جحيم التحرير!!... حسين الرشيد
في مناسبة سابقة أشرتُ إلى أنَّ الحرب العدوانية الغاشمة التي شنتها ولايات الشر وحلفاؤها الأذلاء بحجج أوهى من بيت العنكبوت، وآلت فيما بعد إلى احتلال العراق في التاسع من نيسان عام 2003م تبيّن زيفها بعد أسابيع وشهور من عمر الاحتلال.. وقلت إن قوات الغزو الظالم تواجه مقاومة شرسة وحملة شعبية منظّمة، بشكلٍ فاجأ المجتمع الدولي جميعاً، بما فيها قوات الاحتلال!! إذ أسقطت المقاومة الباسلة هيبة أمريكا، ومرغت أنفها في التراب، واستنـزفت قوّاتها العسكرية، وأربكت اقتصادها وميزانيتها، وأنهت الحلم الإمبراطوري التوسعي الذي كان يراود الأمريكيين منذ أن انفردت الولايات المتحدة الأمريكية بزعامة العالم.
وإنَّ الحقيقة التي لا تقبل نقاشاً تتجسد في كلمةٍ مفادها: إنَّ الرياح جرت بما لم تشتهِ إدارة البيت الأبيض حينما قررت إشعال الحرب واحتلال العراق منذ خمسة أعوام.. فتلك التوقعات الوردية التي كان يتوقعها مسعرو الحرب بأنَّ العراقيين سوف يستقبلون جنود الاحتلال (التحرير) بالورود قد تبددت، وأصبحت من سخريات الماضي والحاضر!! ليقع هؤلاء الجنود الهلكى في مستنقع العراق الذي سقطوا فيه -طواعية وكرهاً- وهم لا يعرفون الخروج منه، إلا وهم على نعوش الموت، أو أنهم يتمنونه ولا يكادون يحصلون عليه؛ من شدة ما لحق بهم من أذى نتيجة مشاركتهم العدوانية التي يتحملون مسؤولياتها.. وصار الموت لا يكاد يفارق فكر وخيال أي جندي من أولئك الجنود.. وأود اليوم التركيز على تلك التقارير المستجدة فيما له مساس حقيقي بهذا الموضوع وأطرافه المتنوعة والمختلفة.. والحق أن تلك التقارير كثيرة ولكنَّ تقريرين مهمين أثارا انتباهي وهما يستحقان التعليق والبيان..
أولهما: ذلك التقرير الأمريكي الذي تحدث عن عدد الجنود الذين ينتحرون بعد عودتهم من جحيم حرب التحرير المستعرة في العراق وأنَّ العدد يفوق عدد القتلى في تلك الحرب.. وقد أكدت دراسة أصدرها معهد الصحة النفسية في ولاية ميرلاند -وهو أعلى جهة حكومية بالولايات المتحدة في مجال الصحة النفسية- إنَّ عدد جنود الولايات المتحدة الذين انتحروا بعد عودتهم من العراق يمكن أن يفوق عدد الجنود الذين قتلوا هناك منذ احتلاله.
وارتكز المعهد في استنتاجه إلى جهات حكومية متعددة، منها وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، إلا أن الناطقة باسم الوزارة (سينثيا سميث) رفضت نفي النتيجة أو تأكيدها، لكنها قالت: إن المسؤولين في (البنتاجون) ينظرون إلى حوادث انتحار الجنود الأمريكيين العائدين من العراق باهتمام كبير!! وقالت الدراسة التي أشرف عليها مدير المعهد توماس أنسيل: إن البحث امتد لشهور، وتعاونت فيه جهات حكومية متعددة، منها وزارة الدفاع.
وكانت قضية انتحار "العائدين من العراق" قد شغلت أجهزة الإعلام الأمريكية لبعض الوقت إلا أنها لم تخضع من قبل لدراسةٍ إحصائيةٍ من جهة لها مصداقية.. وسبق أن أصدر معهد "راند" دراسة قال فيها إن 20% من الجنود الأمريكيين الذين شاركوا في معارك بالعراق وأفغانستان يعانون من اضطرابات نفسية شديدة، غير أن دراسة "رانـد" لم تلج إلى مجال الربط بين وقائع الانتحار وهذه الاضطرابات، ولم تقدم مسحاً إحصائياً لتلك الوقائع.
