هيئة علماء المسلمين في العراق

وهن المصالحة العراقية...وليد الزبيدي
وهن المصالحة العراقية...وليد الزبيدي وهن المصالحة العراقية...وليد الزبيدي

وهن المصالحة العراقية...وليد الزبيدي

وهن المصالحة العراقية...وليد الزبيدي تسعى اطراف العملية السياسية في العراق الى الوصول لما يسمونه في خطبهم وتصريحاتهم (المصالحة الوطنية)، ومن يتأمل صورة هذا الطموح، يجد انه في نهاية المطاف يحاول تشكيل حكومة تشبه تلك، التي تم اطلاقها قبل عامين من الان، حين اتفقت الاحزاب والكتل المشاركة في العملية السياسية على استبدال د. ابراهيم الجعفري بنوري المالكي، حيث استغرق موضوع الاتفاق على من يشغل منصب رئيس الوزراء ما يقرب من الاربعة اشهر، حيث جرت الانتخابات في15/12/2005، وتسلم رئاسة الحكومة نوري المالكي اواخر نيسان/ابرل2006، و رافق تشكيل الحكومة برئاسة المالكي حملة خطابية غير مسبوقة، تتحدث على اوسع نطاق عن حكومة الوحدة الوطنية، ولم يتوقف الضجيج الامريكي، الذي رسم الافاق الوردية في العراق، بعد تشكيل هذه الحكومة، وتوقع البعض من العراقيين، انهم اصبحوا على وشك اجتياز الحواجز والاسوار، باتجاه حياة الرفاهية والامن والرخاء، واستمعت حينها من خلال اذاعة محلية، من يدعو الى طلاء واجهات البيوت في جميع انحاء العراق باللون الابيض، ودغدغ هذا النوع من التفاؤل عواطف الكثيرين، من الذين اكتووا بنيران الاحتلال والفتنة والمحاصصة.

ان فترة الاتفاق على ما اسموه حكومة الوحدة الوطنية خلال ربيع عام2006، كانت من اكثر الاشهر سخونة، فقد اشتعلت الاجواء في الكثير من مدن العراق، بعد تفجير سامراء في الثاني والعشرين من شباط/فبراير عام2006، وتواصلت تلك السخونة مع صيف العراق اللاهب، وانتشرت ظاهرة الاختطاف الفردي والجماعي، وازدادت اعداد الجثث مجهولة الهوية، التي يتم رميها يوميا وبالعشرات في الطرقات والانهر والساحات العامة، اثناء ساعات حظر التجوال، حيث لا يوجد في الشوارع والاحياء السكنية سوى اجهزة الشرطة والجيش والقوات الامريكية، وقبل ان ينتهي العام الاول من عمر حكومة الوحدة الوطنية، زخر الشارع العراقي بكل ماهو سيئ ورديء، وارتسمت اشكال الدماء في مختلف انحاء العراق، ووصل الفساد المالي والاداري الى اعلى درجاته، وانهارت الخدمات، وارتفعت الاسعار، وتوترت العلاقات بين مكونات المجتمع العراقي، ووصلت الكثير من الاحياء والمناطق الى حافة الاحتراب، وتسبب كل ذلك باوسع عملية تهجير في المجتمع العراقي، ووصل عدد المهجرين داخل العراق وخارجه الى ما يزيد على خمسة ملايين.

هذه هي العناوين العريضة لحكومة الوحدة الوطنية، التي اخذت الكثير الكثير من حياة العراقيين وعلاقاتهم، ولم تقدم شيئا على الاطلاق، ما دفع ببعض الكتل المشاركة في العملية السياسية الى سحب الوزراء المعينين من قبلهم، وهناك من انسحب من البرلمان، وانخفض عدد الوزراء في حكومة المالكي الى النصف، حيث خرج سبعة عشر وزيرا.

ان الشيء الوحيد الذي بقي في حكومة المالكي، هو الشعار الذي رفعوه في كل مكان، ولم يسقط من خطبهم وتصريحاتهم وهو حكومة الوحدة الوطنية، التي لم تتكمن من اثبات اي ملمح على ارض الواقع يشير الى ذلك العنوان او يستطيع تأكيده في العمل الميداني، وفي محاولة للتعويض عن هذا الفراغ الهائل الذي احتل الحيز الاكبر في المشهد العراقي، لجا اقطاب العملية السياسية الى احداث حراك وهمي، من خلال طرح قضية المصالحة الوطنية، ما جعل هذه المادة في مقدمة النقاشات والحوارات والاحاديث، لدرجة ان المهتم بالشأن العراقي يجد ذلك في جميع الوجبات السياسية اليومية، دون ان يعثر على مرتكز واحد، يفضي الى نتائج ايجابية لمثل هذا النوع من المصالحة.

اما الان وبعد سنتين من انطلاق حكومة المالكي في هذا البحر المتلاطم بامواج الدمار والفوضى والخراب، وبعد سنة من الحديث والحوار والنقاش المنصب على المصالحة، فان طموح طواقم العملية السياسية، يحاول اعادة الطبخة الاولى في اوانٍ اخرى، من دون التفكير الحقيقي بالافات الخطيرة، التي تدهم حياة العراقيين، وفي مقدمتها وجود الاحتلال، ونتاجه الذي جاء بكل هذا الخراب، واقصد به العملية السياسية، ومن هذا المنطق فان ما يسمونه بالمصالحة يرتكز الى وهن وضعف وارتباك، ولن يحقق خطوة واحدة الى امام، وسيبقى في حدود الخطب والتصريحات، في حين تتواصل نيران الخراب والدمار في مختلف مفاصل العراق.


المقالات المنشورة تعبر عن راي كاتبيها

أضف تعليق