منذ ثلاثة أعوام وبعد تسرب أخبار تدنيس القرآن في جوانتانامو على يد الجنود الأمريكيين، اندلعت في أفغانستان مظاهرات صاخبة تحتجّ وتندد بالتجاوزات الأمريكية الرعناء.
وقدم الأفغان العديد من الشهداء الذين سقطوا برصاص القوات الأفغانية والأمريكية، وتوسعت دائرة الاحتجاجات لتصل إلى كابول وإلى جامعتها، فقد تحرك مئات الطلاب ليحرقوا الأعلام الأمريكية، ويرددوا الشعارات المناهضة للأمريكيين.
العالم العربي والإسلامي بحكوماته ومنظماته الرسمية، بل وأكثر من ذلك بحركاته الإسلامية وقف حينها ساكنًا في حالة من الجمود القاتل لما يزيد على اليومين مع استثناءات محدودة.
بعدها تكلمت وزيرة الخارجية الأمريكية كوندوليزا رايس أمام الكونجرس لتندد بالمسألة "إذا ثبتت"، وتعلن أنها مثيرة للاشمئزاز، وأن سياسة الإدارة الأمريكية قائمة على احترام الكتب السماوية.
عندها بدأت الحكومات العربية بالتنديد وعلى استحياء بالمسألة، ولتهيب بالحكومة الأمريكية التحقيق في الحادث ومعاقبة المذنبين، ثم انهالت مواقف التنديد والاستنكار، واستيقظت الضمائر العربية والإسلامية، وعلا صوت الأحزاب والحركات الإسلامية وغيرها لتندد بالمسألة المهينة، ولتنضم إلى الأصوات التي تدعو السلطات الأمريكية للتحقيق بالحادثة والاعتذار عنها ومعاقبة مرتكبيها.
العجيب في الأمر واللافت للانتباه أن التقارير - التي تحدثت عن تجاوزات الجنود والمحققين الأمريكيين بحق قدسية القرآن ومكانته - قد ترددت قبلها بأكثر من عام ومن مصادر متعددة.
فقد أصدر ثلاثة سجناء أطلق سراحهم من المعتقل بيانًا مشتركًا في مارس 2004 جاء فيه أن حراس السجن كانوا يدوسون على نسخ من القران الكريم، بل قاموا برمي بعض منها في أوعية كان السجناء يستخدمونها كمراحيض.
وقال المعتقل البريطاني المفرج عنه آصف إقبال: إن تصرفات الحراس كانت تهدف إلى إذلال المعتقلين إلى أقصى درجة ممكنة، مشيرًا إلى أن تدنيس القرآن دفع بالسجناء حينذاك إلى إعلان الإضراب عن الطعام.
في حين أكّد محامو محتجزين كويتيين في جوانتانامو في يناير 2005 أن موكليهم كشفوا لهم عن حالة واحدة على الأقل رُمي فيها مصحف في المراحيض. وقالت المحامية كريستين هاسكي: إن العديد من موكليهم أبلغوهم أن الحرس كانوا يدنسون القرآن الكريم.
وسام عبد الرحمن الأردني الجنسية اعتقل في جوانتانامو ثم أفرج عنه, قال في مقابلة أجرتها معه جريدة "السبيل" الأردنية في 6\7\2004: "في أحد المرات جاءت مجندة تحمل القرآن الكريم، ففتحته، وأحضرت الكلب الذي بدأ بشمّه ثم جلس عليه، وبعدما خرجوا مسحتُ آثار الكلب عن كتاب الله. وأيضًا كانوا في باجرام (أفغانستان) يمسكون المصحف أمامنا، ويرمونه في الخلاء لإثارتنا واستفزازنا".
منذ أيام أطلق سراح سامي الحاج مصور قناة الجزيرة وسودانيين آخرين من المعتقل الأمريكي بعد أعوام طوال قضوها في ذلك المعتقل سيئ الصيت والسمعة دون أن توجه لهم تهمة أو يقدم لهم تعويض أو اعتذار عن معاناتهم والمظالم التي وقعت عليهم.
سامي الحاج ورفيقاه تحدثوا لوسائل الإعلام عن أن الإساءة للقرآن الكريم التي يقوم بها الحراس لتعمد إذلال المعتقلين والضغط عليهم نفسيًا ما زالت مستمرة ومتواصلة.
انتظرت أيامًا لأسمع احتجاجًا أو تعقيبًا عربيًا وإسلاميًا, رسميًا أو شعبيًا فلم أجد, بل لم أقرأ حتى بيانًا من جمعيات أو جماعات إسلامية أو هيئات علمية أو شرعية في هذا الموضوع.
فهل ماتت فينا الحمية ومشاعر الغيرة؟ وهل نجح توالي الإهانات والإساءات للمقدسات الإسلامية في تخدير مشاعرنا وقتل أحاسيسنا؟ وهل يليق بحكومات إسلامية أن تستقبل مسؤولين أمريكيين، وتحتفي بهم دون أن تطلب منهم التحقيق بالادعاءات القديمة- الجديدة والمتواصلة عن تعمد الجنود الأمريكيين الإساءة للقرآن ومقدسات الإسلام في العراق وأفغانستان وجوانتانامو؟
ليست مسألة ردود الفعل الباردة والميتة في مسألة القرآن المؤشر الوحيد على التدهور القيمي والأخلاقي الذي أصابنا, فها هي النداءات والصرخات تخرج من فلسطين تحذر من انهيار وشيك في المسجد الأقصى فلا تجد إلا صممًا, ولا تلاقي إلا تجاهلاً فيما تزدحم مناسباتنا بمهرجانات الغناء والطرب واحتفالات الفرح ومسابقات تعنى بجمال الحيوانات وصفاتها.
وها هو الشعب الفلسطيني يحاصر في غزة، ويتضور أطفاله جوعًا بينما نرى مجتمعات عربية وإسلامية تستنفر الإمكانات والطاقات لمعالجة ظاهرة السمنة والبدانة عند صغارها وكبارها.
وفي الوقت الذي تتعرض فيه بلاد المسلمين للاحتلال ومقدساتنا للانتهاكات لا يجد المضطهدون ما يدافعون عن أنفسهم ويدفعون به العدوان سوى الأيدي العارية, نجد أننا أكثر الأمم إنفاقًا على التسلح فيما تستهلك وزارات الدفاع نصيبًا كبيرًا من الدخل القومي في غالبية الدول العربية والإسلامية.
إن التطرف يولد التطرف والخلل ينتج خللاً, وإن أحوالنا تطرفت في الانحدار ومكانتنا في التدهور، واختلت موازيننا، وتاهت بوصلاتنا، فما عُدْنا لننصر حقًا أو ننكر باطلاً.
الاسلام اليوم
سامي الحاج.. والدليل الدامغ على الإساءات!.. د. ياسر سعد
