هيئة علماء المسلمين في العراق

حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله ( 2 ) ... محمد الأحمد
حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله ( 2 ) ... محمد الأحمد حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله ( 2 ) ... محمد الأحمد

حديث القرآن عن الجهاد في سبيل الله ( 2 ) ... محمد الأحمد

ثالثاً فضائل الجهاد: قد وردت في الكتاب والسنة فضائل كثيرة للجهاد نجتزئ بذكر طرف مما ورد في كتاب الله منها: 1 - أن حركات المجاهد كلها مكتوبة له من حين يخرج من بيته، قال - تعالى -: ]ما كان لأهل المدينة ومن حولهم من الأعراب أن يتخلفوا عن رسول الله ولا يرغبوا بأنفسهم عن نفسه ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا مخمصة في سبيل الله، ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار ولا ينالون من عدو نيلاً إلا كتب لهم به عمل صالح إن الله لا يضيع أجر المحسنين، ولا ينفقون نفقة صغيرة ولا كبيرة ولا يقطعون وادياً إلا كتب لهم ليجزيهم الله أحسن ما كانوا يعملون[[التوبة: 120 121].

2 - أنه أفضل من نوافل العبادات، قال - تعالى -: [أجعلتم سقاية الحاج وعمارة المسجد الحرام كمن آمن بالله واليوم الآخر وجاهد في سبيل الله لا يستوون عند الله، والله لا يهدي القوم الظالمين، الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان، وجنات لهم فيها نعيم مقيم خالدين فيها أبداً إن الله عنده أجر عظيم][التوبة: 19 21]. قال ابن القيم - رحمه الله -: "فأخبر - سبحانه وتعالى- أنه لا يستوي عنده عمار المسجد الحرام وهم عُمّاره بالاعتكاف والطواف والصلاة هذه هي عمارة المساجد المذكورة في القرآن وأهل سقاية الحاج، لا يستوون هم وأهل الجهاد في سبيل الله، وأخبر أن المؤمنين المجاهدين أعظم درجة عنده، وأنهم هم الفائزون، وأنهم أهل البشارة بالرحمة والرضوان والجنات، فنفى التسوية بين المجاهدين وعمار المسجد الحرام مع أنواع العبادة، مع ثنائه على عماره بقوله - تعالى -: [إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله واليوم الآخر وأقام الصلاة وآتى الزكاة ولم يخش إلا الله فعسى أولئك أن يكونوا من المهتدين]فهؤلاء هم عمار المساجد، ومع هذا فأهل الجهاد أرفع درجة عند الله منهم" [طريق الهجرتين: 623].

3 - أنه سبب للحصول على رحمة الله للآية السابقة.

4 - أنه سبب للحصول على رضوان الله للآية السابقة.

5 - أنه سبب للفوز بمرتبة الشهادة والتي جعل الله أصحابها في مصاف النبيين فقال - تعالى -: [ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا][النساء: 69]، وأخبر الله عن منزلتهم عنده فقال: [ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً، بل أحياء عند ربهم يرزقون. فرحين بما آتاهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم ألا خوف عليهم ولا هم يحزنون، يستبشرون بنعمة من الله وفضل وأن الله لا يضيع أجر المؤمنين][آل عمران: 169 171].

6 - حصول المجاهد على الأجر العظيم، قال - تعالى -: [فليقاتل في سبيل الله الذين يشرون الحياة الدنيا بالآخرة ومن يقاتل في سبيل الله فيقتل أو يغلب فسوف نؤتيه أجراً عظيماً][النساء: 74، 76]، وقال: [وفضل الله المجاهدين على القاعدين أجراً عظيماً، درجات منه ومغفرة ورحمة].

7 - أنه سبب لدخول الجنة، قال - تعالى -: [إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة يقاتلون في سبيل الله فيقتلون ويقتلون وعداً عليه حقاً في التوراة والإنجيل والقرآن، ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم][التوبة: 111]، وقال - تعالى -: [الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله، وأولئك هم الفائزون، يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم، خالدين فيها أبداً، إن الله عنده أجر عظيم][التوبة: 20 22]، وقال: [يا أيها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، يغفر لكم ذنوبكم ويدخلكم جنات تجري من تحتها الأنهار ومساكن طيبة في جنات عدن ذلك الفوز العظيم، وأخرى تحبونها نصر من الله وفتح قريب، وبشر المؤمنين][الصف: 10 13].

