتجاوز 3 %، واصبحت هذه النسبة بفضل الاعلام 60 % على الرغم من ان الكويت وايران، وهما البلدان اللذان غزاهما العراق، لم يعودا يعتبرانه تهديداً لأمنهما نتيجة العقوبات المفروضة عليه التي قتلت مئات الآلاف من شعبه، واصبح يملك اضعف اقتصاد وأضعف قوة عسكرية في المنطقة بينما بقي الامريكيون يخشون العراق، وكان ذلك انجاز الدعاية الحقيقي.
لقد ولّدت الدعاية مصطلحات أخذت تكررها حتى أخذت معاني اخرى، فاسم الحرب على افغانستان اصبح «الحرية المطلقة» والمحارب الآخر «محارب غير شرعي»، والاضرار المدنية «اضرار جانبية»، كذلك اتخذ الارهاب ذريعة لا توصيف لها.
ويذكرنا المؤلف بهتلر الذي قام بتقطيع أوصال تشيكوسلوفاكيا، وكان ذلك مصحوباً بخطاب رائع عن "احلال السلام" بين المجموعات الاثنية المتنازعة، والحرص على "العيش بسعادة" تحت الاشراف الالماني اللطيف؟؟!!.
ويذكرنا ذلك بفرنسا التي كانت تقوم بمهمة "تمدين" الجزائر فيما يبيد وزير حربيتها شعبها، وكذلك قام اليابانيون الذين كانوا "يضحون بأنفسهم لانشاء جنة على الارض وحماية الصين من العصابات الشيوعية" بارتكاب المذابح.
واذا كانت الامبراطورية الامريكية ليست كالامبراطوريات الغابرة التي قامت على المستعمرات والفتح، فهي مثلها تحمل الادعاءات نفسها التي تجمّلها الاسواق الحرة وشعارات حقوق الانسان والديمقراطية، وتفرضها اضخم قوة عسكرية شهدها العالم على الاطلاق.
ان النظام الاخلاقي للحرب هو ان الخاسر يحاكم كمجرم حرب، فما الذي يجعل الحرب غير اخلاقية اذا خسرت واخلاقية اذا ربحت؟
يقول بوش: «ان الذين يؤوون الارهابيين مذنبون بقدر ذنب الارهابيين انفسهم». لذا اعطى لنفسه الحق بمهاجمة الدول التي تؤوي "الارهابيين"، وصنّف الكثيرين في خانة الارهاب.
لكنه في نهاية السبعينات كانت الولايات المتحدة تؤوي الارهابيين الكوبيين الذين كان بعضهم يقوم باعمال ارهابية على الارض الامريكية حتى ان احدهم فجّر طائرة شركة كوبانا التي قتل فيها 76 شخصاً، وقد منحه جورج بوش الاول عفواً رئاسياً، كما انها تؤوي الارهابيين الفنزويليين الذين نجحوا في إقصاء الرئيس شافيز عن الحكم بضعة ايام في سنة 2002، وهذا ايمانويل كونستنت المسؤول عن مقل خمسة آلاف هاييتي يعيش سعيداً في كوينز بولاية نيويورك؛ لان الولايات المتحدة ترفض طلب استرداده؟؟!!.
يخلص المؤلف الى ان المبدأ الموجه للتاريخ الامريكي هو ان الامن لا يكتسب سوى عن طريق التوسع. واننا في زمن التوسع الاقتصادي الذي يعود بالنفع على فاحشي الثراء، وبالضرر على الناس العاديين الذين اصبحوا يعملون مدة اطول، وقلت المنابع التي يحصلون عليها.
واخيراً فان ما يقوله تشومسكي هو صحيح ومؤثر ايضاً، فالمتضرر من هذه السياسات هم الناس العاديون اي الشعب الامريكي في غالبيته المطلقة، هذا بالاضافة الى الضرر الذي يصيب كل العالم، ومنطقتنا المستهدفة في مقدمته.
الدستور الاردنية
جريمة احتلال العراق وتداعياتها الكارثية.. راكان المجالي
