هيئة علماء المسلمين في العراق

سلسلة عن ديمقراطية المحتل(4)ديمقراطية انتهاك المقدسات في العراق...حسين الرشيد
سلسلة عن ديمقراطية المحتل(4)ديمقراطية انتهاك المقدسات في العراق...حسين الرشيد سلسلة عن ديمقراطية المحتل(4)ديمقراطية انتهاك المقدسات في العراق...حسين الرشيد

سلسلة عن ديمقراطية المحتل(4)ديمقراطية انتهاك المقدسات في العراق...حسين الرشيد

سلسلة عن ديمقراطية المحتل(4)ديمقراطية انتهاك المقدسات في العراق...حسين الرشيد منذ أن وطأت أقدام المحتلين ثرى العراق الطاهر، وكل شيء في هذا البلد الصابر يتجه نحو الخراب والفوضى والدمار... حتى شهد البلد فصولاً متوالية من فصول المهازل التي كان يسمع بها أو يقرأ عنها، مما دُوِّن بحق البلدان التي ابتلاها الله تعالى فوضِعَتْ على صفحات الدول المنكوبة أو المتخلفة.
فمن الخراب السياسي والتصارع على كرسي السلطة والحكم، مرورًا بالانفلات الأمني الذي أصبح السمة الأبرز على ساحة البلد، وانتهاءً بالانتكاسة الاجتماعية والاقتصادية التي تُلقى تبعاتها على كاهل المواطن العراقي، الذي أصبح يقاسي جميع أنواع البلاء والعذاب في بلد الثروة والخير، والذي كانت شعوب المنطقة - بل العالم أجمع- تزخر بفضله، حتى غدا العراق نموذجًا للتردي السياسي والأمني والاقتصادي والاجتماعي والعلمي.
كل هذه الأفاعيل التي ساهم في صنعها الاحتلال وعملاؤه لم تكفهم.. .بل راحوا يبحثون عن وسائل أو غايات، وإن شئت فقل عن أسباب؛ من أجل أن يؤصّلوا نوع الحرب التي أشعلوها في بلاد الرافدين، فتسهم تصرفات جنود الاحتلال الهمجية وأفعالهم العدائية في تأصيل المفهوم المنحطّ -الذي سنتطرق إليه بعد قليل - من خلال ما يقومون به من إهانة وانتهاك لشعائر الإسلام الخالدة في العراق.. ليتضح للعالم أجمع أنَّ من مفاصل الديمقراطية التي أهداها البيت الأبيض للعراقيين هو "انتهاك حرمة مقدساتهم" والمساس الحقيقي بمشاعرهم، ومحاولة إذلالهم وإلحاق أقسى أنواع العذاب بهم.
حديثنا هذه المرة في سلسلتنا المتوالية "العراق في زمن الديمقراطية" يأتي عما تتعرّض له المساجد ودور العبادة، وما يتعرض له المصحف الشريف في العراق من انتهاكات سافرة من قبل جنود الاحتلال، باعتبارهما أهم مقدسات ديننا العظيم.
لقد قلت في مناسبة سابقة إنَّ المسجد قد أدى رسالة عالمية في نشر تعاليم الإسلام، وكان أحد الركائز التي قام عليها ديننا العظيم، وكان المسجد في القرون الأولى المدرسة والتاريخ والحضارة ومكان الإصلاح والتداوي والتدريب، وهو ملتقى التعارف والأخوة، بل هو كل شيء في حياة المسلم.. ولذلك أدرك الأعداء هذه الرسالة المباركة، وبالتالي كثرت المعسكرات والمؤسسات المعادية له، ولما يقوم به من رسالة في الإسلام.
وإذا رجعنا إلى بداية الاحتلال الأمريكي للعراق قبل خمسة أعوام من الآن نجد أنَّ إقبال الناس على المساجد كان إقبالاً منقطع النظير؛ لأنهم أدركوا أنه المأوى الحقيقي الذي تجد فيه نفوسهم الراحة والطمأنينة، على اعتبار أنه مكان العبادة والصلاة.
ومن طبيعة البلد التي تحتل أرضه، وتنتهك حرماته، وأن يُستهان بشعائره ومقدساته.. وفي الوقت الذي جاءت جيوش الاحتلال الجرارة بدعوى تحرير العراق!! كذبًا وبهتانًًا، إذا بها باسم التحرير والديمقراطية تتعدى اعتداءً صارخًا على مقدسات البلد وشعائره الدينية.