8 - أنه سبب لمغفرة الله، لآية الصف السابقة.

9 - أنه سبب للنجاة من العذاب الأليم ودليل ذلك آية الصف السابقة.

10 - أنه سبب للفلاح، قال - تعالى -: [يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة وجاهدوا في سبيله لعلكم تفلحون][المائدة: 35].

11- أنه سبب لتحقق الإيمان، قال - تعالى -: [والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله، والذين آووا ونصروا أولئك هم المؤمنون حقاً لهم مغفرة ورزق كريم][الأنفال: 72 74].

12 - أنه سبب لحفظ الحق وتمكينه ورفع الباطل، قال - تعالى -: [ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع ومساجد وصلوات يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز][الحج: 40]، [ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض ولكن الله ذو فضل على العالمين][البقرة: 251].


هذه جملة من فضائله وما تركناه أكثر من ذلك.

مراحل تشريع الجهاد:

مر الجهاد الإسلامي بمراحل قبل أن يصدر إلى حكمه النهائي الآنف الذكر، وهي:

المرحلة الأولى:
مرحلة الكف عن المشركين والإعراض عنهم والصبر على أذاهم مع الاستمرار في دعوتهم إلى دين الحق، وقد دلت على ذلك كثير من الآيات المكية، منها قوله - تعالى -: [قل للذين آمنوا يغفروا للذين لا يرجون أيام الله.. ][الجاثية: 14]. وقال - تعالى -: [فمهل الكافرين أمهلهم رويدا][الطارق: 17]، وقال - تعالى -: [لست عليهم بمسيطر][الغاشية: 22]، وقال - تعالى -: [وقيله يا رب إن هؤلاء قوم لا يؤمنون، فاصفح عنهم وقل سلام فسوف يعلمون][الزخرف: 88 89]. وغير ذلك من الآيات المكية.

وبينت ذلك بعض الآيات المدنية، قال - تعالى -: [ألم تر إلى الذين قيل لهم كفوا أيديكم وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة، فلما كتب عليهم القتال إذا فريق منهم يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية، وقالوا: ربنا لم كتبت علينا القتال لولا أخرتنا إلى أجل قريب][النساء: 77]، وقال رسول الله r لأصحابه في مكة: "إني أمرت بالعفو فلا تقاتلوا.. " [رواه النسائي والحاكم، وقالا على شرط البخاري]، ولما استأذنه أهل يثرب ليلة العقبة أن يميلوا على أهل منى فيقتلوهم قال: "إني لم أومر بهذا" [أخرجه أحمد والطيالسي].

ولعل من حكم الكف والله أعلم ما يأتي:

1- تربية الصحابة على الصبر على الظلم الذي يواجهونه من قومهم، فيتعودون على ضبط أعصابهم عند استثارتها، لأنهم تربوا في بيئة لا ترضى بذلك ولا تصبر عليه، وذلك ليتم الاعتدال في طبائعهم، وليكون في ذلك تربية على الانقياد والطاعة للقيادة التي لا يعرفها العرب.

2- وقد يكون لأن الدعوة السلمية أكثر أثراً في قبيلة ذات عنجهية وثارات إذ قد يدفعها قتالها إلى زيادة العناد، فتتولد من ذلك ثارات لا تنطفئ أبداً، وتكون مرتبطة بالدعوة إلى الإسلام فتتحول فكرة الإسلام من دعوة إلى ثارات تنسى معها فكرته الأساسية.

3- ولو أمروا بذلك وهم ليسوا سلطة منتظمة لوقعت مقتلة في كل بيت فيه مؤمن ثم يقال: هذا هو الإسلام يأمر بقتل الأهل والذرية، فتكون سلاحاً إعلامياً ضد المسلمين.

4- ولعلم الله السابق بأن كثيراً من هؤلاء المعاندين سيكونون من جند الله بل من خلصهم وقادتهم، وعمر بن الخطاب خير شاهد على ذلك.

5- ولقلة عدد المسلمين وانحصارهم في مكة فلو أمروا بالقتال لكان سبباً إلى فناء المؤمنين ولابد قبل الخوض في معركة مع الباطل من تأسيس القاعدة العريضة التي لا تتأثر بفناء ثلة منها في معركة حاسمة مع الطغاة.

