سلسلة عن ديمقراطية المحتل (3)ديمقراطية الموت في العراق!!حسين الرشيد
إنَّ مما يتفق عليه العقلاء أن الحروب -فضلاً عن احتلال البلدان- تحطِّم دعامات المجتمع، وتمزِّق نسيجها؛ بسبب الكوارث التي تلحق بأبنائها، نتيجة تطبيق الأجندات التي جاء بها ذلك المحتل الغاصب.. ومن أهم تلك الدعامات التي قد تُحطَم وتُنتهك حرماتها -بلا ريب- الحياة والنفس البشرية، التي يلازم فقدها الحروب والدمار والخراب أينما حلَّ ووُجِد!! فملايين الأنفس تُزهق هنا وهناك؛ بسبب ما يحلّ بالمستضعفين في الأرض، وما تتعرض له بلدانهم من احتلالات وانتهاكات.
وما تعرض له العراق نموذج صادق لذلك الواقع المرير، فمنذ أن وطئ الغزاة ثرى بلاد الرافدين، وأرواح العراقيين تُباع وتُشترى، وصارت أرخص من كأس الماء!! وبعض تلك الجرائم بحق العراقيين يرتكبها جنود الاحتلال، وبعضها أفراد مرتزقة يتبعون الشركات الأمنية الخاصة، التي تقوم بحماية السياسيين الأمريكيين والعراقيين[1]، وبعض تلك الجرائم يقوم بارتكابها مخابرات الدول التي وجدت من أرض العراق مرتعًا -بما فيها مخابرات إسرائيل-[2] ، وبعضها يقوم بها الميليشيات الطائفية، وبعضها ترتكبها بعض الجماعات التي خرجت عن النطاق العام الذي أسِّسَت من أجله وارتكبت جرائم بحق العراقيين.. إلا أنَّ المتفق عليه -ولا يختلف فيه اثنان- أنَّ أُسّ تلك المشاكل كلها هو الاحتلال الأمريكي البغيض، الذي جاء بتلك الأعمال القذرة مما لم يعرفه المجتمع العراقي قبل مجيئه..
وبالمناسبة تروى كلمة عن حاكم الاحتلال المدني في العراق «بول بريمر» بعد أن سئل عن كثرة القتل في العراق مع ما يصحبه من هجرة العراقيين من بلادهم، قال: ليكن العراق خمسة أو ستة ملايين!! وإذا صح سند هذه الحكاية، وثبتت عن «بول بريمر» فإنَّ أمريكا أمام فضيحة ما بعدها فضيحة، بعد أن توالت عليها الفضائح، التي أفقدتها هيبتها في العراق، ابتداءً من قتل الأبرياء، واعتقال الشرفاء، وإذلال الوجهاء، وتعذيب المعتقلين واغتصابهم، والاعتداء على العراقيات المحصنات اختطافًا واغتصابًا!!
وهنا أود التأكيد على مسألة مهمة ربما يحتاج كثير من الناس بيانها: أنَّ ذلك الاقتتال الذي يحدث يوميًّا بين عموم الشعب العراقي، في بغداد ومناطق الجنوب، أقولُ: إنَّ ذلك التحارب والقتل ليس مؤشرًا على حدوث حرب أهلية، ولا جزءًا منها، ولا مقدمة لها -أبدًا- بل هي أفعال إجرامية تقوم بها ميليشيات تتخذ نهجًا طائفيًّا تعمل على تطبيقه في أرض العراق، وغالبها تابع للمكونات التي تشارك في العملية السياسية في ظل الاحتلال!!
ولقد عبرت أمريكا القارات وجاءت بجيشها المحتل من أجل تخليص العراقيين من الهوان والظلم -زعمت- وتوفير أجواء الحرية والديمقراطية، فإذا بها توفر الجو الملائم لإزهاق أرواح أبنائه، حتى صارت أرخص ما يوجد اليوم في العراق، فبلغ عدد من قُتل من العراقيين اليوم ما يزيد على المليون وربع المليون، وربما العدد الحقيقي أكبر من ذلك؛ لعدم دقة الإحصائيات المتعلقة بذلك؛ بسبب الوضع الأمني المضطرب، وعدم كفاءة المؤسسات.. أضف إلى ذلك ما يقرب من «مليون» مفقود حسبما أعلنته منظمة الصليب الأحمر الدولية، نقلاً عن مصادر وتقارير حكومية، مع عدم إمكان البحث عنهم، بسبب تدهور الأوضاع الأمنية!!
