هيئة علماء المسلمين في العراق

حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله (3) ... محمد الأحمد
حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله (3) ... محمد الأحمد حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله (3) ... محمد الأحمد

حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله (3) ... محمد الأحمد

سادساً: الترهيب من ترك الجهاد وبيان عواقبه: ترك الجهاد مع القدرة عليه كبيرة من كبائر الذنوب، بل لا خلاف بين العلماء على أن أي طائفة امتنعت عن جهاد الكفار أو ضرب الجزية عليهم تجاهد هي بذاتها حتى ترجع إلى الصواب وتلتزم هذه الفريضة المحكمة التي ورد بها الكتاب والسنة والإجماع، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "فأيما طائفة امتنعت من بعض الصلوات المفروضات أو الصيام... أو عن التزام جهاد الكفار أو ضرب الجزية على أهل الكتاب وغير ذلك من واجبات الدين ومحرماته التي لا عذر لأحد في جحودها وتركها التي يكفر الجاحد لوجوبها، فإن الطائفة الممتنعة تقاتَلُ عليها وإن كانت مقرة بها، وهذا مما لا أعلم فيه خلافاً بين العلماء... " (الفتاوى 28/503).

وقد وردت نصوص كثيرة تحذر من ترك الجهاد وتبين عواقب تركه وتصف الناكلين عنه بأقبح الأوصاف، وإليك بعضاً منها:

1- ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة، أما هلاك الدنيا فبالذلة والاستعباد وتسلط الكفار عليهم، وأما هلاك الآخرة فمعلوم، قال - تعالى -: ((وأنفقوا في سبيل الله، ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة، وأحسنوا إن الله يحب المحسنين)) [البقرة/195] قال أسلم بن عمران: حمل رجل من المهاجرين بالقسطنطينية على صف العدو حتى خرقه ومعنا أبو أيوب الأنصاري، فقال أناس: ألقى بيده إلى التهلكة، فقال أبو أيوب: نحن أعلم بهذه الآية، إنما نزلت فينا، صحبنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وشهدنا معه المشاهد ونصرناه، فلما فشا الإسلام وظهر اجتمعنا معشر الأنصار نجياً فقلنا: قد أكرمنا الله بصحبة نبيه - صلى الله عليه وسلم - ونصره حتى فشا الإسلام وكثر أهله، وكنا آثرناه على الأهلين والأموال والأولاد، وقد وضعت الحرب أوزارها، فنرجع إلى أهلينا وأولادنا فنقيم فيهما، فنزل فينا ((وأنفقوا... الآية)) فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد" رواه ابن حبان والحاكم وصححاه.

2- ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه قال - تعالى -: ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضروه شيئاً والله على كل شيء قدير)) [التوبة/39].

3- ترك الجهاد والفرح بالقعود من صفات المنافقين قال - تعالى -: ((لا يستأذنك الذين يؤمنون بالله واليوم الآخر أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم والله عليم بالمتقين، إنما يستأذنك الذين لا يؤمنون بالله واليوم الآخر وارتابت قلوبهم فهم في ريبهم يترددون)) [التوبة/44-45]. وقال - سبحانه -: ((فرح المخلفون بمقعدهم خلاف رسول الله وكرهوا أن يجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله وقالوا: لا تنفروا في الحر، قل: نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون، فليضحكوا قليلاً وليبكوا كثيراً جزاء بما كانوا يكسبون)) [التوبة/81-82].

4- ترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم، قال - تعالى -: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين)) [البقرة/251]. وقال - سبحانه -: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا)) [الحج/40].

5- ترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة وفضائل جمة منها الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية ودفع شر الكفار وإذلالهم، ورفع شأن المسلمين وإعزازهم.

6- ترك الجهاد قد يعرض لعقوبة عاجلة تنزل بالقاعدين عن الجهاد، كما قص الله - تعالى - من خبر بني إسرائيل لما طلب إليهم موسى - عليه الصلاة والسلام - أن يدخلوا الأرض المقدسة فقالوا: ((يا موسى إنا لن ندخلها أبداً ماداموا فيها فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، قال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي فافرق بيننا وبين القوم الفاسقين، قال: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلا تأس على القوم الفاسقين)) [المائدة/20-26]. وقد وعى أصحاب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - هذا الدرس جيداً، ففي يوم بدر لما استشارهم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في القتال؛ قال له المقداد: يا رسول الله: إنا لا نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسى فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون، ولكن امض ونحن معك" رواه البخاري. وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "إذا ضن الناس بالدينار والدرهم وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم" رواه أحمد.

