لعنة احتلال العراق تلاحق الجميع - محمد عارف
صرخت المرأة مستنجدة بالناس العثور على ابنها الذي ضاع في زحام السوق، فطمأنها المارة: "لا تخافين... ما دام ابن حلال ما
يضيع". فانفجرت تُعول: "يا ويلي راح الولد"!.. هذه النكتة المقذعة أخفّ ما يمكن قوله في وصف النظام الذي أنجبه الاحتلال في العراق. فالدراسات والكتب الصادرة بمناسبة مرور خمس سنوات على الغزو تكشف عن فاجعة من النوع الذي يقول عنه المثل السومري: "إنها إهانة أنتجتها إهانة، ولعنة أنتجتها لعنة. إنها التجديد الدائم للمصير".
ولعنة الاحتلال لا تلاحق العراق وحده، أو الولايات المتحدة وبريطانيا فقط، أو دول الجوار والمنطقة فحسب، بل العالم كله، ولا يقتصر أثرها على الأجيال الحالية بل يمتد إلى أجيال عدة قادمة. يذكر ذلك عالم الاقتصاد الأميركي "جوزيف ستيغليتز"، الحائز على جائزة نوبل عام 2001. وكعناوين الحروب الأسطورية في التاريخ يحمل كتابه الذي صدر هذا الشهر عنوان "حرب الثلاثة تريليونات دولار". وإذا كانت الأموال تتكلم، كما يُقالُ بالإنجليزية، فإن كلامها فاحش في حرب العراق.
فالكلفة الكلية للحرب وتبعاتها بالنسبة للولايات المتحدة فقط تبلغ ثلاثة تريليونات دولار، وهو رقم متحفظ في تقدير العالم الأميركي، ولا يمثل سوى نصف إجمالي الكلفة البالغ ستة تريليونات دولار. النصف الآخر تتحمله باقي دول العالم، وفي مقدمتها العراق. وسجّل احتلال العراق أرقاماً قياسية في تاريخ الحروب، حيث تخطّى زمنياً الحربين العالميتين الأولى والثانية، وتجاوزت كلفة العمليات الحربية خلال السنوات الخمس الماضية كلفة الحرب الفيتنامية التي دامت 12 عاماً، وبلغت ضعفي كلفة الحرب الكورية. ويعادل الإنفاق الشهري على الحرب في العراق وأفغانستان، والبالغ 16 مليار دولار الموازنة السنوية لمنظمة "الأمم المتحدة".
الاحتلال يمارس التمييز ضد الشركات العراقية، فقد أعطى مقاولة طلاء لشركة أميركية بـ25 مليون دولار، بدل شركة عراقية بـ5 ملايين دولار!
واحتلال العراق وحده يكلف 12 مليارا و500 مليون دولار شهرياً. ويمثل هذا الرقم النفقات الجارية فقط، وليس العمليات الحربية التي تكلف خمسة مليارات دولار كل عشرة أيام. ولا يتضمن الرقمان كلاهما تبعات الحرب، كدفع تعويضات قتلى الأميركيين، وعلاج جرحاهم المصابين بجروح خطيرة لم يشهد الأطباء العسكريون مثيلاً لها، حسب بيانات أوردها المؤلف. ويمكن تصور تبعات احتلال العراق إذا علمنا أن الولايات المتحدة لا تزال تدفع 4 مليارات و30 مليون دولار سنوياً تعويضات عن القتلى والمعوقين وتقاعد المحاربين القدماء في حرب الخليج 1991.
ما كلفة الحرب بالنسبة للعراق، ومن سيتحمل دفع التعويضات عن ملايين العراقيين القتلى والمعوقين والمشردين واللاجئين، بل من يحصي أعدادهم؟.. لا يعالج العالم الأميركي هذه الأسئلة، لكنه يُقرُّ بمسؤولية بلاده عن الكارثة، ويندد بإجراءات حاكم الاحتلال بول بريمر الذي نزع بجرة قلم ممتلكات الدولة العراقية، وقضى على موارد الضرائب والتعريفات الجمركية على المستوردات، وقتل الصناعة العراقية في المنافسة المكشوفة مع السلع المستوردة، وسمح للشركات الأجنبية العاملة في العراق باستيراد القوة العاملة من الخارج رغم أن واحداً من كل عراقيين اثنين عاطل عن العمل. ويفضح الكتاب التمييز ضد الشركات العراقية، كما حدث في إحالة مقاولة طلاء لشركة أميركية لقاء 25 مليون دولار بدلاً من إعطائها لشركة عراقية مقابل 5 ملايين دولار.