6- وربما كان ذلك أيضاً لأن النخوة العربية في بيئة قبلية من عادتها أن تثور للمظلوم الذي يحتمل الأذى ولا يتراجع، وبخاصة إذا كان الأذى واقعاً على كرام الناس فيهم، وقد وقع ما يدل لهذا، فابن الدغنة ثار لأبي بكر لما رآه خارج مكة يريد مفارقتها، وكذلك خبر نقض الصحيفة الجائرة، والصبر في مثل هذه المواطن يكسب الدعوة والدعاة تعاطفاً شعبياً، ولو أنهم لجأوا إلى القوة لخسروا هذا التعاطف بل قد يزداد الأمر شدة من كل الناس.

7- ولأن الصبر في مثل هذه المواطن يدعو إلى تفكر المجتمع في حال هؤلاء المؤمنين وإلى تساؤل مفاده: ما الذي يدعوهم إلى كل هذا التحمل؟ إن الذي يدعوهم إليه حق يحملونه في قلوبهم ويقين بصدق ما هم عليه لا يمكنهم التراجع عنه، فيكون ذلك سبباً في إيمانهم.

8- ولم تكن هناك ضرورة ملحة للقتال لأن النبي بعث في أمة تعيش على النظام القبلي، فالقبيلة لا ترضى أن يخلص إلى رجل منها وإن كان على غير دينها من قبيل النخوة، وقد كان رسول الله r محمياً من بني هاشم وكان يقوم بدعوته ولم تقدر قريش على قتله خوفاً من بني هاشم.

هذه هي بعض الحكم المستفادة من تلك المرحلة أطنب في ذكر بعضها سيد قطب في كتابه الظلال (2/713 715].


المرحلة الثانية:
إباحة القتال من غير فرض في المدينة، قال - تعالى -: [إن الله يدافع عن الذين آمنوا إن الله لا يحب كل خوان كفور، أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذي أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع.. الآية][الحج: 38 40].


المرحلة الثالثة:
فرض القتال على المسلمين لمن يقاتلهم فقط، قال - تعالى -: [فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً. ستجدون آخرين يريدون أن يأمنوكم ويأمنوا قومهم كل ما ردوا إلى الفتنة أركسوا فيها، فإن لم يعتزلوكم ويلقوا إليكم السلم ويكفوا أيديهم فخذوهم واقتلوهم حيث ثقفتموهم وأولئك جعلنا لكم عليهم سلطاناً مبيناً]النساء: 90 91]. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "ولم يؤمروا بقتال من طلب مسالمتهم، بل قال: [فإن تولوا فخذوهم.. الآية[وكذلك من هادنهم لم يكونوا مأمورين بقتاله وإن كانت الهدنة عقداً جائزاً غير لازم][الجواب الصحيح: 1/73] وقال أيضاً: "فمن المعلوم من سيرة النبي الظاهر علمه عند كل من له علم بالسيرة أنه r لما قدم المدينة لم يحارب أحداً من أهل المدينة بل وادعهم حتى اليهود خصوصاً بطون الأوس والخزرج فإنه كان يسالمهم ويتألفهم بكل وجه، وكان الناس إذا قدمها على طبقات: منهم المؤمن وهم الأكثرون. ومنهم الباقي على دينه وهم متروك لا يحارب ولا يحارب. وهو والمؤمنون من قبيلته وحلفائهم أهل سلم لا أهل حرب، حتى حلفاء الأنصار أقرهم النبي على حلفهم" [الصارم المسلول: 99].


المرحلة الرابعة:
قتال جميع الكفار من كل الأديان ابتداء وإن لم يبدأوا بقتال حتى يسلموا أو يدفعوا الجزية على الخلاف المعروف فيمن تؤخذ منه، وهذه المرحلة بدأت من انقضاء أربعة أشهر من بعد حج العام التاسع من الهجرة ومن بعد انقضاء العهود المؤقتة، وتوفي رسول الله والعمل على هذه المرحلة وعليها استقر حكم الجهاد، قال - تعالى -: [فإذا انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين حيث وجدتموهم وخذوهم واحصروهم واقعدوا لهم كل مرصد، فإن تابوا وأقاموا الصلاة وآتوا الزكاة فخلوا سبيلهم إن الله غفور رحيم][التوبة: 5]، وقال: [قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله، ولا يدينون دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون][التوبة: 29]. قال ابن القيم - رحمه الله -: "فاستقر أمر الكفار معه بعد نزول براءة على ثلاثة أقسام: محاربين له، وأهل عهد، وأهل ذمة، ثم آل حال أهل العهد والصلاح إلى الإسلام فصاروا معه قسمين: محاربين، وأهل ذمة" [زاد المعاد 3/160].

