أفرزت الأوضاع الاجتماعية والسياسية والأمنية التي يعيشها العراقيون في زمن الاحتلال الأمريكي حِرَفًا ومِهَنًا وعاداتٍ لم تكن معروفة في سابق عهدهم، تركز معظمها لدى الشباب العراقي الذي يعاني من البطالة، وقلة فرص العمل، وصعوبة الحصول على المال الكافي لإعالة نفسه وعائلته، مع الارتفاع المخيف للأسعار في العراق.
ومن تلك الحِرَف التي برزت بشكل واضح بعد الاحتلال، والتي يقدر عددها بأكثر من 200 مهنة، حرفةُ بيعِ الشبابِ العراقي المحتاج للمال (من ثلاث إلى أربع قناني) من دمائهم أسبوعيا، على سبيل التبرع الخيري للمحتاجين ظاهرًا، وبقصد التربح من ثمن تلك الدماء الذي يقبضونه من المحتاجين إليها في الباطن!
وهي الدماء التي تسكب - غالبا - بثمن بخس على أرصفة وطرقات العراق، وتُبَاع بأسعار باهظة في المستشفيات ومصارف الدم المنتشرة في مدن العراق المختلفة، والتي تتلقف أبطال تلك الحرفة الجديدة -الدخيلة على أدبيات المجتمع العراقي - بكل رحابةِ صدر وامتنان، دون أي حساب أو تدقيق في سجل هذا الشاب أو ذاك!
وقد اصطلح شعبيا على تسمية ممارسي تلك المهنة باسم "مصاصو الدماء"، وهم أولئك الشباب الذين ينتشرون عادة عند أبواب المستشفيات ومصارف الدم، ويستقبلون المواطنين على أبوابها، سائلين عن نوع الدم الذي يحتاجون إليه لإسعاف الجريح أو المريض حتى يبدؤوا في عرض أسعارهم الخيالية على المضطر للشراء!
وغالبا ما يزداد الطلب على تلك الفئة في أيام اندلاع أعمالِ عنفٍ كبيرةٍ في البلاد، يسقط ضحيتَها العشرات أو المئات من الجرحى الذين تغص بهم مستشفيات المدن الساخنة منها على وجه التحديد.
يقول الدكتور علي طه، من مستشفى مدينة الطب في بغداد: إن أكثر من خمسين شخصا يَفِدُون يوميا إلى مصرف الدم في مستشفى بغداد الرئيس وحده لبيع قنينة أو اثنتين من دمائهم إلى ذوي الجرحى أو المصابين جرَّاءَ العمليات العسكرية أو الحوادث العَرَضية التي تقع بشكل يومي، ويبيعون حسب ما يحلو لهم، ويرتفع سعر قنينة الدم عند حدوث أزمة في توفره وازدياد حجم الطلب عليه أو نُدرة نوعه؛ فهناك أصناف معينة من الدم تكون شحيحةً، ويطلقون على حامليها من الباعة لقب "المستر"!
ويضيف: ولكننا -للأسف- مضطرون إلى الموافقة على الشراء منهم بشكل مباشر أو بواسطة أهل المريض أو الجريح حيث لا خزين من الدماء لدينا، وحياة المريض أو المصاب تتوقف عليهم بشكل مباشر.
وتتراوح سعر القنينة الواحدة من الدم ما بين 30 دولارًا إلى 90 دولارًا أمريكيًّا، يتم بيعها بشكل مباشر إلى ذوي المريض أو المصاب الفاقد للدماء جراء إصابته من العمليات العسكرية.
وعلى باب مستشفى اليرموك الطبي - أحد أشهر مستشفيات بغداد - يقف عدد من الشبان يعرضون خدماتهم على ذوي المرضى، وغالبا ما يبدأ العرض بالتأكيد على نقاء الدم، وعدم تعاطي أية مشروبات أو مخدرات أو دخان، وفي بعض الأحيان يسرد الشاب نسبه(!) متفاخرًا بأصالة الدماء التي تفور في جسده من بقايا أجداده العظام!!
ويقول حسين توفيق -27 عامًا-: أبيع أسبوعيا من ثلاث إلى أربع قناني، وهذا ينهك جسدي، ويتعبني بشكل كبير، ولكني مضطر إلى البيع؛ فأنا أعول أهلي، وأسكن في بيت متهالك بإيجار شهري باهظ، وغالبا ما أقوم بتعويضها عن طريق أكل فواكه وخضار وحبوب إذا ما أصابني فقر بالدم.
