يوما بعد يوم تتشابك التجاذبات على الساحة العراقية بين حالة مقاومة للمحتل أثبتت نفسها ونالت اعترافا غير مباشر من الاحتلال عبر عرض التفاوض معها، وبين حكومة عاجزة عن تحقيق ما وعدت به من أمن واستقرار ورخاء اقتصادي، وبين شبح حرب طائفية تطل برأسها في ا عقاب استمرار الممارسات التي تستهدف الوجود السني من خلال أجهزة وزارة الداخلية المتعددة، والتي كشفت عن آخرها رئاسة الوقف السني وهيئة علماء المسلمين.
هذه التجاذبات وغيرها من المحاور الأخرى التي تشغل الساحة العراقية كانت مدار حوار أجرته «السبيل» مع الدكتور عبد السلام الكبيسي مسؤول العلاقات الخارجية في هيئة علماء المسلمين، حيث تحدث عن مواضيع مختلفة من أبرزها تقييمه لحالة المقاومة ووضع الاحتلال، إضافة إلى قراءته لسلوك الحكومة العراقية فيما يتعلق بالخطط الأمنية المتعددة، وفيما يلي نص الحوار:
السبيل: على الرغم من الحملات العسكرية الكبرى والخطط الأمنية التي تستهدف استمرار المقاومة، ما زالت الأوضاع في تصاعد،كيف تقرؤون التصعيد الأخير وماذا عن التأييد الشعبي للمقاومة؟
- إن ملاحظة ما يحدث بدقة على أرض الواقع من الاعتقالات المستمرة ليل نهار والتي تجاوزت عشرات الآلاف يعطي الحجم الحقيقي للتأييد الشعبي للمقاومة فالذين يعتقلون هم العراقيون النائمون في بيوتهم العزل من السلاح وليس أولئك الذين يضعون أصابعهم على الزناد بمعنى ان المطلوب اليوم المقاوم بالقوة وليس بالفعل حيث وصلت القوات الأمريكية من العجز بعد هزيمة القائم إلى أنها لا تستطيع أن تقتحم بيتا فيه مقاوم بالفعل وإنما تقصفه بالصواريخ كما حدث في منطقة الخضراء أخيرا وقبلها الكرابلة البطلة التي دمرت من الجو والبر عبر الصواريخ والمدفعية
السبيل: يتحدث البعض عن ان الولايات المتحدة تخفي حقيقة خسائرها في العراق ولا تعلن إلا عن القليل،هل لديكم معلومات في هذا الاتجاه بحكم قربكم من الحدث العراقي؟ وهل تسريب معلومات عن مفاوضات مع فصائل المقاومة هو نوع من الاعتراف الأمريكي بوزنها وتأثيرها،وما حجم هذه الاتصالات؟
- الخسارة الحقيقية لساسة واشنطن انهم فقدوا المصداقية لدى شعوبهم وشعوب العالم قاطبة ولم تعد لهم كلمة على أحد إلا على عملائهم من بعض ساسة العالم ومن لم تعد له مقدرة على قول لا رغبا أو رهبا وقضية خسائرهم في العراق التي يخفون حقيقتها ساهمت بنسبة ليست بالقليلة في هذا الاتجاه ومسألة المفاوضات مع المقاومة أعلنت ولكن ما أهدافها هذا ليس بالشيء المهم لأن المقاومة اجتازت مرحلة الاحتواء إلى مرحلة الندية.
السبيل: هل تستشعرون حقيقة وجود سعي أمريكي لجدولة خروج قواتها من العراق،ومن وجهة نظركم هل بات الأمر ممكنا على المدى الزمني المنظور؟
- ان عقلية الساسة الأمريكان الحاكمين أسيرة التفكير الاستعماري وبغزوهم للعراق أرادوا عن قصد وسبق إصرار أن يعيدوا عقارب الساعة إلى الوراء لتجسيد فكرة الهيمنة المطلقة لهم التي كانت الدافع الأول للفعل الأكثر إجراما في التاريخ البشري في ضرب هيروشيما وناغازاكي اليابانيتين بالقنبلتين الذريتين لكنهم اخطأوا الهدف واصطدموا برجال الرافدين الأباة وظاهريا لوحوا بالاستجابة إلى جدولة خروجهم من العراق ولكن هل هو تكتيك أم مبدأ؟ كل المؤشرات تدل على رغبة الساسة الأمريكان وتخطيطهم لإدامة الصراع على أرض العراق ليحققوا الهدف غير الأخلاقي الذي أعلن عنه بوش أخيرا بأن احتلال العراق يحقق أمن أمريكا ولكن الحقائق على الأرض تقول بأن أمريكا تقاتل في الوقت الضائع وان مزاعمها في تحرير العراق وإقامة النموذج الديمقراطي قد دفنت في مقبرة بحر النجف ومقبرة شهداء الفلوجة أما حقوق الإنسان فلقد ذبحت من الوريد إلى الوريد في سجن أبي غريب وبوكا وفي عمليات مصارع الثيران والبرق،وإذا ما كان الدرس الفيتنامي في عام 1975 لأميركا مرعبا، خلص البشرية من شرورها بعد أكثر من خمس عشرة سنة فأن الدرس العراقي سيجعلها تنكفئ داخل حدودها أبد الدهر والفضل والمنة في ذلك لله وحده.