وليس ذلك بغريب على معسكر الشرك والإلحاد، وبالمقارنة بين ما فعله التتار ببغداد بالأمس عندما احتلوها لأول مرة، وما فعله المحتلون الغزاة اليوم يجد توافقًا عجيبًا، ينبئ عن الهمجية التي يحملها العدو الغاشم؛ فقد فعل التتار المغول ما فعلوا من تدنيسٍ لمساجد المسلمين… وإنْ نسي التاريخ شيئًا، فلم ولن ينسَ ما فعله التتار بمساجد بغداد وأئمتها وخطبائها وقرائها، وما ارتكبه السيخ والهندوس من مجازر بالمسلمين في الهند، وما فعله الشيوعيون بالمساجد؛ حيث قاموا بتحويلها إلى نوادٍ وملاهي ومسارح وسينمات ومدارس علمانية.
واليوم - وفي ظل الاحتلال البغيض - تعاد الكرة نفسها التي أعلن من خلالها أعداء الإسلام من المشركين والملحدين حربهم ضد مساجد المسلمين في العراق، فقد انتهكت حرمات المساجد في عراق الحرية والديمقراطية الجديد!!
وما يحدث يوميًا من مداهمات للمساجد وقصفها والتعدي على روادها وأهلها، وقتل من يلجأ إليها أو يحتمي فيها خير دليل على ذلك.. ومن يزور العراق الجريح اليوم يجد آثار القصف والدمار والخراب واضحة على مساجده المباركة… ولا يكاد المرء يرى مسجدًا إلا ولحقه أذى المحتل من قصف أو إطلاق نار أو تعديًا على حرماتها بالاقتحام والمداهمة والتفتيش والتخريب.
وقد رأينا على مدى السنين الماضية عمليات دهم وتفتيش لبعض المساجد نالت القسط الأكبر من الهمجية والعدوان، ورأينا بعض المساجد قد اقتحمت وقُتل فيها بعض المصلين، واعتُقل العشرات منهم بأسلوب همجي مشين.. وربما كان ذلك يوم الجمعة "عيد المسلمين" كما حدث في جامع الإمام أبي حنيفة النعمان، أكبر مساجد العراق ببغداد.
وطال الأذى أئمة هذه المساجد وخطباؤها، فقُتل منهم من قتل، واعتُقل منهم من اعتُقل، وطورد منهم من طورد، وهجّر منهم من هُجر، وأُبعد منهم من أُبعد.. حتى صارت مساجد العراق اليوم تشكو إلى الله تعالى من خطيب ناصح، وإمام أمين!!
وما يذكر أن ما يقرب من عشرة مساجد في مدينة الرمادي وحدها دوهمت وانتهكت مقدساتها في ليلة واحدة، وصاحب الدهم تفجير للأبواب وتكسير للزجاج، وتخريب للممتلكات.. وكانت حجة قوات الاحتلال آنذاك حسبما جاء على لسان المكتب الإعلامي الخاص بها: أنَّ هذه المساجد تأوي عناصر الإرهاب، وأن الإرهابيين يلجئون إليها عندما يشنون هجماتهم ضد قواتهم!!
إنَّ مواقف المستعمرين والمحتلين معروفة ومشهورة تُجاه المساجد ودور العبادة في كل بلدٍ يحتلونه، فهذه فرنسا يوم احتلت الجزائر قامت أول ما قامت به هو تحويل الجامع الكبير في الجزائر إلى "كاتدرائيه".. وربط نابليون خيوله في الأزهر الشريف.. وهدم القبارصة اليونان سنة 1965م مائة وتسعة وأربعين مسجدًا من مساجد المسلمين في قبرص، ومنها "جامع البيرق دار" الذي حفظت فيه شعرات النبي صلى الله عليه وسلم.. ولمّا استعمر البرتغال إحدى قرى الهند أحرقت إحدى مساجدها والمصلين فيه، وكان عددهم يبلغ ستة آلاف مصلٍ.. ومن قبل هذا وذاك ذبح الصليبيون في المسجد الأقصى أكثر من سبعين ألفًا من المسلمين، فيهم الكثير من العلماء والزهاد!!
