محاولة فهم من كسب حرب العراق تعد بمثابة لعبة تحد محفوفة بالمخاطر. كل حزب ، جماعة ودولة خسرت في هذه الحرب تقريبا. المنتصرون الوحيدون الاكيدون هم ايران والاكراد وحفنة من الشركات الاميركية الضخمة. مع ذلك ، يصبح واضحا شيئا فشيئا بأن هناك منتصرا آخر: اميركا اللاتينية.
ولأن الولايات المتحدة استنفدت بالكامل في النزاع العراقي ، فإنه ليس لديها الوقت ، أو المقدرة أو رأس المال السياسي لاتخاذ اجراءات صارمة حيال التحديات الى الجنوب من ريو غرانده.
ومع شعور دول اميركا اللاتينية بهذه الفرصة التاريخية ، فقد باشرت اطلاق بعض الاختبارات كانت الولايات المتحدة ستتدخل على الفور في حقب زمنية سابقة لسحقها. الاستقلال الذي أظهرته دول اميركية لاتينية عديدة في السنوات الخمس الماضية يشكل تحديا صريحا لقوة الولايات المتحدة. مع ذلك ، تسمح واشنطن ، والى درجة غير مسبوقة في التاريخ الحديث ، لهذه الدول بأن تفعل ما يحلو لها. الاسبوع الماضي ، انتخب المقترعون في باراغوي رئيسا ذو نزعة يسارية معجب بتشي غيفارا.
وكان اشقاء الرئيس الثلاثة الناشطون قد تعرضوا للتعذيب خلال فترة الحكم الطويلة للدكتاتور الفريدو ستروسنر الخاضع لنفوذ واشنطن. وبالرغم من انه قد يكون احدث رئيس اميركي لاتيني ينضم الى نادي الزعماء المعادين لـ "اليانكي" ، فإن الولايات المتحدة لم تبذل جهدا منظما لمنع فوزه.
قبل ذلك بأيام قليلة ، ذكر بأن ميغيل ديسكوتو بروكمان الذي كان وزيرا للخارجية خلال فترة حكم الجبهة الساندينية في نيكاراغوا في الثمانينات والذي كان واحدا من أشد الشخصيات عداء لاميركا في تلك الحقبة ، سوف يكون الرئيس المقبل للجمعية العامة للامم المتحدة.
وفي ظل ظروف أخرى ، كانت واشنطن ستشن حملة على نطاق واسع لمنع ترشحه لهذا المنصب.
حكومة الاكوادور أعلنت من جانبها بأنها سوف تعارض تجديد عقد الاستئجار الاميركي للقاعدة العسكرية في مانتا ، والتي تعد واحدة من أضخم القواعد للولايات المتحدة في اميركا اللاتينية. واشنطن التي انفقت 60 مليون دولار على تحديث القاعدة حتى تستطيع استقبال مجموعة منوعة من الطائرات بما فيها طائرات المراقبة الجوية "اواكس" ، لن تكون مسرورة بالتأكيد ، لكنها لم تفعل الكثير لمنع الاكوادوريين من اغلاق القاعدة. هل كانت اميركا في اي فترة زمنية سابقة تكتفي بمجرد البقاء صامتة وتسمح بحدوث ذلك.
في وقت سابق من العام الحالي ، لاحق جنود كولومبيون ثوارا داخل الاكوادور ، متسببين بنشوب ازمة كادت تؤدي الى اندلاع حرب بين البلدين. ولأن كولومبيا تحكمها حكومة من الحكومات القلائل الباقية التي تسير في الفلك الاميركي ، كان يتوقع من المسوؤلين في واشنطن ان يحتشدوا الى جانبها بشكل لافت للنظر.
بدلا من ذلك ، بالكاد أطلقوا صوتا ضعيفا واهنا ، وتم حل الازمة بواسطة الاميركيين اللاتينيين دون اي توجيه من "الشمال".
هذا يعد انحرافا راديكاليا عن سياسة الولايات المتحدة تجاه اميركا اللاتينية والتي يزيد عمرها عن قرن ، وكان الرئيس تيودور روزفلت قد اعلن هذه السياسة في عام 1904 ، وعن تمسكه الصارم بمذهب مونرو. جوهر هذا المذهب هو ان واشنطن اخذت على عاتقها القيام بمهمة "قوة شرطة دولية" وسوف تتدخل في اي بلد في اميركا اللاتينية يشارك في "ارتكاب أخطاء مزمنة" او يفشل في تنفيذ التزاماته.
في العقود التي تلت ، تولت الولايات المتحدة رعاية الانظمة الدكتاتورية من كوبا الى البرازيل ، وعزلت حكومات من تشيلي الى غواتيمالا ، وانزلت جنود المارينز على الشواطىء من بنما الى هاييتي ، واحبطت انتخاب زعماء ميالين الى الاستقلال من غويانا الى جمهورية الدومينكان.
الاجيال في اميركا اللاتينية كبرت وهي تفهم بأن اي تحد للهيمنة الاميركية في العالم سوف يتم سحقه بسرعة وبكل العنف اللازم. هذه السياسة تغيرت الآن على نحو حاسم الى درجة دفعت رئيس الاكوادور رفائيل كوريا لأن يتوقع هذا الاسبوع ظهور "اميركا لاتينية اشتراكية".
وقام مؤخرا بعزل وزير الدفاع وكبار القادة العسكريين على اساس أنهم سمحوا بأن يصبح جهاز المخابرات في الاكوادور" مخترقا وخاضعا بالكامل لوكالة الاستخبارات المركزية الاميركية".
قبل مدة ليست طويلة ، كان اي سياسي يتحدث بمثل هذه الطريقة يعرض نفسه وبلده لغضب شديد من واشنطن.
الولايات المتحدة لم تصبح فجأة اكثر تسامحا مع التحديات القادمة من الجهة الجنوبية لحدودها.
ببساطة لم يبق لديها موارد هناك للتعامل معها. ادارة بوش اصبحت النسخة الجيوسياسية للساذج الذي يضرب به المثل والذي لا يستطيع السير ومضع العلكة في وقت واحد.
ولأنها غارقة بما يحدث في العراق وحوله ، فإنها تعير اهتماما قليلا للاجزاء الاخرى من العالم. ولم تحصل منطقة على فائدة من هذا التحول المناسب للاحداث اكثر من اميركا اللاتينية.
ناخبون كثيرون في الولايات المتحدة اصيبوا بالرعب عندما اشار السيناتور جون ماكين الى ان احتلال العراق قد يستمر قرنا آخر.
الاميركيون اللاتينيون ، مع ذلك ، يمكن الصفح عنهم لأن الفكرة أعجبتهم. السنوات الخمس الماضية بينت لهم انه كلما زاد غرق الولايات المتحدة في مستنقع الشرق الاوسط ، تمتعوا بمزيد من الحرية لرسم مستقبل بلادهم بأنفسهم.
الدستور الاردنية
المقالات تعبر عن رأي كاتبيها فقط
هدية العراق لأميركا اللاتينية ستيفن كنزر - «الغارديان»