السبيل: ما تقييمكم لشكل علاقتكم مع الحكومة العراقية في ظل التوترات الأخيرة بين الهيئة ووزير الداخلية؟
- ليس لنا خصومة مع فرد أو مجموعة أو منظمة الهيئة رفضت حالة قوامها التصفيات الوظيفية والجسدية على الهوية بحيث أن الشارع السنّي وصل إلى قناعة بأن ما يتعرض له من قتل وتهجير هو مسألة طائفية، فكانت خطوتنا المهدئة بأن هذا الفعل ليس طائفيا وإنما تتبناه مكونات سياسية شيعية في الحكومة بزعم مكافحة الإرهاب وتنفذه ميليشياتهم، ومما ساعدنا في تفهم الشارع السني لهذه الخطوة أن أخوة كثيرين من الشيعة رفضوا أن يقبلوا التهجير القسري الذي حصل في مناطق كثيرة لأخوتهم السنة في بغداد وغيرها وتكلموا معنا راجين أن يعودوا إلى جيرتهم كذلك فإن الاخوة في مكتب الشهيد الصدر عرضوا علينا مشكورين أن يتعهدوا بحماية هؤلاء في مناطق الشعب والجزائر وفي بغداد
السبيل: وضعت الحكومة العراقية الخطة الأمنية تلو الأخرى دون أن يعمل ذلك على إنهاء حالة التدهور الأمني،أنتم في الهيئة كيف تنظرون إلى هذه الخطط وما تقييمكم لسلوك الحكومة ضد تجمعات ومدن عراقية؟
- هناك الحقائق لا يمكن القفز فوقها وهي أن من يتعاون مع القوات الغازية لضرب أبناء بلده وتخريب مدنه وقراه كما يحدث اليوم في هيت ومدينة القائم وتل عفر والكرابلة وبهرز وغيرها، ويشرعن وجود هؤلاء الغزاة ويرى أن في مقاومته إرهابا، لا يمكن أن يؤسس أمنا لأن الأمن لا يؤسس إلا على العدل. كذلك فإن من يرضى بالاحتلال ويصر على بقائه وعدم جدولة انسحابه مقابل امتيازات نفعية يجدها في هذه الزاوية أو تلك، ليس بمقدوره أن يؤسس بلدا آمنا دمره المحتلون والغزاة عن آخره، هذا في الجانب الواقعي، أما في الجانب العملي فقد أصبح تهديد الناس ومداهمة بيوتهم وتحويل سكن الليل إلى فزع ومعاش النهار الى قتل والتعذيب ،أصبح حالة قائمة على قدم وساق، وتنتقل من مدينة الى مدينة تحت مسميات أمست مستهجنة كعملية «مصارعة الثيران» و«السيف» و«البرق» و«الرعد» وهذه مأساة حقيقية شرعية وقانونية تنحدر إلى الخيانة والى إرهاب الدولة. ان عشرات الآلاف من أبنائنا أخذوا عبر المداهمات وكل ذنب المعتقل أنه جالس في بيته لأنه بلا عمل ولا يكتفى بالاعتقال بل يجبر ان يعترف بارتكاب قائمة من الجرائم وإلا فالتمثيل به عبر وسائل تعذيب لم يعهدها العالم من قبل مثل كسر الفخذ والساق أو خلع العين وشل الذكورة والخرق بـ«الدريل»، وهناك عشرات الناس قضوا نحبهم تحت التعذيب ومنهم شيوخ تجاوزوا السبعين من عمرهم. لذلك فإن ما حدث ويحدث على أرض العراق يحتاج إلى مراجعة حقيقية من الحكومة لهذه المواقف، لأن المشكلة ليست أمنية وإنما هي سياسية بالدرجة الاولى، والمشكل السياسي لا يحل عبر القوة أو الموقف الطائفي لأن التكوينة العراقية على مستواها الاجتماعي والشخصاني عصية على الاختراق او الرضوخ
السبيل: في ظل الحديث عن استهداف أهل السنة وهيئة علماء المسلمين،أين وصلت الأمور على هذا الصعيد وهل تحمل الأيام القادمة بوادر فتنة طائفية،وكيف تقيمون العلاقة بين السنة والشيعة على خلفية هذه التجاذبات؟
- لا شك أن الأمر خطير ذلك لأن تصرف الأجهزة الأمنية سواء في مداهماتها لمساجد السنة وبيوتهم كان يتسلح بكلمات طائفية، حيث ان مسبة الشيخين والصحابة والسنة أولى الكلمات التي تسمع، بل وصل الأمر حين مداهمتهم للقسم الداخلي لكلية الإمام الأعظم إن يضعواالتراب في دواليب الطلاب وما ذاك إلا لدفع البلد إلى حرب طائفية علها تكون سبيلا لالتفاف الشارع الشيعي حول هذه المكونات، لكن الواقع على الأرض ما زال متماسكا من حيث أن هذه الأعمال أوجدت استياء كبيرا في الشارع الشيعي وأصبحت العلاقة ين الشيعة والسنة أكثر تماسكا في مناطق كثيرة، وهذا ما دعا من يصطادون بالماء العكر أن يعمدوا إلى رموز هيئة علماء المسلمين بالاعتقال أو الاغتيال لدورهم الكبير في فضح هذه الممارسات التي يراد لها أن تتم باسم الشيعة وتثير الطائفية.
جريدة السبيل
حاوره: عزالدين أحمد
23/7/2005
د.عبد السلام الكبيسي: الخسارة الحقيقة لساسة واشنطن أنهم فقدوا المصداقية لدى شعوبهم.. حوار مع السبيل