لقد علم هؤلاء المحتلون أنَّ المسجد هو مصدر قوة المسلم، ومنه يستلهم الروح التي يدافع المسلم من خلالها عن دينه ووطنه وعرضه ومبادئه.. وقد عمل المحتل الغاصب عملاً منظمًا من أجل إيقاف عجلة بعض المساجد المهمة في العراق عن أن تؤدي دورها الريادي والقيادي الموكول إليها باعتبارها إحدى ركائز دولة الإسلام.
أما المصحف الشريف دستور الأمة الخالد، فقد تعرض هو الآخر إلى مزيد من الإذلال والانتهاك والسخرية والتعدي والاحتقار - حاشا كتاب الله العزيز من ذلك -  وفعل المحتلون الغزاة بهذا الكتاب العظيم ما لم يفعله أبو لهب وأبو جهل!! حتى بان مقصد مهم من المقاصد الحقيقية التي تقف وراء احتلال أمريكا للعراق.. إذ من المؤكد أنَّ الاختصار الحقيقي لأسباب غزو العراق تتمثل بأسباب سياسية، وأخرى اقتصادية، وثالثة عقدية، تستهدف العقيدة والدين والشرع والمقدسات، ومحاولة تشويه صورة الإسلام النقية.
وتتمثل صور انتهاك المصحف الشريف في عراق الحرية والديمقراطية الجديد في صور متعددة ومتنوعة، لعلَّ من أهمها ما يأتي:
أولاً: الاستهزاء بالمصحف الشريف، ومحاولة التقليل من قدره، وإيضاح العداء المكنون تجاهه، من خلال رسم الصليب عليه، وكتابة عبارات نابية على صفحاته.. ولقد شاهدنا في صور موثقة أنَّ بعض جنود الاحتلال قاموا بعد مداهمة مسجد من مساجد محافظة الأنبار برسم الصليب على القرآن الكريم، في إشارة واضحة إلى معالم الحرب الصليبية التي تشنها قوى الشر في العراق.
ثانيًا: دَوْسِه وتمزيقه وإهانته أثناء مداهمة المساجد ودور العبادة، ولقد تواترت الأنباء عن قيام جنود الاحتلال البغيض بركل المصحف الشريف بأرجلهم، ورميه من على الرفوف الموضوع عليها على الأرض، ودوسه بالأقدام ـ حاشاه من ذلك -.
ثالثًا: وضعه موضع التفاهة، وذلك من خلال مشاهد مثيرة لم يفعلها كبار الملحدين على مرّ العصور والدهور، ولعلَّ من آخرها - وهو السبب المباشر لكتابة هذه السطور- ذلك المشهد الرهيب الذي طال كتاب الله المجيد بجعله هدفًا لرماية الأهداف التي يتدرب عليها جنود الاحتلال!! ولقد كشفت هيئة علماء المسلمين - نقلاً عن شهود عيان- تفاصل تلك القصة المثيرة الموثقة بالصور.. إذ أفادت بأنَّ قوة تابعة لقوات الاحتلال الأمريكي مؤلفة من ثلاث مدرعات وعجلة من نوع همر وضعت نسخة من المصحف الشريف على شاخص في ميدان للرمي قرب مركز للشرطة بمنطقة الرضوانية يوم الأحد 11/5/2008 وأطلق أفرادها النار عليه.. وأكد شهود عيان من أبناء المنطقة: أنّ هذه القوة قامت بهذا الفعل الشنيع أمام حراس مركز الشرطة وتركت المصحف في مكانه وعليه آثار الإطلاقات النارية وقد كتبوا على إحدى صفحاته عبارات نابية.
وقد اعترف المسئولون في جيش الاحتلال الأمريكي بهذا الفعل الإجرامي الشنيع، وقد نقل موقع "العربية نت" الخميس الماضي 10جمادى الأولى1429هـ 15مايو2008م عن الكولونيل بيلي باكنر من قوات الاحتلال قوله: إنَّ قواتنا فتحت تحقيقًا مع جنودها بسبب ما سمّاه "السلوك الشائن".. وقال: "قوات التحالف [الاحتلال] عادة، تدرب عناصرها وتفرض عليهم احترام العادات والتقاليد للبلد المضيّف [المحتل]، وهذه العادات من صغيرها لكبيرها يتم تدريب الجنود عليها، ويتم التأكيد على ضرورة عدم خرق هذه العادات مهما كانت صغيرة، واحترام الإسلام والتقاليد والعقيدة الإسلامية".