وهل هذه المرحلة ناسخة لما قبلها من المراحل؟ نقول: إنها ناسخة بالنسبة لأقوام غير ناسخة بالنسبة لآخرين، فمن كان ذا قوة ومنعة ودولة وحاله كالحال التي آلت إليه دولة رسول الله r فإن المراحل السابقة منسوخة في حقه لا يجوز له العمل بها ألبتة، ومن كان في ضعف وذل بل ولا دولة له فإن المراحل السابقة غير منسوخة في حقه بل يعمل بالذي يناسب ظرفه الذي يعيش فيه، كما كان عليه المسملون أول الأمر، قال شيخ الإسلام ابن تيمية: "... فمن كان من المؤمنين بأرض هو فيها مستضعف أو في وقت هو فيه مستضعف فليعمل بآية الصبر والصفح والعفو عمن يؤذي الله ورسوله من الذين أوتوا الكتاب والمشركين، وأما أهل القوة فإنما يعملون بآية قتال أئمة الكفر الذين يطعنون في الدين، وبآية قتال الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون: [الصارم المسلول/221].

خامساً: أهداف الجهاد وغايته:

لم يشرع الجهاد عبثاً، ولا لتحقيق أهداف شخصية، أو مطامع مادية، أو مكاسب سياسية، أو لبسط النفوذ وتوسيع الرقعة، ولا لإزهاق النفوس وسفك الدماء، والتسلط على الناس واستعبادهم، وإنما شرع لأهداف جليلة، وغايات نبيلة، نذكر بأهمها بعد ذكر هدفه الأساسي:

أما هدفه الأساسي: فهو تعبيد الناس لله وحده، وإعلاء كلمة الله في الأرض، وإظهار دينه على الدين كله ولو كره المشركون.

قال - تعالى -: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلا على الظالمين][البقرة: 193]، وقال - سبحانه -: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله، فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير][الأنفال: 39]، وقال - سبحانه -: [هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله ولو كره المشركون][التوبة/33، الصف/9]. وقال: "من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله" رواه مسلم.

ومن أهداف الجهاد:

1- رد اعتداء المعتدين على المسلمين: قال - تعالى -: [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم، ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين][البقرة/190]، وقال - تعالى -: [ألا تقاتلوا قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدأوكم أول مرة، أتخشونهم فالله أحق أن تخشوه إن كنتم مؤمنين][التوبة/ 13].

2- إزالة الفتنة عن الناس حتى يستمعوا إلى دلائل التوحيد من غير عائق وحتى يروا نظام الإسلام مطبقاً ليعرفوا ما فيه من عدل وإصلاح للبشر، قال - تعالى -: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة]، والفتنة أنواع:

أ - ما يمارسه الكفار من تعذيب المستضعفين من المؤمنين والتضييق عليهم ليرتدوا عن دينهم، قال - تعالى -: [وما لكم لا تقاتلون في سبيل الله والمستضعفين من الرجال والناس والولدان الذين يقولون ربنا أخرجنا من هذه القرية الظالم أهلها.. ][النساء/ 75]، ومن ذلك أيضاً فك أسرى المسلمين كيلا يفتنهم الكفار.

ب - الأوضاع والأنظمة الشركية وما ينتج عنها من فساد في شتى مجالات الحياة فإن هذه من شأنها أن تفتن المسلم عن دينه، وبهذا فسر بعض السلف قوله - تعالى -: [وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة]، قالوا: إن الفتنة الشرك ونحوه، ولذلك فإن أهل الجزية من أهل الذمة ونحوهم يمنعون من المجاهرة بدينهم والتعامل بالربا وإظهار الزنا والخنا، لأن هذه الأوضاع تفتن المسلم عن دينه.

ج - فتنة الكفار أنفسهم وصدهم الناس ومن تحت ولايتهم عن استماع الحق وإقامتهم سياجاً منيعة أمام دين الله لئلا يدخله الناس، فيجب أن يقام على هؤلاء الجهاد حتى يفسح المجال لدين الله يراه الناس ويعرفونه وتقوم عليهم الحجة به، وبهذا يدخل الناس في الإسلام إذ غلب ما يصد الشعوب عن دين الله إقامة دول الكفر والحواجز والسدود أمام دين الله كيلا يدخل إلى الشعوب.