ولا تمثل الجرائم المتعمدة سوى الجزء الظاهر للعيان من نظام الاحتلال الخارج عن السيطرة، وهذه هي المصيبة. فالعالم يعرف فضيحة ضياع مبلغ التسعة مليارات دولار من أموال العراق المخصصة لما يسمى "صندوق التنمية" خلال عهد بول بريمر. لكن يستحيل معرفة حجم الأموال المتسربة بين "شقوق" وزارة الدفاع الأميركية والتي يقول عنها مؤلف الكتاب "إنها فشلت في كل حساباتها المالية خلال السنوات العشر الماضية"!.. ويمكن أن نتصور خلفية النهب الفاحش لأموال العراق، والتي وضع الاحتلال يده عليها، إذا علمنا أن "الدائرة المالية لوزارة الدفاع الأميركية تعتمد على نظام محاسبة عاجز عن تدقيق أي مبلغ يزيد عن مشتريات حانوت بضائع، وغير وافٍ إلى حدٍ يجعل من المستحيل غالباً معرفة كم أنفق من المال، وعلى ماذا؟".
وكيف يمكن التعامل مع إدارة واشنطن التي تواصل تقديم معلومات مضللة، كما حدث في تقدير كلفة الحملة العسكرية الأخيرة في العراق بمبلغ خمسة مليارات و600 مليون دولار، وظهر فيما بعد أن المبلغ يمثل كلفة الفرق الحربية لمدة أربعة أشهر فقط، ولا يتضمن كلفة قوات الدعم الإضافية، والتي يبلغ تعدادها نحو 28 ألفا. ولا تدخل في الحساب الأموال المدفوعة عن الموتى أو لعلاج الجرحى، والذين يبلغ معدلهم سبعة مقابل كل وفاة، وهي نسبة لا مثيل لها في تاريخ الولايات المتحدة. وهذا عدد جرحى العمليات الحربية فقط، ولا يدخل ضمنه ضحايا حوادث تصادم الطائرات، أو ضحايا التمرينات، أو المرضى الذين يشكلون ثلثي عدد الذين يتم إجلاؤهم من مواقع العمليات الحربية. وقد عثر مؤلف الكتاب على هذه الأرقام صدفة خلال بحثه في ملفات "وزارة شؤون المحاربين القدماء"!
وتكمن أهمية كتاب "حرب الثلاثة تريليونات دولار" في المكانة الأكاديمية لمؤلفه وخبرته العملية، حيث شغل فترة أربع سنوات عضوية "مجلس المستشارين الاقتصاديين" للرئيس السابق بيل كلينتون، واحتل خلال ثلاث سنوات منصب كبير الاقتصاديين في "البنك الدولي" حيث خاض معارك مشهورة ضد مشاريع الخصخصة التي يعمل البنك على تطبيقها في الدول النامية. وهو يسخر في كتابه من سذاجة الفصل بين مشكلتي احتلال العراق والأزمة الاقتصادية العالمية الراهنة، مؤكداً أنهما وجهان لمشكلة واحدة، وأن الخطر لا يهدد الاقتصاد الأميركي وحده بل العالمي أيضاً. ويذكر "أن الحرب كلفت العالم تريليونات الدولارات، ويشمل ذلك طبعاً الاقتصاد العراقي المحطم، وعشرات الآلاف من قتلى العراقيين، والثمن الذي دفعته البلدان المجاورة على إيواء آلاف اللاجئين، وقتلى وجرحى الدول المشاركة في الحرب".
ومع أنه يدعو إلى الجلاء العاجل عن العراق إلاّ أن اهتمامه منصّب على بلاده، حيث يسأل صراحة في مقدمة كتابه: "كيف يمكننا تخليص أنفسنا من العراق بأقل ما يمكن من الضرر؟". ويعرض في خاتمة كتابه 18 اقتراحاً بإصلاحات قانونية وإجرائية في الإدارة الأميركية لضمان عدم التورط بكارثة حرب أخرى. ولا تتضمن الاقتراحات اقتراحاً خاصاً بالعراق سوى الإقرار بأن على الولايات المتحدة دفع مليارات الدولارات للعراق في العقد القادم، ومواجهة "العواقب البعيدة المدى لغزو العراق عام 2003 والتي سوف تتحملها أجيال أميركية عدة قادمة".
من يُخلّص العراقيين من الاحتلال، ومن يفاوض للحصول على تعويضات عادلة لهم، ومن يضع الإصلاحات الواجب إدخالها على مجتمعهم ودولتهم لمنع فاجعة احتلال أخرى؟.. لن يقدر على ذلك غير أهل العراق المحفور في قلوبهم المثل السومري: "التسليم بالقضاء والقدر ممكن، لكن التسليم باللعنة مستحيل". فالمستسلم للاحتلال كالمخمور الذي تقول عنه النكتة إنه قصد محطة الوقود لشراء قنينة غاز، وعندما طلبوا منه أن يأتي بالقنينة الفارغة لاستبدالها قال: "ماكو حاجة... أشربها هنا"!
الاتحاد الاماراتية
المقالات تعبر عن راي كاتبيها فقط
لعنة احتلال العراق تلاحق الجميع - محمد عارف