إنّ هذه الجريمة النكراء إن دلت على شيء تدل على مدى الحقد الأسود الذي يتملّك قادة وأفراد قوات الاحتلال على القران وأهله، وتدل كذلك على حجم الإفلاس والخيبة لهم، ما جعلهم يتخبطون في تصرفاتهم، كما تدل هذه الفعلة الدنيئة على القصد المبيّت للاحتلال.
ولعله بات من المؤكد وضوح الهدف المنشود لمثل هذه التصرفات، وذلك من خلال معرفة أنّ الحرب على العراق بقيادة أمريكا بشكلها العقدي لا يمكن أن تخرج عن دائرتين هما الصليبية والتبشير، وكلاهما يصبان في مخطط أمريكي خبيث للسيطرة على العالم العربي والإسلامي من خلال البداية بعراق العز والتضحية والصمود.. والشهور التي مضت على وجود الاحتلال الأمريكي في بلاد الرافدين برهنت للعالم أجمع أن الهدف لحرب العراق ليس السلام والأمن الدوليين، بل هي الأهداف الخاصة التي رسمتها الإدارة الأمريكية البروتستنتية اليمينية اليهودية المتطرفة للسيطرة على العالم العربي والإسلامي بداية، ثم العمل على نشر الفكر التنصيري والذي بدأت ملامحه تطفو على السطح، من خلال طرح وتسويق، بل وفرض مشاريع سميت بالإصلاحية في عموم الوطن العربي، تحت ستار الإصلاح السياسي الشامل وتطوير الأجهزة والمناهج التربوية، ولاقت القبول من قبل العديد من الدول والأنظمة مع كل الأسف.
وهذا المخطط الرهيب معروف عند عوام ومثقفي الغرب على حدٍ سواء، وكان محطَّ نظر الإعلام حتى قبل شنّ الحرب على العراق، وقد خلص برنامج عُرض على شاشة التلفزيون الألماني قبل شنّ الحرب على العراق بشهر وأكدته وسائل إعلام غربية عدة أن هذه الحرب ما هي إلا "تكليف إلهي لمهمة تبشيرية؛ للقضاء على الأشرار [وهم المسلمون] للإعداد لما يسمى بمعركة هيرمجيدون، التي تهيئ للعودة الثانية للمسيح، وبالتالي فرض كلمة الله [أي الدين المسيحي الصهيوني] على العالمين العربي والإسلامي، ومن ثم العالم بأكمله، وذلك عن طريق تنصير الشعب العراقي ثم العالم العربي بأكمله".
وقبل هذا وذاك سبق سيد البيت الأبيض جورج بوش الجميعَ في التعبير عن ضرورة التبشير بالمسيحية، فقال مخاطبًا أتباع البابتيست: "أنتم تمثلون أكثر من 6 مليون بابتيستي في البلاد بأكملها والعديد من البعثات التبشيرية في الخارج وجميعنا مطالبون بنشر كلمة الله، وتحقيق مملكة الرب".. بل اعترف الرئيس بوش بأنه يشن حربًا صليبية وتحدث عن معركة الخير ضد الشر، والعدالة الأبدية، ومحور الشر، ويهدف بوش من كل ذلك إلى قيادة الحرب المقدسة ضد العالم الإسلامي بأكمله.. وهذا ما تجلى في عدد من التصريحات التي كان أبرزها ما قاله الجنرال "ويليام بوكين" مساعد وزير الدفاع رامسفيلد، ويعد أحد أبرز متطرفي البابتيست: "إلهنا أكبر من إلههم، وإلهنا إله حقيقي.. بينما إلههم إله مزيف"!!
إننا ندعو أبناء العراق الأصلاء جميعًا تجاه ما يتعرّض له دينهم ومقدساتهم إلى المزيد من الصبر والتمسك بالثوابت الشرعية، والمحافظة على الشعائر الدينية، والثبات على المواقف الوطنية النبيلة.. أما هؤلاء الحاقدون حُرّاق المصاحف وهدمة بيوت الله فقد كشفت سوءاتهم، وفُضح أمرهم، وبانَ زيف ادعائهم، وإن ما يقعون فيه كل يوم من جرائم وأخطاء وفضائح يندى لها الجبين كفيل بأن يوردهم موارد الهلاك، ويجعلهم أمام العراقيين قريبًا - بإذن الله - عبرة لمن اعتبر.. وحسبنا الله ونعم الوكيل..

أضف تعليق