الحرب الجديدة الخفية في العراق .... صباح البغدادي
منذ الأسابيع الأولي التي تلت احتلال العراق في 9 نيسان (أبريل) 2003 ووسط حالة من الفوضي والفلتان الأمني بدأت ظاهرة انتشار وترويج وتعاطي المخدرات وحبوب الهلوسة بصورة كبيرة ومتسارعة، تؤكد بأن هناك مخططا مرسوما من قبل الاحتلال البغيض،
فقد برز التنظيم المتقن في عمليات التوزيع والبيع في بغداد والمحافظات الجنوبية الرئيسة وبعض المدن المتاخمة للحدود الإيرانية التي باتت المنفذ الرئيسي لدخول هذه المواد المدمرة للإنسان العراقي، حيث كانت هذه المواد نادرة جدا قبل الاحتلال بسبب القوانين الرادعة التي كانت معتمدة في زمن الرئيس العراقي الراحل، بالإضافة إلي أن العقل الجماعي العراقي اعتاد استخدام عبارات (حشاش) و (مسطول) كنوع من الشتيمة، وظلت عقوبة الاتجار بالمخدرات حتي عشية الاحتلال هي الاعدام، لمن تثبت التهمة عليه أسوة بالعديد من دول العالم ومنها بعض الدول الغربية.
قبل فترة زمنية وصلتني معلومات صحافية موثقة تفيد بإلقاء القبض علي أحدهم أثناء عملية تفتيش روتينية لحقائب المسافرين في مطار محافظة السليمانية، الواقع تحت سلطة الاتحاد الوطني الكردستاني بقيادة جلال الطالباني، حيث عثر أمن المطار من الاسايش في حقيبة سفره الخاصة علي كمية من المخدرات ـ الهيرويين النقي (خمسة كيلو غرامات مقسمة إلي عشرة أكياس، كل كيس احتوي علي نصف كيلوغرام)، كما نقلت لي الانباء الموثوقة والتي ذكرت لي انه كان قد وضعها بطريقة محترفة في قاع الحقيبة واثناء التحقيق عرف عن نفسه بانه قريب أحد المسؤولين المهمين، وأثناء التحقيق دخل بمشادة كلامية حادة مع أمن الاسايش الذين اتصلوا بهذا المسؤول مباشرة في بغداد وقدموا له تفاصيل الحادث وخطورة الوضع، وفوجئوا به يأمرهم بالتكتم الشديد وغلق الموضوع والاكتفاء بمصادرة المخدرات وإخلاء سبيل حاملها فورا دون أي مناقشة، وإذا كانت هناك أية أوراق تحقيقية خاصة بالقضية فيجب تمزيقها واعتبار الأمر منتهيا، واثناء حديث (المهرب) هاتفيا مع قريبه المسؤول قال: بأنه إذا لم يتم تسليمه المواد المصادرة سوف يكشف عمليات تهريب المخدرات التي تجري في الحقائب الدبلوماسية من قبل بعض الأشخاص المسؤولين في البلاد.
إن المخدرات تعد اليوم من أخطر أنواع الأرهاب والقتل الخفي الذي يفتك بالشباب العراقي في ظل (غض الطرف) الذي تمارسه قوات الاحتلال العسكرية الامريكية ومختلف أجهزتها الاستخبارية، كونها صاحبة السلطة الفعلية في عراق اليوم، ويبدو ان هناك اطرافا تتعاون مع الاحتلال لتوسيع انتشار تلك المواد بين شبابه، ومن بين هذه الاطراف شخصيات سياسية مؤثرة تستند في عملها القذر هذا علي الحصانة التي توفرها لها العملية السياسية الطائفية القائمة الأن.
ان ظاهرة انتشار وتناول المخدرات بشكل كثيف بين المراهقين والشباب هي نتيجة عوامل عديدة سببها الأول الاحتلال ومؤسسات حكومة المحاصصة التي توفر الغطاء لمافيات تجار الموت، وهي السبب الرئيسي في حالة البطالة والتفكك الأسري والاجتماعي الذي أفرزته سنوات الاحتلال البغيض، وتلعب أجهزة المخابرات الأمريكية والإيرانية والإسرائيلية دورها في دعم هذه المافيات ـ كل حسب رؤيتها ـ لمستقبل تقسيم وتفكيك العراق إلي كانتونات طائفية وعرقية ومذهبية، وبما يخدم مصالحها الاستراتيجية علي المدي البعيد لتدمير واستهداف فئة الشباب العراقي تحديدا وجعله يعيش بعيدا عن واقعه البائس والمر الذي أوجده الاحتلال، كما أن الفشل المزري لحكومات الاحتلال المتعاقبة في معالجة مشاكل البطالة والفقر وإيجاد فرص العمل الملائمة قد سارع من وتيرة إدمان وتعاطي الشباب للمخدرات بمختلف أنواعها، لقد شخصت تقارير وزارة الصحة العراقية لعام 2003 و2004 أن من بين كل عشرة شبان عراقيين ما بين أعمار 18 و 30 عاما، ثلاثة إلي أربعة منهم مدمنون علي المخدرات الإيرانية، وهي أشد أنواع المخدرات، حيث تعمل علي إتلاف الجهاز العصبي وبشكل كامل خلال شهور من تعاطيها . هذه النسب كانت في السابق، أما الان فنشهد ارتفاعا جنونيا في النسب وهي نتاج حصيلة خمس سنوات ونيف عن عمر الاحتلال البغيض، وهو ما أكده كذلك الدكتور سيروان كامل مدير برنامج مكافحة المخدرات الذي اشار في حينها إلي أن 6037 حالة وفاة في عام 2004 سجلت بسبب تعاطي المخدرات شديدة السمية في المحافظات الجنوبية فقط . لقد تحول العراق إلي محطة ترانزيت وتجميع رئيسية لنقل الهيرويين والكوكايين المصنع في أفغانستان وإيران إلي دول العالم المختلفة، ولا اعرف كيف يفسر للناخب القرار الذي أصدر في 10 اب (أغسطس) 2006 والذي تم بموجبه إطلاق سراح 442 مجرما وإرهابيا خطير من المهربين الإيرانيين تحديدا، وهؤلاء قد تم القبض عليهم بالجرم المشهود والأدلة الموثقة الدامغة من قبل الأجهزة الأمنية في عهد حكومة إياد علاوي، وقد تم إطلاق سراحهم بأوامر إيرانية صريحة. كيف يراد لنا أن نصدق بأن الحكومة تعمل لمصلحة العراق أولا وأخيرا وليس لمصلحة إيران الرئيسية؟ إحساس صادق يراودك من هذا القرار.
