ديمقراطية التيتيم في العراق.حسين الرشيد
لعب الاحتلال الأمريكي الغاشم دورًا كبيرًا في تغيير الحياة العراقية بكافة تفاصيلها، وشوّه الطريقة المثلى للحياة الكريمة التي ينشدها كل إنسان كريم يعيش على وجه المعمورة .. ولم يفرِّق الاحتلال وأعوانه بين صغير أو كبير، ولا بين غني ولا فقير، ولا بين رجل أو امرأة، وجاوز الظالمون المدى لينال الطفل العراقي حظًا وافرًا من ظلمهم وطغيانهم وعدوانهم .. وفي هذه العجالة، وضمن سلسلة "العراق في زمن الديمقراطية" أتناول ـ بحول الله وقوته ـ ما يتعلق بوضعية الطفل العراقي اليتيم وبعض ما يتعلق بذلك من إحصائيات وأرقام؛ ليرى العالم أجمع حقيقة الديمقراطية الأمريكية المستوردة، التي تغزو البلدان بحجة تحرير الشعوب، وتوفير أجواء الحرية والديمقراطية!!
أقول في هذا الصدد: إنه في ظل أوضاع أمنية متردية يعيشها بلاد الرافدين، منذ خمس سنين، وعمليات عنفٍ دامٍ ومتواصل تودي بحياة مئات العراقيين شهريًا، كان من الطبيعي أن ترتفع أعداد الأطفال العراقيين اليتامى، الذين فقدوا كلا الوالدين أو أحدهما؛ بسبب الغزو الأمريكي وتداعياته لبلادهم.
وإذا كان بعض المختصين يعترف بأنَّ الوقوف على حجم مشكلة أعداد الأيتام في العراق ـ في ظل هذه الظروف ـ أمر في غاية الصعوبة؛ فإنَّ تقارير أشارت إلى وجود نحو 900 ألف يتيم في مدارس بغداد وحدها!!
وأكدت دراسة متخصصة أجرتها منظمة اليونيسيف التابعة للأمم المتحدة في بغداد أنَّ عدد الأطفال الأيتام في العراق يقدّر بـ 4-5 مليون طفل، وأنهم في تزايدٍ نتيجة الأعمال المسلحة، والوضع الأمني غير المستقر.. وتقول الدراسة: إنَّ عددًا قليلاً جدًا من الأيتام يحظون بخدمات من الدولة في دور أعدت لهم، لكن الكثيرين منهم لا تتوافر لهم مثل هذه الفرص، مما يعني أنَّ مصيرهم سيكون مجهولاً.
وإذا كانت أعداد الأيتام في حقبة التسعينات – مثلاً - تقدر بمليون ومائة ألف يتيم، فإنَّ هذا الرقم تضاعف بشكلٍ خيالي خلال سنيِّ الاحتلال الأمريكي؛ نتيجة القتل العشوائي، وفقدان الأمن، في ظل تقصيرٍ واضحٍ في تقديم الخدمات الضرورية لهذه الشريحة الكبيرة؛ إذ لا تمتلك الدولة سوى 26 دارًا لإيواء الأيتام، ثمانية منها في بغداد، والبقية في محافظات العراق المختلفة، وكل دار من هذه الدور لا تتسع لأكثر من ألف شخص في أحسن الأحوال!!
ولعلَّ المتابع للشأن العراقي عن كثب يجد تقصيرًا حكوميًا واضحًا تجاه هذا الملف المهم، الذي تسبب فيه الاحتلال بشكل كبير، نتيجة الممارسات اللامسؤولة.. وبدت الحكومات المتعاقبة في زمن الاحتلال تتصرف وكأنَّ الأمر لا يعنيها، فهي مشغولة إلى حد كبير بتوفير وضمان أمنها الشخصي، ولا وجود لحل مشكلة الأيتام أو رعايتهم والاعتناء بشؤونهم، وتوفير متطلباتهم واحتياجاتهم في تشريعاتها وخططها ومنهجها وبرنامجها الذي بُني إلى حدٍ كبير على المصالح والمكاسب والتشبث بالكرسي، ومعاونة المحتل في تنفيذ مشاريعه وأهدافه على أرض الرافدين.
وقد نقلت وكالات الإعلام عن رئيسة لجنة المرأة والطفل في مجلس النواب الحالي قولها: إنَّ الصراعات بين الكتل البرلمانية المشاركة في العملية السياسية تقفُ حجر عثرة أمام إقرار مشاريع قوانين لإنشاء صندوق لرعاية الأيتام، وتشكيل هيئات تنفيذية ورقابية تعنى بالطفولة، بل إنَّ معتقلات الحكومة في وزارة الدفاع والداخلية والعدل تضمُّ 1300 طفل معتقل بلا محاكمة، وفي ظروف صحية واجتماعية ونفسية قاسية.