3- حماية الدولة الإسلامية من شر الكفار: قال - تعالى -: [وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم... ]ومن أجل ذلك شرع الله الرباط على الثغور لحماية دولة الإسلام من المتربصين بها[يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون][آل عمران/ 200].

4- تأديب المتمردين والناكثين للعهود المنتهزين سماحة الإسلام وأهله، قال - تعالى - في حق من نقضوا العهود والمواثيق: [وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون، ألا تقاتلون قوماً نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول][التوبة/ 12، 13]، وكذلك من كان بينه وبين المسلمين عهد وتوجس المسلمون منه شراً وحرباً، فإنه ينبذ إليه عهده ويكشف له حقيقة الأمر ثم يقاتل، قال - تعالى -: [وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء إن الله لا يحب الخائنين][الأنفال/ 58]، وكذلك البغاة من المسلمين وهم الذين يخرجون على الإمام العادل بتأويل، فيقاتلون حتى تذهب ريحهم[فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله][الحجرات/ 9]، ومثل البغاة، من أجمعوا على ترك واجب أو فعل محرم وتواطأوا عليه فيقاتلون حتى يستقيموا، وأشد منهم المرتدون، فيقاتلون حتى يسلموا أو يبادوا كما فعل ذلك أبو بكر الصديق مع المرتدين.

5 - دفع الظلم والدفاع عن الأنفس والحرمات والأوطان والأموال قال - تعالى -: [أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا: ربنا الله][الحج/ 39، 40].

6- إرهاب الكفار وإخراجهم وإذلالهم وإغاظتهم[وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم][الأنفال/ 60]، وقال - سبحانه -: [قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين][التوبة/ 14]. وقال: [ذلكم وأن الله موهن كيد الكافرين][الأنفال/ 18]، وقال رسول الله: "خير الناس في الفتنة رجل معتزل في ماله يعبد ربه ويؤدي حقه، ورجل آخذ برأس فرسه في سبيل الله يخيفهم ويخيفونه" [رواه أحمد]، قال ابن القيم: "... ولا شيء أحب إلى الله من مراغمة وليه لعدوه وإغاظته له، وقد أشار - سبحانه - إلى هذه العبودية في مواضع من كتابه أحدها قوله: [ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الأرض مراغماً كثيراً وسعة][النساء/100]، سمى المهاجر الذي يهاجر إلى عبادة الله مراغماً، يراغم به عدو الله وعدوه، والله يحب من وليه مراغمة عدوه وإغاظته كما قال - تعالى -: [ذلك بأنهم لا يصيبهم ظمأ ولا نصب ولا مخمصة في سبيل الله ولا يطأون موطئاً يغيظ الكفار.. ]وقال - تعالى - في مثل رسول الله وأتباعه: [ومثلهم في الإنجيل كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار][الفتح/ 29] اهـ [مدارج السالكين 1/266].

تلك بعض أهداف الجهاد التي شرع من أجل تحقيقها، وأما غايته التي يتوقف عندها الجهاد: هي إسلام أهل الأرض كلهم واعتناقهم عقيدة الإسلام من غير أهل الكتاب والمجوس. أما هؤلاء إذا دفعوا الجزية ملتزمين أحكام الإسلام حال كونهم في ذلك وصغار فإن المسلمين يكفون عن قتالهم وبهذا تكون كلمة الله هي العليا ودين الحق والباطل وأهلهما قائم ما وجد في الأرض اثنان، قال: "لا تزال عصابة من المسلمين يقاتلون على الحق ظاهرين على من ناوأهم إلى يوم القيامة" [متفق عليه]، وقال الإمام البخاري في صحيحه: باب الجهاد ماض مع البر والفاجر لقول النبي r: "الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة الأجر والغنم، قال الحافظ: "سبقه إلى الاستدلال بهذا الإمام أحمد لأنه ذكر بقاء الخير في نواصي الخيل إلى يوم القيامة، وفسره بالأجر والمغنم.والمغنم المقترن بالأجر إنما يكون من الخيل بالجهاد، ولم يقيد ذلك بما إذا كان الإمام عادلاً" [فتح الباري 6/42].


محمد الأحمد
المختار الاسلامي

أضف تعليق