ومن المفارقات والمهازل المضحكة ما جري مؤخرا في محافظة واسط، حيث قضت محكمة جنايات الكوت بالسجن ثلاث سنوات بتاريخ الأحد 2 اذار (مارس) 2008 علي امرأة إيرانية الجنسية أدينت بتجارة المخدرات وأجل النطق بالحكم علي إيرانية أخري موقوفة بالتهمة نفسها بحسب تصريح مدير مكتب مكافحة المخدرات في الكوت. أحد المحامين العراقيين والذي كان يراقب سير المحاكمة علق للصحافيين ساخرا بعد النطق بالحكم فقال: إن الحكم مخفف جدا ويعد مخالفة صريحة للقانون الجنائي العراقي، إذ أن الاتجار بالمخدرات يعد من الجرائم الكبري واستثني مرتكبوها من أي قانون عفو عام وتساءل ساخرا: هل الثلاث سنوات تعني أن هناك ملحقا بإيقاف تنفيذ بالعقوبة دون الإعلان عنه؟ .
إن المصادر داخل العراق تشير في الفترة الأخيرة إلي عزوف المزارعين في بعض مناطق الوسط والجنوب عن زراعة أرضهم بالمحاصيل الزراعية التقليدية (الخضروات والفواكه)، واللجوء الي زراعة نبتة الخشخاش الذي تستخرج منه مادة الافيون، وهذا يجري بحماية التحالف الوثيق بين تجار الموت وبعض السياسيين، معتمدين علي بعض الميليشيات الإرهابية، وهي ذات ولاء مطلق لقادتها الحزبيين وليس للوطن، وتحتل محافظة بغداد المرتبة الأولي في نسبة تناول المخدرات تليها محافظتا كربلاء والنجف نظرا لسهولة وصولها عن طريق الزوار الإيرانيين، وهؤلاء الزوار لا يتعرضون لأي تفتيش يذكر في المنافذ الحدودية.
لقد أوجد تحالف الشر من أمراء الحرب مع مافيات تجار المخدرات والسياسيين والمافيا الدولية تحالفا شريرا علي ارض العراق والهدف منه تدمير الشباب لأنهم كل ما تبقي من كيان وطني لدولة اسمها العراق.
إن المطارات في محافظات العراق والتي من المفروض أن تكون بمواصفات دولية لتساهم في زيادة حركة المسافرين والتبادل التجاري، أصبحت منافذ سهلة لغرض استخدامها في عمليات تهريب كبري للمخدرات علي اختلاف انواعها، كما وتستخدم في عمليات تهريب الاثار وتجارة الرقيق الابيض وكذلك عملية نقل وغسيل الاموال القذرة الناتجة عن مثل تلك التجارة... لقد ارتد السحر علي الساحر، فطوال سنوات الغزو الهمجي الأمريكي أصبح جنود الاحتلال أكثر عرضة للأمراض النفسية والكآبة المزمنة والهلوسة نتيجة طول فترة بقائهم في العراق وتنامي الشعور المتزايد بالإحباط واليأس لديهم، وخاصة مع تعرضهم شبه اليومي والمستمر لهجمات المقاومة الوطنية العراقية وحالة الرفض الشعبي المتنامي وسط المجتمع العراقي لهم، لذلك لجأ أغلب هؤلاء الجنود إلي محاولة النسيان والهروب من أوضاعهم السيئة بتناولهم المخدرات التي أصبحت تقلق بشكل متزايد قادتهم الميدانيين، ومن خلال توفيرها لهم بواسطة المترجمين العراقيين وبعض العاملين والمتعاقدين من الشركات الأجنبية الخاصة من مختلف الجنسيات، لقد وجد الإيرانيون وبعض التنظيمات والحركات الإرهابية المرتبطة بهم من خلال اختراقهم لقواعد العسكرية للجيش الأمريكي بواسطة بعض المترجمين المتقاعدين فرصة ذهبية لا تعوض بتوفير المخدرات لهؤلاء الجنود وبأسعار زهيدة لا تصدق، والهدف واضح وجلي هو محاولة لتدمير من الداخل إلي الخارج لبنية وهيكلية الجيش الأمريكي، والمستقبل القريب كفيل بكشف الكثير من الحقائق والتفاصيل الخافية الآن عن أعين الصحافة والصحافيين.. ولوجعنا ولوعتنا علي عراقنا نأمل في كشف زيف هؤلاء العصابات المتخفية تحت ظلال حكومة الاحتلال الطائفية الرابعة.. وإن العراق سوف ينتصر... ينتصر... ينتصر.. وإن غدا لناظره قريب
القدس العربي
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
ع/4
الحرب الجديدة الخفية في العراق .... صباح البغدادي