ويصف صديقه أحمد جابر عمله بـ"المضني"، وبأنه "موت بطيء" للشاب، ولكنه مضطر إلى ذلك.. يقول هذا وهو متكئ على باب المرضى ينظر في أعين المرضى، ويترقب خطوات القادمين أملا بإيقاع صيد ثمين يكفل له قوته وقوت أهله!
إن الناظر إلى واقع هذه المهنة في الحياة العراقية يجد لها نموا وانتشارا بين أوساط الشباب، فبينا كان العدد فيما مضى معدودا على الأصابع، وإذا به يتجاوز اليوم حاجز المائة من الشباب الذين يأتون إلى المستشفى لبيع دمائهم، مما يستدعي تنظيم الأمر؛ لأن هناك من يأتي من أول الصباح، ولا يحصل شيئا؛ لأن الآخرين يسبقونه إلى الزبائن!
وفي سياق هذا التحول الاجتماعي، تحاول المنظمات الإنسانية العراقية والعالمية العاملة في بغداد إيجاد حل لتلك الظاهرة التي باتت محل جدل في أوساط العراقيين بين مدافع عنهم يزعم أنهم عملوا أفضل ما يمكن، وفضلوا بيع دمائهم على الانخراط بالجماعات المسلحة التي تتلقى أموالا من جهات مختلفة أو الانخراط في سلك الإجرام واللصوصية والنهب، فيما يرى الآخرون الذين يهاجمون عمل أولئك الشبان أنهم مجرد مجموعة من الفاشلين الذين لا يجيدون أي عمل سوى بيع أجسادهم للغير مقابلَ ثمنٍ بخس، وينفقون أموالهم فيما بعد على المنكرات.
يقول هاني جلال مدير منظمة الصحة العراقية شبه الرسمية: إن مشكلة هؤلاء الشباب تزداد تفاقمًا، وأصبح بمقدور أي شاب يحتاج إلى مبلغ معين الذهاب إلى المستشفيات، وبيع دمه من أجل المال، وهذا أمر خطير.
ويقول: كما أن مشكلة استيراد قناني الدم من الدول لم تعد مفيدة لا سيما مع ازدياد عمليات العنف في بغداد، والمواطن يريد أن ينهي مأساة مريضه بأي ثمن حتى لو كان بدم مخمور أو مدمن.
ويتابع قائلا: ولا أخفي سرًّا إذا قلت: إن هناك موظفين في المستشفيات ومصارف الدم يتقاضون نسبة من بائعي الدم مقابل سكوتهم عما يجدونه في دمائهم من مشاكل صحية قد تضر المريض أو الذي يُنقل إليه الدم، وقد حدثت عدة مشاكل جراء هذا الأمر الشنيع.
ومن الناحية القانونية – يقول جلال- لا يوجد ما يمنعهم من مزاولة هذا العمل، وعلينا توفير عمل لهؤلاء الأشخاص الذين يقدر عددهم بالعشرات قبل أن نجد جماعة من الشباب قد شكلوا جمعية خاصة بهم يطلق عليها اسم "جمعية بائعي الدماء" أو كما يسمونها هم "مصاصي الدماء"..!
وعلى غير العادة في مستشفيات بغداد يقف الحاج وليد منتشيًا وعلى وجهه علامات الرضا، ويقول: الحمد لله، اشتريت لحفيدي الذي أصيب بانفجارِ منطقةِ المنصور ببغداد ست قناني دم بسعر جيد للغاية حيث كانت القنينة بثلاثين دولارًا، وأخبرني الطبيب والممرض المشرف على عملية نقل الدم لحفيدي أن صنف الدم متطابقٌ مع الدم الذي اشتريته.. أنا محظوظ.. فلو بقيت منتظرًا حتى المساء - حيث موعد صرف الدم الحكومي- لكان طفلي سعد في عداد الموتى.. أود أن أشكر الذين باعوني دمهم، فعلى الرغم من أنني اشتريته بمالي الخاص إلا أنهم أصحاب فضل علي.
الإسلام اليوم
سماسرة الدماء في بلاد الرافدين.. عثمان المختار