7- ترك الجهاد سبب للذل والهوان قال - تعالى -: ((إلا تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم، ولا تضروه شيئاً، والله علىكل شيء قدير)) [التوبة/39]. قال - صلى الله عليه وسلم -: "لئن تركتم الجهاد وأخذتم بأذناب البقر وتبايعتم بالعينة ليلزمنكم الله مذلة في رقابكم لا تنفك حتى تتوبوا إلى الله، وترجعوا إلى ما كنتم عليه" رواه أحمد.

هذه بعض عواقب ترك الجهاد، وتفصيلها يطول، فاللهم أقم علم الجهاد واقمع أهل الزيغ والفساد، وانشر رحمتك على العباد.

سابعاً: ثمرات الجهاد وفوائده:

للجهاد فوائد عظيمة وثمرات يانعة ومصالح جمة تتحقق للأمة، بل وللعالم كله نذكر على سبيل المثال منها:

1- كشف المنافقين، فإنهم في حال الرخاء لا يتميزون عن غيرهم فإذا جاءت الشدة والبأساء تبينوا للمؤمنين وانكشفوا. قال - تعالى -((ماكان الله ليذر المؤمنين على ما أنتم عليه حتى يميز الخبيث من الطيب، وما كان الله ليطلعكم على الغيب)) [آل عمران/179]. وقال - سبحانه -: ((أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)) [آل عمران/142]. وقال عنهم في بدر: ((إذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض غر هؤلاء دينهم)) [الأنفال/49]. وقال عنهم في غزوة الأحزاب: ((وإذ يقول المنافقون والذين في قلوبهم مرض ماوعدنا الله ورسوله إلا غروراً)) [الأحزاب/12]، وقال - سبحانه -: ((فإذا ما أنزلت سورة محكمة وذكر فيها القتال رأيت الذين في قلوبهم مرض ينظرون إليك نظر المغشي عليه من الموت)) [محمد/20].

2- تمحيص المؤمنين من ذنوبهم. قال - تعالى -: ((وتلك الأيام نداولها بين الناس وليعلم الله الذين آمنوا، ويتخذ منكم شهداء، والله لا يحب الظالمين، وليمحص الله الذين آمنوا ويمحق الكافرين)) [آل عمران/140-141]

3- اتخاذ الشهداء منهم، للآية السابقة.

4- محق الكافرين، للآية السابقة.

5- تربية المؤمنين على الصبر والثبات والطاعة وبذل النفس والإيثار. قال - تعالى -: ((أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين)).

6- دخول الناس في دين الله - تعالى - فإن كثيراً من الناس لا ينقادون للحق الذي لا تحميه قوة ولا يكون له بأس، وعامة الخلق ينفرون من الضعيف والضعف ولذلك قال - تعالى -: ((لقد أرسلنا رسلنا بالبينات، وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط، وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس، وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب، إن الله قوى عزيز)) [الحديد/25] قال ابن كثير: "وجعلنا الحديد رادعاً لمن أبى الحق وعانده من بعد قيام الحجة عليه، ولهذا أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بمكة بعد النبوة ثلاث عشرة سنة توحى إليه السور المكية وكلها جدال مع المشركين وبيان وإيضاح للتوحيد وتبيان ودلائل، فلما قامت الحجة على من خالف، شرع الله الهجرة، وأمرهم بالقتال بالسيوف وضرب الرقاب والهام لمن خالف القرآن وكذب به وعانده" [ابن كثير/ تفسير سورة الحديد] ودعوة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أكبر شاهد على هذا إذ لما تكونت للمؤمنين في المدينة قوة يضربون بها في الأرض وفتحوا مكة جاءت العرب مسلمة مذعنة.