وأما الأمر الثاني الذي أردت بيانه في هذه المناسبة هي في حقيقتها بشرى أخرى -في سلسلة اللعنات التي لحقت بجنود الاحتلال نتيجة جرمهم ومشاركتهم في العدوان على العراق- نزفها لشرفاء العالم ممن لا يرضون الاحتلال ويطمحون إلى التحرر والمنعة والاستقلال، وخاصة أولئك النشامى الذين يضحون بأنفسهم وأموالهم لتحرير البلاد والمحافظة على ثروات العباد في العراق الجريح.. تقول الدراسة: إنَّ الجنود الأمريكيين العائدين من جحيم العراق يعانون من أمراض رئوية قد تودي بحياة المصاب أو تربكها على أقل تقدير.. وقد أظهرت دراسة جديدة نشرتها مجلة "ويب ميديكال نيوز" الأميركية أنّ مجموعة كبيرة من الجنود الأميركيين القدامى العائدين من العراق يعانون من أمراض رئوية.
وكشفت الدراسة أن هؤلاء الجنود يعانون من أحد أنواع الأمراض الرئوية الذي يصيب القصيبات الهوائية في الرئة، لافتة إلى أن التهاب القصيبات ينتج عن أسباب عدة منها استنشاق السموم أو الالتهابات الجرثومية أو مرض الروماتيزم.
وأوضح الباحثون الذين أجروا الدراسة: أن الفحوصات الوظيفية للرئة والفحوصات الشعاعية التي أجريت على (56 جندياً) من الذين بدت عليهم أعراض المرض الرئوي لم تشر إلى وجود أية علامات مرضية، لكن تحليل أنسجة الرئة (Biopsy) أظهر فيما بعد تعرض نحو (30) منهم لالتهاب القصيبات الرئوية، وأن معظمهم شخّصت حالاتهم على وجود إصابة بالمرض بسبب تعرضهم لفترات طويلة إلى غاز ثاني أوكسيد الكبريت الذي نتج عن اندلاع حريق في منجم للكبريت في إحدى المناطق القريبة من الموصل شمال العراق.
وأوضحت وزارة الدفاع الأميركية أن الدلائل تشير إلى أن جماعات مسلحة كانت وراء اندلاع هذا الحريق الذي يؤكد المختصون أنه الأكبر من نوعه على الإطلاق.
وأكدت الفحوصات التي قام بها الجيش الأميركي لنماذج من الهواء في المنطقة حصول التلوث بغاز ثاني أوكسيد الكبريت بنسب ذات سمية واضحة.
* * *
إنَّ مما نؤكد عليه كل مرة في مناسبات مختلفة أنَّ ما يحدثُ يومياً في العراق يؤكد لكل عاقل من عقلاء الكون بأنَّ الحرب في العراق لن تكون من صالح أمريكا، وأنَّ النصر الذي ينشدون لن يتحقق ما دام هناك منافحين ومدافعين، لن يرتضوا أن تدنس أرضهم، أو تنهب خيراتهم، أو تخرب مؤسساتهم، أو تنتهك أعراضهم، أو أن يقتل أبناؤهم وشبابهم.. حتى أصبح من لوازم العقل الصحيح الإدراك جيداً بأنَّ الخاسر في هذه الحرب المشتعلة هما الشعبان الأمريكي والعراقي على حد سواء.. ومن يقول بخلاف ذلك – من ساسة أمريكا– فإنه يلهث وراء سراب، لم ولا ولن يتحقق في أرض بلاد الرافدين ((ولا يحيقُ المكر السيئ إلا بأهله)).
المقالات المنشورة تعبر عن رأي كاتبيها
جحيم التحرير!!... حسين الرشيد