وفي استطلاعٍ للرأي أجرته «صحيفة ذي أوبزورفر البريطانية» أنَّ 48% ممن قتلوا في العراق قتلوا بسبب الأعيرة النارية، وقُتل 2% بسبب السيارات المفخخة، و9% بسبب القصف الجوي، بينما قضى 6% بسبب حوادث السير، و6% بسبب الألغام ومواد متفجرة أخرى.
وقد تسببت حرب أمريكا واحتلالها للعراق بأعلى معدل لوفيات الأطفال يشهده تاريخ العراق على مر العصور والدهور؛ إذ تكشف الدراسات الحديثة أنَّ وفيات الأطفال تضاعفت في العراق، ووصلت إلى (150%) بسبب تداعيات الاحتلال الأمريكي الغاشم.. وأكدت دراسة صحية أعدتها «منظمة أنقذوا الأطفال» أنّ طفلاً من بين كل ثمانية أطفال في العراق يموت قبل أن يبلغ سن الخامسة؛ نتيجة الأمراض والعنف المتولد بسبب الاحتلال الأمريكي.. ولقد سبق الحرب حصار شامل فُرض على العراقيين منذ بداية التسعينيات تسبب في قصور في الإمدادات الصحية والغذائية، ومُنع بموجبه حتى حليب الأطفال، ليتسبب ذلك في مجزرة حقيقية تحصد عشرات الآلاف من أرواح الأطفال!! وإذا كانت الدراسات العلمية تنص على أنّ عشرة ملايين طفل يموتون حول العالم سنويًّا -لأسباب عديدة- فإنّ العراق وحده شهد موت مئات الآلاف خلال سني الحرب والعدوان.. ومات في عام 2005م وحده (122) ألف طفل عراقي!!
وتعرضت النساء في العراق إلى أبشع أنواع الأذى طال أرواحهن لأسباب مختلفة، وفي إقليم كردستان وحده قتل ما يقرب من (533) امرأة خلال عام 2006م وحده، حسب ما أعلنت وزارة حقوق الإنسان، في حين قتل عام 2005م (289) امرأة، لترتفع نسبة القتل بين النساء في هذا الإقليم -الذي يتمتع بالحكم الذاتي والهدوء النسبي قياسًا ببقية مناطق ومحافظات العراق- من 4% إلى 6,34% في عام 2006م.
إنَّ الفلتان الذي يعيشه المجتمع العراقي جعل منه أخطر دول العالم وأقلها أمنًا على الإطلاق، مما وفَّر فرصة كبيرة أمام المجرمين وخلق أرضية ملائمة لممارسة القتل والجرائم، وقد أظهرت دراسة حديثة أعدتها «مجلة إيكونومكس» ونشرتها «صحيفة هارتس الصهيونية» في الشهر الخامس من العام الماضي أنّ العراق أخطر دول العالم وأقلها أمنًا على الإطلاق، وعزت الدراسة أسباب ذلك إلى الاضطرابات التي خلفها الاحتلال الأمريكي للبلاد.
إنَّ مسلسل تلك الجرائم -والذي لا يبدو له نهاية مع استمرار العدوان على بلد الرشيد- يستوجب حراكًا دوليًّا وإسلاميًّا وعربيًّا، سياسيًّا وإعلاميًّا، يتولى فضح مخططات الأعداء، وما يصحبها من طابع عنصري، ومدى خطورته على أرواح الأبرياء.. وجدير بأصحاب الاختصاص التهيؤ وإعداد ملفات الإدانة لتلك القوات لمحاكمة مرتكبيها والمسئولين عنها.. {إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ * وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ * أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ} [آل عمران: 140- 142].
ــــــــــــــ
[1] كشف بعض الخبراء عن وجود ما يزيد على ثمانين ألف من المرتزقة الذين يعملون لحساب الولايات المتحدة الأمريكية والكيان الصهيوني داخل الأراضي العراقية.. وهدفهم قتل العراقيين، وإشعال الفتنة بينهم، وتدمير البنية التحتية، وما شابه ذلك.
[2] وهؤلاء الإسرائيليين دخلوا العراق بحجة التجارة استيرادًا وتصديرًا، وقد ذكرت معاريف الصهيونية أنَّ أكثر من سبعين شركة صهيونية تسللت إلى العراق منذ اللحظات الأولى للاحتلال.. وهناك عناصر إسرائيلية شديدة التطرف تعمل مع الجيش الأمريكي تحت ما يسمى بالشركات الأمنية الخاصة.
سلسلة عن ديمقراطية المحتل (3)ديمقراطية الموت في العراق!!حسين الرشيد