7- محو الفساد من الأرض، لأنه إن لم يجاهد المسلمون المفسدين ارتفع منار الفساد وقويت شوكة المفسدين، وتلك سنة جارية قال الله عنها: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، ولكن الله ذو فضل على العالمين)) [البقرة/251]. وقال - سبحانه -: ((ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز)) [الحج/40]. قال ابن زيد: "ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض: لولا القتال والجهاد" (الطبري 7/124]. وقال مقاتل: "لولا دفع الله المشركين بالمسلمين لغلب المشركون على الأرض فقتلوا المسلمين وخربوا المساجد" (زاد المسير 1/30]. وقال - سبحانه -: ((كيف وإن يظهروا عليكم لا يرقبوا فيكم إلاً ولا ذمة)) [التوبة/8]. وقال - تعالى -: ((ولن ترضى عنك اليهود ولا النصارى حتى تتبع ملتهم)) [البقرة/120].

8- ظهور صدق الدعوة للناس وذلك من وجوه:

أ- أن يشاهد الناس الدعاة إلى الله وهم يبذلون من أجله كل شيء مع خلوه من المطامع فيدعوهم ذلك إلى التفكر فيهم وفيما يدعون إليه.

ب- أن يرى الناس معاني ومبادئ تلك الدعوة تتحرك في أهلها بلا مواربة ولا خفاء ولذلك هاجر الرسول - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه ليتموا أمر الله ويعملوا بكل ما يؤمرون به، ولو كان أداء بعض شعائر الإسلام خفية كافياً في أداء حق الله - تعالى - على المسلم لما كان القاعد عن الهجرة بين ظهراني المشركين آثماً ((إن الذين توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم، قالوا: فيم كنتم؟ قالوا: كنا مستضعفين في الأرض، قالوا: ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها؟ فأولئك مأواهم جهنم وساءت مصيراً، إلا المستضعفين.. الآية)) [النساء/97-99].

ج- ما يمنحه الله للمجاهدين من أسباب النصر التي تخرق الأسباب المادية المألوفة، والتي تكون سبباً لتصديق الناس بهذه الدعوة. قال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا اذكروا نعمة الله عليكم إذ جاءتكم جنود فأرسلنا عليهم ريحاً وجنوداً لم تروها)) [الأحزاب/9] وهذا في غزوة الأحزاب. ومثله صار في بدر وغيرها من المشاهد.

9- أنه سبب لرأب صدع المسلمين وتآلفهم وقلة خلافاتهم: إذ يكون جل همهم ملاحقة عدوهم ونشر دينهم ودعوة الناس إلى الله. قال - تعالى -: ((هو الذي أيدك بنصره وبالمؤمنين، وألف بين قلوبهم لو أنفقت مافي الأرض جميعاً ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم إنه عزيز حكيم)) [الأنفال/26-63] وقال((وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم، واصبروا إن الله مع الصابرين)) [الأنفال/46]. وقال: ((يسألونك عن الأنفال؟ قل: الأنفال لله والرسول، فاتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم، وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين)) [الأنفال/1].

10- أنه سبب للهداية قال - تعالى -: ((والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا)) [العنكبوت/69]، قال سفيان بن عيينة لابن المبارك: إذا رأيت الناس قد اختلفوا فعليك بالمجاهدين وأهل الثغور، فإن الله - تعالى - يقول: (لنهدينهم) [القرطبي 13/364] وقال ابن جرير: "لنهدينهم سبلنا، يقول: لنوفقنهم لإصابة الطرق المستقيمة، وذلك إصابة دين الله الذي هو الإسلام الذي بعث الله به محمداً - صلى الله عليه وسلم -" (الطبري 21/15].

11- أنه سبب لاستمساك المسلمين بدينهم، وحرصهم على الحفاظ عليه، وذلك لأنهم بذلوا في سبيله الغالي والرخيص، فلا يمكن أن يفرطوا فيه أو يتهاونوا به. قال سيد قطب: "ولابد من تربية النفوس بالبلاء ومن امتحان التصميم على معركة الحق بالمخاوف... ليؤدي المؤمنون تكاليف هذه العقيدة كي تعز على نفوسهم بمقدار ما أدوا في سبيلها من تكاليف، والعقائد الرخيصة التي لا يؤدي أصحابها تكاليفها، لا يعز عليهم التخلي عنها عند الصدمة الأولى، فالتكاليف هنا هي الثمن الذي تعز به العقيدة في نفوس أهلها قبل أن تعز في نفوس الآخرين" [الظلال 2/145].

