ما زالت الأوضاع الأمنية والاجتماعية والاقتصادية في العراق سيئة وغير مستقرة وتنذر بالخطر، وهو ما نتبيّنه خاصة من خلال ما تروجه التقارير الصادرة من حين الى آخر عن الإدارة الأميركية نفسها.
فما هي الدوافع الحقيقية التي تجعل إدارة البيت الأبيض تقوم بمثل هذه الأعمال بنفسها في حين أنها تعلم أنها الأكثر تضررا بذلك؟ وما هي الأسباب التي تجعل هذه الإدارة عاجزة عن الإيفاء بتعهداتها تجاه ما يجرى في العراق؟ وما هي الأسباب الحقيقية لتدهور الأوضاع الأمنية وعدم الاستقرار الاجتماعي وكساد الحالة الاقتصادية؟
كل هذه التساؤلات يمكن الإجابة عنها إذا ما نظرنا في التصريحات الأخيرة للرئيس الأميركي نفسه الذي اعترف بان الوضع في العراق صعب، وهو شخصيا لا يمكنه أن يقدم أي إضافة في الوقت الحاضر، وقد ترك الأمر للرئيس الجديد المنتظر انتخابه في نوفمبر/ تشرين الثاني.
إن مثل هذا الموقف الصادر عن رئيس اكبر دولة في العالم يتضمن العديد من الأبعاد، ويمكن قراءته من الزوايا السياسية والدعائية والاقتصادية إذ انه خطاب بقدر ما يعبر عن إيحاء بالفشل والعجز تجاه مثل هذه الملفات الشائكة والمعقدة يعكس درجة الانسجام في السياسة الأميركية خاصة المتعلقة بالملفات الكبرى مثل الملف العراقي، وهذا الموقف فيه هروب من مواجهة الواقع، ولكن فيه أيضا إعداد الرأي العام الداخلي في أميركا لتسليم الملف الى القيادة القادمة سواء أكانت قيادة جمهورية أم قيادة ديمقراطية لتواصل على النسق نفسه والوتيرة نفسها خاصة إذا أدركنا أن الخطاب الذي يروج له المرشحان الديمقراطيان المتنافسان حاليا على منصب الترشح باسم الحزب لا يخرج عن هذا التوجه العام عندما تحدثا عن الملف الإيراني حيث شددا على الجوانب الدعائية في المواقف الأميركية العامة التي تلقى الرواج داخل الرأي العام الأميركي.
أما من حيث الأسباب التي جعلت الإدارة الأميركية تصدر من حين الى آخر التقارير التي تبدو وكأنها تدين سياساتها فان السبب الأول والمباشر هو محاولة التخفيف من الضغط المسلط على البيت الأبيض في هذا الخصوص لأن تنفيسة مثل التي ترد في التقارير - والتي تبقى في النهاية حبرا على ورق حيث لا يتم العمل بها ولو مرة واحدة - تصبح ضرورية لضمان التواصل والاستمرار بعد إيهام الرأي العام الأميركي الداخلي بان مراقبة التصرفات موجودة وقائمة ولا يمكن لأي طرف أن يفلت منها، والمقصود هنا هو حالات الفساد التي تعرضت لها الأموال التي كانت مخصصة لإعادة اعمار العراق.
أما الأسباب التي جعلت الحالة الأمنية تتدهور والحالة الاجتماعية تتعكر فإنها تعود الى الأوضاع الصعبة التي يعيشها العراق بسبب الاحتلال والتي لم تتحسن رغم الوعود ورغم المحاولات ورغم كل التدخلات السياسية سواء أكانت من جانب إدارة الاحتلال أم من جانب العراقيين في الداخل.
إن الحالة الاقتصادية الصعبة والفوضى التي تعم المجتمع هما السبب المباشر لمثل هذا الاستمرار في سوء الأحوال الأمنية الذي اثر على السلوكيات والمواقف والسياسات وعلى التوجهات العامة في عراق يريد أن ينهض بنفسه ويتخلص فعليا من حالة الوهن التي أصبح عليها. ولا تستطيع التصريحات الأميركية المحبطة والسلبية الواضحة التي أصبح عليها الموقف الداخلي العراقي إنقاذ العراق وتخليص شعبه من المستنقع الذي وضعه فيه الاحتلال منذ أكثر من ثلاث سنوات.
إن الحل يكمن في تمكين الشعب من مقدراته وتركه يعمل وينمو وفق الآليات الطبيعية لنمو وتطور أي شعب له من المقومات الحضارية والثقافية والتاريخية والاقتصادية والبشرية ما يجعله قادرا على منافسة ومزاحمة أكثر الشعوب تقدما في العالم.
slim_(at)_alarab.co.uk
العرب اونلاين
خفايا العجز الأميركي في العراق.. سليم الكراي
