العالم العربي من أقاليم العالم ذات الحساسية الشديدة للمتغيرات العالمية سواء الخاصة بصعود وهبوط القوى العظمى أو تلك المرتبطة بالاقتصاد والتكنولوجيا.
فبحكم مجاورته للبحر المتوسط كان عليه أن يتأثر بشدة بالصراعات الكبرى التي دارت في هذا البحر وحوله، وقد يؤثر أحيانا فيها.
وقد اكتسب العالم العربي في اعقاب الحرب العالمية الثانية أهمية كبرى من منظور المصالح الأميركية، وذلك بسبب احتياطات النفط الهائلة في المنطقة وبسبب موقعة القريب من الاتحاد السوفييتي، واتباع الولايات المتحدة لسياسية الاحتواء التي حاولت بمقتضاها توسع الاتحاد وانتشار نفوذه خارج نطاق مجاله الحيوي الذي تم ولو على مضض والتسليم له في أوروبا الشرقية والوسطى.
وقد ترتب على ذلك أن أبدت الولايات المتحدة اهتماما متزايدا بنوعية واتجاهات نظم الحكم في المنطقة باعتبار ذلك يمثل العامل الحاسم في المنافسة بين القوتين.
وفي الوقت نفسه تقريبا أي في أعقاب الحرب العالمية الثانية نشطت الحركة الصهيونية لتأسيس دولة "إسرائيل" في فلسطين، وكان على الولايات المتحدة أن تطور فيها اتجاه هذه المسألة، وهو ما لم يكن الأمر السهل نظرا للتعقيدات والمقاومة التي واجهها مشروع إنشاء الدولة "الإسرائيلية" في فلسطين وفما يتعلق بتكوين الإدارة الأميركية.
فلقد ارتبط صعود اليمين الأميركي ممثلا في الحزب الجمهوري إلى سدة الحكم في الولايات المتحدة بصعود اليمين المتشدد على مستوى العالم، وإدراك الجميع أنه بوصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض في عام 2000 ووقوع أحداث 11 سبتمبر، أن العالم دخل مرحلة جديدة.
وتحت شعار محاربة الإرهاب والحرب الاستباقية انطلقت الولايات المتحدة بتنفيذ إستراتجيتها التي صاغها المحافظون الجدد والتي تفضي إلى السيطرة على منابع النفط والطاقة وفتح الأسواق العالمية إمام المنتج الأميركي أو من خلال منظمة التجارة العالمية أو من خلال الشراكة الحرة والاعتماد المتبادل بين الدول أو من خلال القضاء على الأنظمة التي تمانع واشنطن وسياستها الإمبراطورية الجديدة.
واتسمت السياسة الخارجية الأميركية باستخدام القوة واحتلال الدول والتدخل بسيادتها الداخلية والخارجية، متجاوزة القانون الدولي والدبلوماسية والاتفاقيات الدولية.
كل هذا آذن بفوضى دولية عارمة محكومة بمعيار القوة المجردة من الحق، فقامت الولايات المتحدة باحتلال أفغانستان في عام 2002 بذريعة القضاء على الملاذ الآمن "للارهابيين" والقبض على أسامة بن لادن، والقضاء على نظام طالبان "الإرهابي"، وفشلت في تحقيق ذلك.
وبعد ذلك قامت بتوجيه التهم إلى العراق بحيازته أسلحة نووية وكيماوية، وقامت على إثر ذلك باحتلال العراق دون إجماع دولي في عام 2003 رغم عدم وجود أي دليل مادي على ذلك.
وها هي الآن تواجه مصيراً مجهولاً قد يفضي إلى تقويض هيبتها إذا استمرت المقاومة العراقية بهذا الزخم والقوة.
فأميركا الإمبراطورية الصاعدة خسرت لحد هذه الساعة ما يقارب 4500 جندي وضابط في العراق ونحو 20 ألف جريح، فما حدث في فيتنام يحدث الآن في العراق.
وتهدد الان الولايات المتحدة سوريا، وتعمل على تهيئة الأجواء الدولية بتحريض صهيوني للنيل من صمودها بفرض عقوبات أو حصار أو من خلال استخدام القوة العسكرية ضدها لأسباب رفض سياستها في المنطقة ومشاريعها الاستعمارية وخاصة في العراق وفلسطين ولبنان.
إن
القوة العسكرية التي استخدمتها واشنطن واحتلالها العراق وأفغانستان قد تفعل المثل في بلدان أخرى من خلال مخالبها الذرية، لكن الصحيح انها لن توفر لها السيطرة على هذه الدول وشعوبها؛ فهي عاجزة عن حسم أو التحكم في بوصلة الأحداث الميدانية في الوقت الذي دفعت به ثمنا بشريا وماديا قاسيا أمام سلاح المقاومة وإرادة الشعوب.
الراي الاردنية
أميركا والهبوط التدريجي.. د. عاهد مسلم المشاقبة