ثامناً: عوامل النصر:

الأول:
الإيمان والتقوى. قال - تعالى -: ((إن الله يدافع عن الذين آمنوا)) [الحج/38] وقال - تعالى -: ((إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الأشهاد)) [غافر/51]. وقال - تعالى -: ((ولقد أرسلنا من قبلك رسلاً إلى قومهم فجاءوهم بالبينات فانتقمنا من الذين أجرموا، وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)) [الروم/47] وقال - سبحانه -: ((وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم... الآية)) [النور/55] والآيات الدالة على أن الإيمان عامل مهم من عوامل النصر على الأعداء كثيرة جداً.

وأما التقوى فقال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار وليجدوا فيكم غلظة واعلموا أن الله مع المتقين)) [التوبة/123] وقال - تعالى -: ((تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً، والعاقبة للمتقين)) [القصص/83] وقال: ((ومن يتق الله يجعل له مخرجاً)) [الطلاق/2] وقال جل وعز: ((وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)) [آل عمران/120] وقال - سبحانه -: ((بلى إن تصبروا وتتقوا ويأتوكم من فورهم هذا يمددكم ربك بخمسة آلاف من الملائكة مسومين)) [آل عمران/125] وغير ذلك من الآيات.

الثاني:
الإعداد، وذلك بإعداد الآتي:

أ- إعداد القوة الضاربة.
ب- إعداد المال اللازم.
ج - إعداد الجنود الصالحين للجهاد.

ويجمع هذه الألوان من الإعداد قوله - تعالى -: ((وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم وما تنفقوا من شيء في سبيل الله يوف إليكم وأنتم لا تظلمون)) [الأنفال/60].

الثالث: الثبات.
الرابع: ذكر الله كثيراً.
الخامس: طاعة الله وطاعة رسوله.
السادس: عدم التنازع، ومما يدل على هذه الثلاثة أول سورة الأنفال.
السابع: الصبر.

والدليل على هذه الخمسة قوله - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيراً لعلكم تفلحون، وأطيعوا الله ورسوله، ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين)) [الأنفال/45-46] وقد لقن المؤمنون درساً شديداً في أحد حينما تنازعوا وعصوا الرسول - صلى الله عليه وسلم - قال - تعالى -: ((ولقد صدقكم الله وعده، إذ تحسونهم بإذنه، حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعدِ ما أراكم ما تحبون، منكم من يريد الدنيا ومنكم من يريد الآخرة، ثم صرفكم عنهم ليبتليكم، ولقد عفا عنكم والله ذو فضل على المؤمنين)) [آل عمران/152].

الثامن:
الإخلاص لله - تعالى - في القتال، فلا يقاتلون حمية ولا عصبية ولا رياء وسمعة قال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا إن تنصروا الله ينصركم ويثبت أقدامكم)) [محمد/7]، وقال: ((ولينصرن الله من ينصره...)) [الحج/40]، ومثل ذلك الآيات التي وصفت القتال بأنه في سبيل الله، وهي كثيرة جداً، وقد نهى الله المؤمنين عن التشبه بالكافرين في قوله - جل ذكره -: ((ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطراً ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله، والله بما يعملون محيط)) [الأنفال/47].

التاسع:
تطهير الجيش من العناصر الفاسدة والضعيفة قال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودوا ما عنتم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر...)) [آل عمران/118]، وقال - تعالى - مبيناً ضرر خروج المنافقين في صفوف المجاهدين: ((لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالاً ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة، وفيكم سماعون لهم، والله عليم بالظالمين)) [التوبة/47]، وقد اختبر طالوت جنوده قبل لقاء العدو ليطهر جيشه من العناصر المخذلة ((فلما فصل طالوت بالجنود قال إن الله مبتليكم بنهر، فمن شرب منه فليس مني، ومن لم يطعمه فإنه مني إلا من اغترف غرفة بيده فشربوا منه إلا قليلاً منهم، فلما جاوزه هو والذين آمنوا معه قالوا لا طاقة لنا اليوم بجالوت وجنوده، قال الذين يظنون أنهم ملاقو الله كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين)) [البقرة/249] وظهر أثر هذا التطهير بغلبة طالوت على جالوت: ((فهزموهم بإذن الله، وقتل داود جالوت)).

