منذ آذار الفائت والمفاوضات \"العراقية\" الأمريكية الحثيثة تدور في غرف مغلقة من أجل التوصل إلى اتفاق ـ معاهدة أمنية تحل محل التفويض الأممي الذي \"يشرعن\" الوجود الأمريكي في العراق الذي من المقرر أن تنتهي صلاحيته بانتهاء العام الحالي.
لكن أحدا لا يعرف بالضبط مضمون الاتفاق الذي يجري التفاوض بشأنه ولا المجالات التي سيغطيها، وإن كانت الترجيحات تتحدث عن "تنظيم" بعيد الأمد للوجود العسكري الأمريكي في العراق بما في ذلك إقامة قواعد عسكرية ثابتة في بلاد الرافدين فضلا عن ترتيبات دفاعية وتسليحية وتدريبية مشتركة.
قبل أن يرى الاتفاق النور أو يتسرب عنه ما يكفي من المعلومات كانت إيران تعلن على لسان أكثر من مسؤول رفضها له ودعوتها العراقيين لمقاومته وإحباط مراميه، وآخر تلك الدعوات صدرت عن علي لاريجاني رئيس البرلمان الجديد والرجل الذي سيزاحم أحمدي انجاد على كرسي رئاسة الجمهورية العام المقبل، وقد صدر كلام مماثل عن مسؤولين حكوميين آخرين فضلا عن مرجعيات دينية من طراز آية الله كاظم الحائري المرجع الذي يقلده كل من مقتدى الصدر وحسن نصر الله وأحمد خاتمي وغيرهما.
ولا أدري كيف يمكن لاتفاق أمني من هذا النوع أن يمر أو تتواصل المفاوضات بشأنه في الوقت الذي يعلن فيه آية الله السيستاني بأن اتفاقا كهذا لن يمر ما دام على قيد الحياة، وفي الوقت الذي يعلن فيه كل من التيار الصدري وجماعة الحكيم رفضا مماثلا بلغ حد الخروج بمظاهرات في الشوارع ضد الاتفاق، وفي الوقت الذي تؤكد هيئة كبار العلماء المسلمين ومن خلفها عشرات المنظمات والمجاميع السنية، رفضها المطلق للاتفاق.
إن سؤالا مثيرا للانتباه يقفز إلى أذهاننا فورا: إذا كانت القوى العراقية الرئيسية - باستثناء الأكراد - ترفض الاتفاق، فمن هي القوى التي تفاوض الأمريكيين بشأنه؟! هل ثمة "حكومة ظل" في بغداد لا تكترث بمواقف ثلاثة أرباع العراقيين على الأقل؟!! وهل يمتلك الأكراد كل هذا الوزن والثقل في تقرير وجهة السياسة العراقية وفي صناعة القرار السياسي العراقي؟!!
في ظني أننا نقترب تدريجيا من حافة مواجهة سياسية مركبة وعابرة للطوائف والمذاهب في العراق إذ لأول مرة منذ خمس سنوات قد يلتقي السنّة والشيعة حول "قضية جوهرية" واحدة هي رفض الاتفاق أو المعاهدة الأمنية مع الولايات المتحدة، ولأول مرة منذ خمس سنوات أيضا تلتقي غالبية الشيعة العرب بمراجعهم السياسية والروحية عند هدف واحد: إحباط مسعى واشنطن و"حكومة الظل القوية" في بغداد لفرض اتفاق أمني لا يريده العراقيون، ولأول مرة يدخل "حزب الله" اللبناني على خط الأزمة، ومن موقع مناهضة العملية السياسية، ومن بوابة رفض الاتفاق الأمني مع الولايات المتحدة، كما يمكن أن يقرأ خطاب حسن نصر الله في العيد الثامن للمقاومة والتحرير، وهي ذاتها البوابة التي دخل منها آية الله محمد حسين فضل الله على الأزمة العراقية بموقف مماثل لمواقف الحائري والسيستاني وخاتمي.
إذن نحن أمام تطور لافت للانتباه يمكن أن يعزز "السلم الأهلي" في العراق الذي تحسن بالفعل على أرض الواقع من زاوية أولى، ويمكن أن يرفع منسوب الرفض والمقاومة بأشكالها المختلفة للوجود الأمريكي من زاوية ثانية، ويمكن أن يعجّل في طرح ملف الانسحاب الأمريكي من العراق على مائدة الإدارة المقبلة من جهة ثالثة.
وقد تجد واشنطن نفسها أمام أول الانقلابات الكبرى في مواقف حلفائها في العراق، وهو الانقلاب الذي توقعه كثيرون ونحن من ضمنهم، وإن كنا انتظرنا أن يحدث قبل اليوم ببضع سنوات على الأقل.
الدستور الاردنية
مع من تتفاوض واشنطن في العراق؟!.. عريب الرنتاوي