ومن المفترض أن تقدّم الحكومة الحالية وسابقاتها سنويًا لدور إيواء الأيتام التي لا تتجاوز الثلاثين دارًا ما يقرب من ستمائة وخمسين ألف دولار، لكنَّ أرقامًا حقيقية تكشف عن اختلاس أكثر من أربعمائة ألف دولار من هذا المبلغ، من قبل أطراف عديدة، بما فيها المليشيات التي تقوم بالاستحواذ على أموال الدولة .. في حين يفتقد غالبية الأيتام إلى الرعاية الطبية والنفسية؛ حيث أظهر التقرير أنَّ ثمانية أيتام من كل عشرة يعانون مرضًا نفسيًا، وأنَّ سبعة من كل عشرة لم يحظوا برعاية صحية إطلاقًا، ويحظى عدد معدود من الأيتام بدعم من جمعيات ومنظمات محلية تعاني أصلاً من ضعف التمويل، وحسب الرصد الميداني فإنَّ 45% من ضحايا القتل الطائفي هم "آباء" وإنَّ 5% هنَّ "أمهات".
لقد لعبت الحكومات المتعاقبة بعد غزو العراق دورًا كبيرًا في تجسيد حالة ازدراء الأيتام وتأصيل حالة تغييب العناية والرعاية التي كفلتها لهم الشرائع السماوية والقوانين الدولية، وقد فضحت بعض الوقائع والحوادث تلك الحكومات التي تدعي العمل على حماية المواطنين من الرجال والنساء والأطفال والأيتام.. وما أكثر الأمثلة التي توضح ذلك.. ولعلَّ المثال الشهير الذي ظهر وقتها على فضائيات العالم أجمع - بما فيها فضائيات ووكالات أمريكا - كشف عن مدى بؤس المسؤولين عن هذا الملف في عراق الحرية والديمقراطية الجديد.. إذ اكتشفت قوات الاحتلال الأمريكي فضيحة دار لإيواء الأيتام "المعوقين" الأطفال، ومن المؤسف أنها تسمى "دار الحنان" التابعة لدائرة الرعاية الاجتماعية العراقية، وفيها 24 طفلاً عاريًا جائعًا غير قادرين على الوقوف والحركة؛ بسبب حالة المجاعة التي هم عليها منذ شهر أو أكثر!!
ولقد استغلت قوات الاحتلال هذه الحادثة أيما استغلال، وصوّرتها وكأنَّ العراق خلا من كل أشكال المآسي والكوارث الدامية -والتي تتحمل قوات الاحتلال المسؤولية الأدبية والقانونية والأخلاقية عن وقوعها بسبب ممارساتها القمعية الدامية ضد أبناء الشعب المظلوم - ولم يبقَ سوى فضيحة دار الأيتام التي اكتشفتها تلك القوات.. وجاءت بعض الفضائيات والشبكات الأمريكية لتصوّر هؤلاء الجنود الذين تلوثت أيديهم وتلطخت بدماء العراقيين، وكأنهم ملائكة الرحمة، فيقدموا لأولئك الأطفال الأيتام الطعام والشراب والدواء!!
إنَّ تحضّر الشعوب يقاس بمقياس إنسانية الفرد فيها، في تعامل الدولة مع فئات الشعب الضعيفة كالأطفال والمسنين والنساء، وتشكل حماية الدولة للضعفاء والعاجزين أولوية مجتمعية وإنسانية.. فهل عجزت الدولة حماية أطفال من ذوي الاحتياجات الخاصة؟! إنَّ حادثة دار الأيتام مؤشر خطير على الانحدار الأخلاقي والاجتماعي والإنساني الحاصل في العراق!! وما القائمون على الدار إلا عيّنة لما يحصل في العراق، وما انتهاكات الأيتام إلا حلقة في سلسلة انتهاكات الجسد العراقي، الذي أدمي نتيجة ممارسة قوات الاحتلال.
إنَّ إدارة البيت الأبيض تتحمل مسؤولية كل ما يلحق بأبناء العراق من أذى، وخاصة أولئك الأيتام، وهي مسئولة عن الجوع والقهر والذل والهوان الذي لحق بأيتام العراق، منذ أن فرضت حصارها الظالم الجائر على العراقيين بداية تسعينيات القرن الماضي، وتسبب بكوارث المجاعة والأمراض والأوبئة نتيجة قطع الغذاء والدواء.
ويتضاعف البؤس العراقي كل يوم، لكن تبقى حقيقة تضاف إلى ما تقدم: أنَّ الحكومة تتحمل مع قوات الاحتلال ومن يقف وراء غزو العراق كافة المسؤولية القانونية عن أي انتهاكات لحقوق الإنسان حسب القوانين المحلية والمواثيق الدولية، التي وقّعتها الحكومة العراقية كاتفاقية حقوق الطفل، والتي تلزمها في هذه الحالة حماية الأطفال عمومًا.. والأيتام وأصحاب الاحتياجات الخاصة من باب أولى..
إنَّ ما يلحق بأيتام العراق سيبقي صورة الظلم والعدوان واضحة أمام أعين العراقيين الشرفاء الذين لا ينسون المآسي التي لحقت بهم بسبب الغزو الظالم الذي طال بلدهم المنكوب.. ومهما طال ليل الظالمين فإنه لابد وأن ينجلي.. والله يتولى الصالحين.
سلسلة عن ديمقراطية المحتل .2.ديمقراطية التيتيم في العراق.حسين الرشيد