العاشر:
التوكل على الله: إن المجاهدين إذا أعدوا عدتهم وأخذوا بأسباب النصر لزمهم أن يتوكلوا على الله ولا يتكلوا على أسبابهم المادية، فإن الأسباب لا تغني من الحق شيئاً إذا لم يأذن الله بالنصر قال - تعالى -: ((إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده، وعلى الله فليتوكل المؤمنون)) [آل عمران/160]. وقال: ((ومن يتوكل على الله فهو حسبه)) [الطلاق/3].

الحادي عشر:
الدعاء، قال - تعالى - في حق قوم طالوت: ((ولما برزوا لجالوت وجنوده قالوا: ربنا أفرغ علينا صبراً وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)) [البقرة/250]. وقال - تعالى -: ((وكأين من نبي قاتل معه ربيون كثير، فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله وما ضعفوا وما استكانوا والله يحب الصابرين، وما كان قولهم إلا أن قالوا: ربنا اغفر لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا وثبت أقدامنا وانصرنا على القوم الكافرين)) [آل عمران/ 146، 147]. والآيات الدالة على وجوب الدعاء كثيرة.

الثاني عشر:
التوبة، لاشك أن التوبة من أعظم وسائل النصر، ولذلك كان أتباع الأنبياء يلهجون بالاستغفار قبل الدخول في المعركة كما في الآية السابقة، وقال - تعالى -: ((وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير] [الشورى/30]. وقال جل شأنه: [أولما أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها، قلتم: أنى هذا؟ قل: هو من عند أنفسكم)) [آل عمران/165].

الثالث عشر:
التحريض على القتال وترغيب المؤمنين في الجهاد وذلك بإقامة الخطباء المؤثرين والوعاظ والأناشيد الحماسية ((يا أيها النبي حرض المؤمنين على القتال... الآية)) [الأنفال/ 65] وقال - جل وعز -: ((فقاتل في سبيل الله، لا تكلف إلا نفسك وحرض المؤمنين عسى الله أن يكف بأس الذين كفروا...)) [النساء/84].

الرابع عشر:
الحذر من تغرير الشيطان بالمؤمنين، وذلك بأن يتكلوا على أسبابهم المادية، أو يعجبوا بأعمالهم وينسوا ذنوبهم كما فعل بالمشركين في بدر: ((وإذ زين لهم الشيطان أعمالهم، وقال: لا غالب لكم اليوم من الناس، وإني جار لكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه، وقال: إني بريء منكم، إني أرى مالا ترون إني أخاف الله، والله شديد العقاب)) [الأنفال/ 48]. قال ابن عباس: لما كان يوم بدر سار إبليس برايته وجنوده مع المشركين، وألقى في قلوب المشركين أن أحداً لن يغلبكم وإني جار لكم، فلما التقوا ونظر الشيطان إلى إمداد الملائكة نكص على عقبيه وقال: إني أرى مالا ترون.. الآية.

الخامس عشر:
إيهام العدو بغير الحقيقة، كأن يوهمهم المجاهدون أن عددهم قليل، ليتقدم العدو ثم ينقض عليهم المجاهدون، أو يوهمهم بكثرة عدوهم ليرهبوهم قال - تعالى -: ((إذ يريكهم الله في منامك قليلاً، ولو أراكهم كثيراً لفشلتم وتنازعتم في الأمر ولكن الله سلم، إنه عليم بذات الصدور، وإذ يريكموهم إذ التقيتم في أعينكم قليلاً ويقللكم في أعينهم ليقضي الله أمراً كان مفعولاً، وإلى الله ترجع الأمور)) [الأنفال/ 43-44] فأرى الله نبيه قلة عدد العدو ليخبر أصحابه فيكون تثبيتاً لهم ولو أراه العدو كثيراً فأخبرهم لوهنوا وضعفوا، فلما التقوا أرى الله المؤمنين قلة عدد العدو ليقدموا على قتالهم حتى قال ابن مسعود لرجل بجواره: أتراهم سبعين فقال: أراهم مائة. وقلل المؤمنين في أعين العدو ليجترئوا على المسلمين ولا يستعدوا لقتالهم حتى قال أبو جهل: "إنما أصحاب محمد أكلة جزور" أي لقلتهم يكفيهم جزور واحد في اليوم... قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: "الحرب خدعة" [متفق عليه].

السادس عشر:
أخذ الحذر من العدو قال - تعالى -: ((يا أيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعاً)) [النساء/71] وقال - تعالى - في آية صلاة الخوف: ((وإذا كنت فيهم فأقمت لهم الصلاة فلتقم طائفة منهم معك، وليأخذوا أسلحتهم، فإذا سجدوا فليكونوا من ورائكم، ولتأت طائفة أخرى لم يصلوا فليصلوا معكم، وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم، ود الذين كفروا لو تغفلون عن أسلحتكم وأمتعتكم فيميلون عليكم ميلة واحدة، ولا جناح عليكم إن كان بكم أذى من مطر أو كنتم مرضى أن تضعوا أسلحتكم، وخذوا حذركم، إن الله أعد للكافرين عذاباً مهينا)) [النساء/ 102].

السابع عشر:
التنظيم، ومنه قوله - تعالى -: ((إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)) [الصف/ 4]، ومنه الاستئذان عند الانصراف قال - تعالى -: ((إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله وإذا كانوا معه على أمر جامع لم يذهبوا حتى يستأذنوه، إن الذين يستأذنوك أولئك الذين يؤمنون بالله ورسوله، فإذا استأذنوك لبعض شأنهم فأذن لمن شئت منهم، واستغفر لهم الله، إن الله غفور رحيم)) [النور/62] ومنه الآية في صلاة الخوف.

الثامن عشر:
إذكاء روح العزة في نفوس المؤمنين، واستشعارهم أنهم الأعلون أصحاب الحق الخالد في الدنيا والآخرة قال - تعالى -: ((ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين)) [آل عمران/139] ومن صور إظهار العزة: الخيلاء وله صورتان:

أ - إظهار التجلد للكافرين وإبراز القوة وشدة البأس، قال ابن عباس - رضي الله عنهما - في عمرة القضاء: قدم رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، فقال المشركون: إنه يقدم عليكم وقد وهنتهم حمى يثرب، فأمرهم النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يرملوا الأشواط الثلاثة، وأن يمشوا مابين الركنين، ولا يمنع جواز إظهار القوة بالعدة والسلاح ونحو ذلك للكفار إرهاباً لهم، ولا يعد ذلك من الرياء المذموم« (فتح البارى 3/470]..

ب - أن يختال المجاهد في مشيته أمام العدو ليظهر عزته على الكافرين ((أعزة على الكافرين)) وفي حديث جابر بن عتيك عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنه قال: "... وأن من الخيلاء ما يبغض الله ومنها ما يحب الله، فأما الخيلاء التي يحب الله فاختيال الرجل بنفسه عند القتال... " رواه أحمد والترمذي والنسائي وأبو داود.

تلك بعض وسائل النصر الواردة في كتاب الله وما تركناه منها كثير، والله المستعان...
______________________________
من مراجع هذا البحث:
- تفسير الطبري.
- زاد المسير لابن الجوزي.
- تفسير القرطبي.
- تفسير ابن كثير.
- مدارج السالكين وطريق الهجرتين وزاد المعاد لابن القيم.
- الجواب الصحيح ومجموع الفتاوى والصارم المسلول لابن تيمية.
- أهمية الجهاد للعلياني.
- الجهاد في سبيل الله لعبد الله القادري.
- المقدمات الممهدات لابن رشد.
- في ظلال القرآن لسيد قطب.
- بدائع الصنائع للكاساني.
- الجهاد في سبيل الله لمحمد شديد.
- فتح الباري لابن حجر.



محمد الأحمد
المختار الاسلامي

أضف تعليق